يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

20 عامًا على وفاة «إمام الدعاة»..«الشعراوي» فيض من نور الوسطية

الأحد 17/يونيو/2018 - 11:03 ص
محمد متولى الشعراوى
محمد متولى الشعراوى
آية عز
طباعة
«اليقين الذي لاشك فيه هو أننا جميعًا سنلاقي الله سبحانه وتعالى يوم القيامة. وسيحاسبنا على أعمالنا، ومع أن هذا يقين، فإن كثيرًا من الناس لا يلتفتون إليه، يسعون للمستقبل المظنون، ولا يحس واحد منهم بيقين الآخرة، فتجد قليلًا من الآباء هم الذين يبذلون جهدًا لحمل أبنائهم على الصلاة وعبادة الله والأمانة وكل ما يقربهم إلى الله؛ أنهم ينسون النعيم الحقيقي، ويجرون وراء الرذائل، فتكون النتيجة عليهم وبالًا في الآخرة».

كلمات مأثورة، ضمن مئات الحكم والعبارات الكثيرة التى طُبعت في أذهان أبناء الأمة الإسلامية الوسطية على لسان أبرز مجددي العصر، الداعية والمفسر الراحل محمد متولي الشعراوي. 

تمر اليوم ذكرى عشرون عامًا على وفاة «الشعراوي»، ففي صبيحة 17 يونيو 1998، غادر الحياة مخلفًا وراءه كنزًا نفيسًا، من الأحاديث، وتفسيرات الآيات القرآنية والأدعية والمقولات التي ومازالت خالدة، خاصةً أن كثيرًا من قنوات التلفزيون الرسمي المصري، والفضائيات الخاصة تحرص على عرض حلقات متتالية لتفسيره للقرآن الكريم، خاصةً في شهر رمضان الكريم.

ولد «الشعراوى» في الخامس من أبريل١٩١١، بقرية «دقادوس» في مركز «ميت غمر» التابع لمحافظة الدقهلية في دلتا مصر، وحرص والده منذ نعومة أظفاره على تعليم نجله القرآن الكريم؛ لذلك قام بإلحاقه بكتاب القرية، حتى استطاع «الشعراوي» حفظ القرآن الكريم كاملًا في سن الـ11 عامًا، وكان ذلك في عام 1922، وهو العام نفسه الذي التحق فيه الشعراوي بمعهد الزقازيق الابتدائي الأزهري، وحصل فيه على الشهادة الابتدائية عام 1923، ثم التحق بالمرحلة الإعدادية ومنها إلى الثانوية الأزهرية، وكان رئيسًا لاتحاد طلاب المعهد الديني الثانوي.

وبالرغم من التفوق والسيرة الطيبة التي كوّنها الشعراوي طوال فترة دراسته، فإنه عقب أن انتهى من دراسته في الثانوية رفض أن يلتحق بجامعة الأزهر في القاهرة، وخالف رغبة والده في ذلك، وحينها فضل أن يكون بالقرب من أشقائه، وأن يساعدهم في زراعة الأرض.

لكن كانت كلمة الأب هي العليا، حينما أصر على دفع مصروفات الدراسة بالأزهر الشريف واستأجر له مكانًا يسكن فيه بقاهرة المعز، ورغم تنفيذ الأب قراره فإن الشيخ الصغير حاول المراوغة والضغط على والده بطرق غير مباشرة، حتى يجبره على تغيير رأيه في استكمال تعليمه؛ حيث وضع شروطًا تعجيزية، وطلب من والده كتبًا دراسية بثمن باهظ، والغريب أنها كانت خارج المقرر الدراسي، لكن الأب وافق؛ لأنه فطن حيلة نجله.

وفي نهاية المطاف نفذ الشعراوي رغبة والده دون أن يعلم أن استكماله لدراسته سيفتح له أبواب كثيرة، والتحق بكلية اللغة العربية عام 1937 وتخرج فيها عام 1940، ثم حصل على إجازة التدريس عام 1943، وتم تعيينه في المعهد الديني بطنطا عقب هذه الإجازة، ثم عين بالمعهد الديني بالزقازيق ومنه إلى المعهد الديني بالإسكندرية، حتى سافر إلى المملكة العربية السعودية عام 1950 ليعين أستاذًا لتدريس الشريعة بجامعة «أم القرى».

وسرعان ما عاد إلي مصر مرة أخري، وتم تعيينه مديرًا لمكتب شيخ الأزهر، ثم سافر مرةً ثانيةً لكن هذه المرة إلى الجزائر، وظل هناك نحو 7 أعوام قضاها في تدريس اللغة العربية وأصول الدين والشريعة الإسلامية، حتى عاد إلى مصر عام 1967، وعيّن حينها مديرًا للأوقاف في محافظة الغربية، ثم وكيلًا للأزهر، حتى سافر ثانيةً إلى السعودية، ليعمل مدرسًا في جامعة الملك عبدالعزيز، لكنه عاد مرة أخرى إلى مصر، وفي نوفمبر ١٩٧٦ اختاره ممدوح سالم رئيس الوزراء، لتولى حقيبة الأوقاف وشؤون الأزهر، وظل في الوزارة حتى أكتوبر ١٩٧٨، وفي عام ١٩٨٧ تم اختياره ليكون عضوًا بمجمع اللغة العربية.

علاقاته بالرؤساء
بسبب شخصية الشيخ الشعراوي الاجتماعية ومكانته العلمية المرموقة، حدث تقارب كبير بينه وبين حكام مصر في العقود السابقة؛ ففي البداية كانت علاقتة بالملك فاروق ليست جيدةً؛ بسبب اعتراضه على أسلوب حكمه، خاصة أن الأزهر وطلابه كانوا على خلاف دائم مع الملك طوال فترة حكمه؛ بسبب الاختلافات الفكرية والسياسية في ذلك الوقت.

وعقب قيام ثورة 23 يوليو 1952، كان الشعراوي على علاقة وثيقة بمحمد نجيب قائد الضباط الأحرار، الذي أصبح رئيسًا للجمهورية.

أما علاقته بالرئيس الراحل جمال عبدالناصر فكانت قويةً وجيدةً للغاية؛ لأنه حرص دائمًا أن يكون بجانبه من خلال عمله الدعوي؛ وذلك لأنه شعر بصعوبة المرحلة التي تولى فيها عبدالناصر زمام الأمور في مصر، خاصةً أن البلاد في تلك الفترة دخلت في حروب كثيرة مع إسرائيل وبعض الدول الأجنبية الأخرى.

أما الرئيس الراحل محمد أنور السادات، فكانت علاقة «الشعراوي» به مختلفه نوعًا ما، فكان في حالة جدال ونقاش محتدم مستمر معه، ويرجع السبب في ذلك؛ إلى أن السادات كان يرغب في الانفتاح الحضاري والثقافي، فيما يتفق وعادات وتقاليد المجتمع المصري، وهذا الانفتاح رفضه «الشعراوي» ودخل من أجله في صدامات فكرية مع «السادات».

وفي عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، لم تتصف العلاقة بالقوة، لكنها تميزت بأقوى العبارات التي تواجه حاكمًا من أحد علماء الأمة، وهو ما أعقب محاولة اغتيال «مبارك» في «أديس أبابا» 1995؛ إذ قال «الشعراوى» في مقابلة رسمية بـــ«مبارك» مع جمع من رجال الدين الإسلامي والمسيحي، جملته الشهيرة: «وإنى يا سيادة الرئيس أقف على عتبة دنياي لأستقبل أجل الله، فلن أختم حياتي بنفاق، ولن أبرز عن ثريتي باجتراء، ولكني أقول كلمة موجزة للأمة كلها، حكومة وحزبًا، ومعارضة ورجالًا، وشعبًا آسف أن يكون سلبيًّا، أريد منهم أن يعلموا أن الملك كله بيد الله يؤتيه من يشاء، فلا تآمر لأخذه ولا كيد للوصول إليه؛ لأنه لن يحكم أحد في ملك الله إلا بمراد الله، فإن كان عادلًا فقد نفع بعدله، وإن كان جائرًا ظالمًا بشع الظلم وقبحه في نفوس الناس، فيكرهون كل ظالم ولو لم يكن حاكمًا! أنصح كل من يجول برأسه أن يكون حاكمًا بألا تطلبه، بل يجب أن تُطْلَب له، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من طُلب إلى شيء أعين عليه، ومن طَلب شيئًا وكل إليه».

ثم التفت الشيخ إلى «مبارك» قائلًا: «آخر ما أود أن أقوله لك ولعله آخر ما يكون لقائي أنا بك، إذا كنت قدرنا فليوفقك الله، وإذا كنا قدرك فليعنك الله على أن تتحمل».

وتميز «الشعراوي» بأقوال كثيرة وبسيطة يتناقلها محبوه عن لسانه، وكان أبرزها «لا تعبدوا الله ليعطي، بل اعبدوه ليرضى، فإن رضي أدهشكم بعطائه»، وقوله: «لا تقلق من تدابير البشر، فأقصى ما يستطيعون فعله معك هو تنفيذ إرادة الله»، وبسبب بساطته في الحديث، وقبوله على الشاشة المصرية نال «الشعراوي» ألقابًا عديدة، منها وأشهرها لقب «إمام الدعاة».

كما مُنح الشعراوي وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى؛ لبلوغه سن التقاعد في 15 أبريل 1976، وذلك قبل تعيينه وزيرًا للأوقاف وشؤون الأزهر.

وكذلك مُنح وسام الجمهورية من الطبقة الأولى مرتين؛ الأولى كانت عام 1983، والثانية كانت عام 1988، وكذلك وسام في يوم الدعاة، كما حصل على الدكتوراه الفخرية في الآداب من جامعتي المنصورة والمنوفية، إضافة إلى ذلك جعلته محافظة الدقهلية شخصية المهرجان الثقافي لعام 1989، وكذلك أعلنت عن مسابقة لنيل جوائز تقديرية وتشجيعية عن حياته ودوره في الدعوة الإسلامية على المستوى الدولي والمحلي، واختارته رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة عضوًا بالهيئة التأسيسية لمؤتمر الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، والسنة النبوية الذي تنظمه الرابطة في السعودية.

بدايته إعلاميًّا
بدأ «الشعراوي» الظهور على شاشات التلفاز 1980، من خلال برنامج لتفسير القرآن الكريم، واستمرت فترات إذاعة هذا البرنامج حتى وفاته 1998، ومن أشهر برامجه الأخرى أيضًا برنامج «نفحات إيمانية».

وكان لإمام الدعاة الكثير من المؤلفات، أشهرها «مجلد تفسير للقرآن الكريم»، «الإسراء والمعراج »، «أسرار بسم الله الرحمن الرحيم»، «الإسلام والفكر المعاصر»، «الإسلام والمرأة»، «عقيدة ومنهج»، «الشورى والتشريع في الإسلام»، «الصلاة وأركان الإسلام»، «الطريق إلى الله»، «الفتاوى»، «لبيك اللهم لبيك»، «100 سؤال وجواب في الفقه الإسلامي»، «المرأة كما أرادها الله»، «معجزة القرآن»، «من فيض القرآن»، «نظرات في القرآن»، «على مائدة الفكر الإسلامي»، «القضاء والقدر» و«هذا هو الإسلام».

"