يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

سلطانات الدم.. خرم بداية عصر سلطنة الحريم وسقوط الدولة العثمانية «1-4»

الخميس 10/سبتمبر/2020 - 01:14 م
المرجع
محمود البتاكوشي
طباعة
ارتكب سلاطين الدولة العثمانية عمليات قتل بشعة ضد أبنائهم وإخوتهم خلال فترة صراعهم على الحكم، وأجبروا علماء السلطان على إصدار فتاوى تقنن إجرامهم.

سجل آل عثمان قصصًا مرعبة في قتل بعضهم لاقتناص السلطنة، فالأب يقتل أبناءه والأخ يذبح أخيه، القتل وسفك الدماء لم يكن مقصورًا على سلاطين الدولة العثمانية، بل امتد إلى السلطانات، مثلما أصدر السلطان محمد الفاتح قانون البغي ليقتل به إخوته وينفي أباه، ابتدعت السلطانة صفية زوجة السلطان مراد الثالث فكرة الأقفاص لإبعاد الطامعين في العرش من أبناء السلطان عن المشهد العام ما ترتب عليه خروج جيل من الأمراء المسوخ، نتناول في هذا الملف سيرة أشهر 4 سلطانات سفكت على أيديهم دماء الأبرياء وكان لهم سبب مباشر في نهاية الأمر في إضعاف الدولة العثمانية وسقوطها. 

في مدينة روهاتين بأوكرانيا، ولدت روكسانا، وأثناء هجمات تتار القرم على البلقان شاهدها الجنود، وفتنتهم بجمالها فتسابقوا نحوها، لتجد نفسها أسيرة بين أيديهم، وفي سوق العبيد شاهدها أحد رجال الدولة العثمانية فقرر الحصول عليها بأي ثمن ليقدمها هدية إلى القصر، وعندما طالعت السلطانة الأم حفصة وجهها الصبوح شكرته على الهدية وهي لا تعلم أنها بعد سنوات قليلة ستنفجر فيها وتسحب البساط من تحت قدميها. 

وجدت السلطانة الأم في روكسانا وسيلة لتحجيم نفوذ «ماه دوران» زوجة ابنها السلطان سليمان وأم ولي عهده، بعد أن خرجت عن طوعها ووسعت من سلطاتها، وأصبحت المرأة المفضلة لدى السلطان، ومنحتها اسم خرم اي الباسمة، وما أن شاهدها السلطان سليمان القانوني حتى وقع أسير حبها، ولم يمض عام على دخولها القصر حتى أنجبت له ابنه محمد.

استطاعت خرم أن تشغل السلطان طيلة الوقت، واستغلت ولعه بها فطلبت منه أن يعقد عليها رسميًّا ليكون زواجهما شرعيًّا فأعتقها من العبودية وأعلن زواجه منها في الديوان العام ليهدم تقليدًا لأسلافه في دولة «آل عثمان» استمر مائة عام منذ مطلع القرن الخامس عشر، أن لايعقدوا زواجًا شرعيًّا أبدًا.

لم يكن أمام السلطانة الأم إلا ردع جاريتها فسارعت لتحسين علاقتها بماه دوران، على أن تقفا صفًا واحدًا ضد أطماع خرم، وانضم إليهما الصدر الأعظم إبراهيم باشا استطاع التحالف الثلاثي تحجيم نفوذ خرم، حتى ماتت السلطانة الأم في عام 1534، بطريقة غامضة مما قذف الرعب في قلب إبراهيم باشا وهي تنظر إليه كلما تقابله بسخرية، فأدرك أن الدور قد حان لتصفيته، ولكنه لم يكن يعلم كيف وأين.

لعبت خرم على وتر مشاركة إبراهيم باشا للسلطان في العظمة، بعد أن أطلق عليه مسؤولو البندقية لقب «إبراهيم العظيم»، وحذرت سليمان من تعلق الرعية والجند بصدر دولته وحبهم له، ما يشكل خطرًا على سلامته وعرشه وملأت قلبه كراهية وغضبًا من صديقه الوفي، حتى أعدمه عام 1536 وكان ذلك نقطة تحول في الدولة العثمانية إذ بدأ عصر الضعف بضعف خلفاء سليمان القانوني.


تمكنت خرم من خلع الأمير مصطفى من ولاية العهد لتنصب ابنها محمد بدلًا منه، في مخالفة صريحة للقوانين العثمانية التي تفرض خلافة الابن الأكبر سنًا لم تفرح خرم طويلًا بإزاحة خصومها، واقتراب موعد إعلان ابنها محمد وليًّا للعهد فقد أحرقت «ماه دوران» قلبها عليه بعد أن دبرت مؤامرة لقتله عام 1543، وهو في عمر الثالثة والعشرين.

أوهمت خرم السلطان سليمان بأن ابنه مصطفى يدبر للانقلاب عليه بمعاونة الإنكشارية، لتتوتر العلاقة بين الأب وابنه، واستخدمت الصدر الأعظم رستم باشا في ترويج أكاذيبها لدى السلطان، فأقنعه أن الأمير مصطفى جمع حوله فرقًا عديدة من الجيش العثماني في الأناضول وقبائل التركمان وينوي الهجوم على العاصمة لخلعه، وزور أوراقًا رسمية تتضمن اتفاقًا وهميًا بين مصطفى والشاه الإيراني طهماسب، تقضي بأن يساعد الشاه الأمير في الوصول إلى العرش، مقابل أن يتزوج مصطفى ابنته ويتنازل له عن أملاك الدولة العثمانية في العراق.

جن جنون سليمان واتخذ قراره بإعدام أكبر أبنائه، وفي العام 1551 أمر بالتجهيز لحملة عسكرية ضخمة للدخول في حرب ضد الدولة الصفوية في إيران، وفي وادي «ايريجلي» ثم استدعى الأمير مصطفى الذي ذهب إلى خيمة والده، فاستوقفه الحرس ونزعوا أسلحته وفقًا للتقليد المتبع قبل دخول خيمة السلطان، وفي لحظات هجم عليه سبعة من العبيد الصم البكم، ودافع الأمير الشاب عن نفسه ببسالة قبل أن يلف أحدهم وتر قوس من حرير منقوع في الزيت على رقبته ليلفظ أنفاسه الأخيرة أمام والده.

وصل الخبر إلى القصر، فرقصت خرم من الفرحة، بعد أن ضمنت ولاية العهد لأحد أولادها، أما السلطانة «ماه دوران»، فحطمتها حادثة فقد ولدها الوحيد مصطفى، وانتقلت إلى بورصة تعاني ألم الفراق لتجاور قبره الذي دفن فيه.

لم تعش خرم طويلًا بعد اغتيال شاه زادة مصطفى فقد ماتت في 15 أبريل 1558. وتعتبر بقدراتها اللامحدودة على التحكم في قرارات سليمان القانوني طوال عهده، وعلاقاتها الدولية، ومجموعة المصالح التي كونتها من مجموعة من رجال البلاط، إضافة إلى شبكة الجواسيس الواسعة التي منحتها تفوقًا معلوماتيًّا على خصومها، إشارات على بداية عصر جديد في تاريخ السلطنة العثمانية، عرف باسم عصر الحريم، نجحت خلاله مجموعة من نساء القصر في تقليد نموذج خرم والتحكم من وراء ستار في مصائر الدولة وحكامها، وهو ما لن ينتهي إلا منتصف القرن الـ 17 الميلادي.


"