يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

مبادرة أممية لإنهاء الحرب.. ومناورات الحوثيين بحثًا عن غنيمة

الأحد 17/يونيو/2018 - 10:06 م
الحوثيين - أرشيفية
الحوثيين - أرشيفية
طه علي أحمد
طباعة
صرّح وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، أنور قرقاش، عن قرب التوصل لاتفاق بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين يتضمن انسحاب الأخيرة من مدينة الحُدَيدة، وذلك في إطار مبادرة المبعوث الأممي «مارتن غريفث»؛ للخروج من دائرة الحلول العسكرية إلى الدائرة السياسية؛ حيث شملت المبادرة انسحاب الميليشيات الحوثية من الحُدَيدة، على أن تخضع المدينة الاستراتيجية لإشراف الأمم المتحدة، كما شملت ضمانات لتهدئة مخاوف الحوثي بشأن تنفيذ خطوات الحل، وفق خارطة الطريق التي وضعها المبعوث الأممي.

تزامنت تصريحات الوزير الإماراتي مع تقديم المبعوث الدولي لليمن «مارتن غريفيث»، الذي يزور العاصمة صنعاء حاليًّا، مبادرة بوضع الحديدة تحت إشراف أممي، وهو ما لاقى بدوره خلافًا داخليًّا بين قيادات الصف الأول من الحوثيين؛ حيث يرى فريق إمكانية التعاطي مع تلك المبادرة في مقابل ضمانات بتأمين مستقبل الجماعة المتمردة بعد تسليم الميناء، بعد أن اشتد الخناق على الحوثيين، في ضوء الضربات المكثفة التي توجهها قوات الجيش اليمني مدعومة من قوات التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات، وهو ما يدركه ذلك الفريق، بينما يعترض آخرون على تسليم المدينة؛ إذ يرون أن في ذلك نهاية لهم.

لم تكن تلك المبادرة الأولى من نوعها؛ فقد تقدم المبعوث الأممي السابق، إسماعيل ولد شيخ أحمد بمبادرة شبيهة، لكن رفْض الحوثيين حال دون تحقيقها؛ حيث نبع موقف الحوثيين في رفضهم مبادرة ولد شيخ أحمد على ما كانوا عليه من تفوق ميداني.

بينما تأتي المبادرة الأخيرة في ظلِّ تبدل الأوضاع الميدانية، خاصةً بعد الانتصارات الأخيرة، خاصةً بعد تمكن قوات الجيش اليمني مدعومة من قوات «التحالف» من السيطرة على مطار الحديدة في إطار عملية النصر الذهبي، فيما فَرض على الحوثيين ضرورة مراعاة المستجدات الأخيرة في الاعتبار، والتفكير بعقلانية، وإبداء درجة أكبر من المرونة فيما يتوافق مع المأزق الأخير الذي أضحى عليه الحوثيون.

بجانب الوضع الميداني، يعاني الحوثيون أزمة داخلية بين الصفوف القيادية للجماعة، خاصة بعد استهداف قوات التحالف لعدد من القيادات المؤثرة، التي كان أخطرها مقتل صالح الصماد رئيس ما يعرف بـ«المجلس السياسي» لجماعة الحوثي، وما ترتب على ذلك من انشقاقات وحالات تمرد؛ اعتراضًا على خلافة مهدي المشاط للصماد؛ الأمر الذي أسهم في إرباك الجماعة.

لم ينفصل ما سبق عن سلسلة الهزائم التي مُنِيَت بها الجماعة التي بدأ بعض قياداتها يعترفون بها أخيرًا، مثل حميد رزق، الذي زعم أن انسحاب الجماعة من مطار الحديدة إنما هو خطوة تكتيكية، إلا أن تبرير رزق يمكن النظر إليه باعتباره تمهيدًا لتقبل الواقع الجديد، كما حدث في مرات سابقة؛ فقد اعتمدت قوات التحالف هذه المرة على استراتيجية تقوم على حصار المتمردين داخل المطار من جهات عدّة، فيما يشبه الكماشة، وقطع طرق الإمداد التي يمكن أن تطيل أمد الاشتباكات.

هنا يمكن الإشارة إلى أن الموقف الرئيسي للحوثيين من المبادرة الأخيرة مرهون بالضرورة برؤية إيران، الممول والداعم الرئيسي للحوثيين، فلعل الحوثيين أرادوا الرجوع إلى طهران حينما طلبوا مهلة 24 ساعة لدراسة المبادرة الأممية، ومن ثم مستقبل تلك المبادرة مرهون بهامش المناورة المسموح بها من قِبل طهران؛ فحينما رفض الحوثيون تعيين أحمد بن مبارك رئيسًا للوزراء، كان ذلك بإيعاز من إيران التي تتخذ موقفًا سلبيًّا منه.

فضلًا عن ذلك، فإن الموقف الإيراني يرتبط بأهمية الحديدة بالقلب من رؤية طهران بالأزمة اليمنية؛ فالحديدة تحتل المركز الثاني بالنسبة للموانئ اليمنية من حيث الحجم ومساهمته في حركة الصادرات والواردات اليمنية؛ حيث تعني استعادة الميناء الاستفادة في زيادة موارد الدولة التي تأتي عبر هذا الميناء، فضلًا عن الحيلولة دون تهريب الأسلحة والصواريخ الباليستية، التي بلغت 151 صاروخًا أُطلق تجاه المملكة العربية السعودية أخيرًا، أما بالنسبة للحوثيين فإن السيطرة على الميناء تعني زيادة مواردهم؛ حيث تصل إيرادات الميناء شهريًّا 40 مليون دولار؛ ما يعني إطالة أمد الحرب، ومن ثم فإن خسارة الميناء تعني قطع إمدادات السلاح الواردة من إيران للحوثيين. 

كما تمتد سواحل مدينة الحديدة من اللحمة في الشمال إلى الخوخة في الجنوب بطول نحو 300 كم وعرض يتراوح بين 60 – 150 كم، إضافة إلى وجود 40 جزيرة في البحر الأحمر بعضها استراتيجي، مثل جزر أرخبيل حنيش، وجزر تقفاش التي يصل ارتفاع جبالها أكثر من 300 قدم؛ ما يجعلها قادرة على مراقبة الملاحة العالمية، فضلًا عن ذلك توجد بها جزيرة كمران التي تمتلك أعمق ميناء على على البحر الأحمر، الذي بإمكانه استقبال السفن الضخمة، التي لا تستطيع الوصول إلى ميناء الحديدة.

وهو ما يعني صعوبة أن تفرط طهران في مكتسباتها باليمن؛ حيث تسعى وفقًا لبعض التقارير إلى وضع استراتيجية طويلة الأجل (حتى 2025) تهدف لنشر قواتها البحرية من مضيق هرمز إلى مضيق ملقا، وهو ما سمح بتعزيز النفوذ لإيراني على حركة نقل لنفط البحرية؛ ما يمكن استغلاله كورقة مع الغرب في أي عملية تفاوضية في ظلِّ الموقف العدائي الأمريكي، خاصةً بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو.

ومن ثم فمن المستبعد أن تلقي مبادرة غريفثس جدية ومرونة من قِبَل جماعة الحوثي، التي صَرَّح المتحدث باسمها محمد عبدالسلام، مهاجمًا المبعوث الأممي، معتبرًا أنه غطاء للحرب، وأن زيارته محكوم عليها بالفشل المحتوم، وهو يعكس نوايا عدائية تجاه المبادرة.

فضلًا عن ذلك، تأتي الصواريخ الباليستية (إيرانية الصنع)، التي اعتاد الحوثيون توجيهها للسعودية، والخطاب السياسي والإعلامي القائم على عداوة السعودية والإمارات، الذي يتبناه الحوثيون، دليلًا على التأكيد على وكالة الحوثيين لإيران في تنفيذ مخططاتها بالخليج العربي.

ولعل في ذلك ما يعكس دعمًا مطلقًا من إيران لوكلائها في اليمن، فيما يشير إلى تلاشي الرؤى التصالحية لصالح الصدام، الذي بات محتومًا بين إيران ودول الخليج العربي على خلفية المخططات التي تتبناها طهران خلال السنوات الأخيرة، فما بين المناورة، والعداء المطلق من غير المحتمل أن تجد المبادرة الأممية طريقًا لها إلى النور، حتى وإن أعلن الحوثيون قبولها مؤقتًا بحكم انهيار موقفها ميدانيًّا.
"