يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

مستقبل السودان بعد المصالحة مع الجماعات المسلحة ورفع «الخرطوم» من قوائم الإرهاب

الخميس 22/أكتوبر/2020 - 10:51 م
المرجع
محمد يسري
طباعة

في الحادي والثلاثين من أغسطس 2020، وقعت الحكومة الانتقالية السودانية اتفاق سلام مع حركات التمرد المسلحة، في البلاد في خطوة اعتبرها الكثيرون تأسيسًا جديدًا لدولة السودان، تنتهي فيها الحرب الأهلية المستمرة منذ عقود خاصة في جنوب البلاد وغربها، وخلال النصف الأول من شهر أكتوبر 2020، بدأت تلوح في الأفق بوادر انفراجة أخرى على المستوى الخارجي، وهي رفع اسم الخرطوم من قوائم الدول الراعية للإرهاب الأمر الذي يشير إلى أن هناك مستقبلًا جديدًا للسودان قد يفتح للبلاد آفاقا أكثر إشراقًا في المجتمع الدولي، بالتزامن مع استقرار داخلي حرمت منه لسنوات طويلة.


في السطور التالية يلقي المرجع الضوء على ما يمكن أن تكون عليه حال البلاد بعد هاتين الخطوتين الكبيرتين.

مستقبل السودان بعد

المصالحة الداخلية وخلفيات النزاع

مع سقوط نظام البشير في أبريل 2019 بدأت تلوح في الأفق بوادر جديدة للمصالحة الوطنية الشاملة في السودان، على خلفية مبادرات التسوية مع الفصائل السياسية المختلفة، خاصة في المنطقة الجنوبية بمحافظتي النيل الأزرق، وكردفان وفي المنطقة الغربية في دارفور اللتين لم يتوقف فيهما النزاع المسلح على مدى عقود.


ففي الجنوب سيطرت «الحركة الشعبية لتحرير السودان» التي أسسها جون قرنق عام 1983، وكانت حركة مسلحة تدعو للفيدرالية، ثم تحولت فيما بعد إلى انفصالية، وتوصلت عام 2005 إلى اتفاقية سلام مع الخرطوم تسمح بتقاسم السلطة معها، وتطور الأمر إلى استفتاء تقرير المصير في يونيو 2011 الذي كان من نتائجه إعلان جنوب السودان دولة مستقلة عاصمتها جوبا.


أما في الغرب فقد تصدرت حركتا «العدل والمساواة» و«تحرير السودان» النزاع المسلح مع الخرطوم منذ عام 2003، في واحد من أطول النزاعات القبلية التي ضمت قبائل «الزغاوة» و«المساليب» و«الفور» وأسفر النزاع عن تشريد 4 ملايين مواطن و300 ألف قتيل.

مستقبل السودان بعد

أطراف المصالحة

شملت المصالحة 4 فصائل كبرى، وخرج فصيلان آخران من أكبر الفصائل المسلحة في السودان، أما الفصائل المشاركة فهي تنضوي تحت الجبهة الثورية السودانية التي تأسست عام 2011، وهذه الفصائل منها 3 من أقليم دارفور، وهي:


حركة العدل والمساواة: وتأسست الحركة عام 2001 على يد بقيادة خليل إبراهيم، وهو معروف بانتمائه إلى الحركة الإسلامية التي ساندت عمر البشير في انقلابه على الحكومة المنتخبة العام 1989، وارتكبت الحركة هجومًا على العاصمة الخرطوم في عام 2008.


المجلس الثوري الانتقالي وتنضوي تحته مجموعة من الحركات الانفصالية في دار فور، ويمثله الهادي إدريس، وقد تأسس في عام 2012 وضمّ مجموعة من المنشقين عن حركات دارفور الرئيسية الثلاثة، حركة تحرير السودان، وحركة العدل والمساواة، وحركة تحرير السودان.


حركة تحرير السودان (تأسست عام 2002) جناج مني أركو مناوي الذي انفصل عن الحركة الأم، وصارت الحركات جناحين أو حركتين إحداهما بقيادة مناوى والأخرى بقيادة عبد الواحد أحمد محمد نور المعروف بعبد الواحد نور، وهو محام ذو توجهات يسارية.


الحركة الشعبية لتحرير السودان (جناح مالك عقار): وهي حركة تمرد مسلحة في جنوب كردفان والنيل الأزرق، وكانت تقاتل إلى جانب جنوب السودان قبل الانفصال في عام 2011، عادت هذه المجموعة إلى القتال في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وانشقت عام 2017 إلى حركتين: الحركة الشعبية لتحرير السودان، جناح عبد العزيز الحلو، والحركة الشعبية لتحرير السودان، جناح مالك عقار.


خرجت عن الاتفاق حركتان أساسيتان هما: «حركة جيش تحرير السودان» (جناح عبد الواحد نور) النشطة عسكريًّا في دارفور، و«الحركة الشعبية لتحرير السودان» (جناح عبد العزيز الحلو) التي تقاتل في جنوب كردفان والنيل الأزرق، وقد علّقت مشاركتها في المفاوضات اعتراضًا على ممثل الوفد الحكومي الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي.

مستقبل السودان بعد

بنود الاتفاق

تتركز أهم بنود الاتفاق على الاعتراف بالتنوع الديني في المنطقتين وفق أحكام دستور 1973.


إنشاء مفوضية قومية للحريات الدينية ممثلةً في الإقليمين لمراقبة وضمان حقوق المجموعات غير المسلمة.


يُمنح الإقليمان حقوقًا دستورية تصل إلى حد الحكم الذاتي الموسع ضمن دولة فيدرالية متنوعة دينيا وقوميا


رفع السودان من قوائم الإرهاب

ظلت السودان قرابة ربع قرن تحت العقوبات بعد إدراج الخرطوم على قائمة الدول الراعية للإرهاب، إبان حكم الرئيس السابق، عمر البشير في التسعينيات من القرن الماضي.


وبعد سقوط نظام البشير في 2019 تسعى الحكومة الانتقالية السودانية برئاسة عبد الله حمدوك لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب مقابل الوصول لصيغة توافقية نحو تحقيق هذا الهدف، لوقف نزيف الخسائر التي أهلكت الاقتصاد السوداني، ودفع ثمنها المواطن غاليًا في تلك الفترة، عقابًا على تصرفات نظام البشير، تسببت في أوضاع اقتصادية وسياسية واجتماعية غاية السوء، نتيجة العقوبات الأمريكية، كما تسببت في وعزلة حرمت جيلًا كاملًا من جميع مزايا الاندماج في المجتمع الدولي.


والصيغة المتفق عليها تتوافق مع النظام القضائي الأمريكي الذي طالب بدفع 335 مليون دولار تعويضات لضحايا تفجيرات سفارتي الولايات المتحدة الأمريكية في نيروبي ودار السلام عام 1998، والبارجة «يو. أس. كول» في اليمن عام 2000، والتي كان يقف وراءها تنظيم القاعدة الإرهابي، وتؤكد الولايات المتحدة أن هذه العمليات نفذت بدعم من الخرطوم، الأمر الذي استدعى وضع السودان على قوائم الدول الراعية للإرهاب.


وكان رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، عبد الفتاح البرهان التقي خلال الأسبوع الأخير من سبتمبر 2020 وفدًا أمريكيًّا في العاصمة الإماراتية أبوظبي لمناقشة القرار.


وقال البرهان «اتسمت المباحثات بالجدية والصراحة، وناقشت عددًا من القضايا ذات الاهتمام المشترك، وعلى رأسها قضية رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب، والقيود الأخرى التي تفرضها الولايات المتحدة على المواطنين السودانيين مثل حرمان السودانيين من المشاركة في قرعة (اللوتري) وقانون سلام دارفور وغيرها».


ورغم وجود بعض الملاحظات التي أبداها المراقبون للشأن السوداني على مسألة رفع السودان من قوائم الدول الراعية للإرهاب، خاصة ربطها بالقضية الفلسطينية والعلاقات مع إسرائيل إلا أن اتفاق المصالحة، ورفع السودان من قوائم الإرهاب، يعدان تمهيدًا معتبرًا لتأسيس دولة جديدة مبنية على الاستقرار الداخلي والخارجي.

"