يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

هل يتكرر الصراع «التركي ـــ الروسي» في ليبيا؟

الجمعة 05/يونيو/2020 - 02:56 م
المرجع
أحمد سامي عبدالفتاح
طباعة
لا شك أن الأوضاع العسكرية في لبيبا قد اشتعلت بشكل مبالغ فيه في الشهور الأخيرة، خاصة بعد أن وقعت حكومة الوفاق اتفاقية أمنية مع الجانب التركي في نوفمبر 2019، الأمر الذي مكنّ التنظيمات المسلحة الموالية للوفاق من السيطرة على عدة مواقع عسكرية جنوب طرابلس، أهمها قاعدة الوطية العسكرية.
أحمد داود أوغلو
أحمد داود أوغلو
أولا: دوافع التدخل التركي في ليبيا  

في حقبة رئيس الوزراء التركي السابق، أحمد داود أوغلو، انتهجت تركيا سياسة عرفت باسم «تصفير المشاكل» مع دول الجوار، وتمحورت هذه السياسة حول تقديم المصالح الاقتصادية على النزاعات العسكرية، الأمر الذي مكّن تركيا من جذب استثمارات أجنبية كان لها دور مهم في تحقيق نمو اقتصادي خلال هذه الفترة.

وبعد استفتاء أبريل 2017، تحولت الدولة إلى النظام الرئاسي الذي منح رئيس الدولة رجب طيب أردوغان صلاحيات كبيرة جدًا، كما أطلق يده في زيادة النشاط العسكري خارج حدود بلاده.

ولأن تركيا تستورد معظم احتياجاتها من النفط والغاز من الخارج، فقد حاولت جاهدة إيجاد مكان لنفسها شرق المتوسط، من أجل الاستفادة من احتياطات الغاز الكبيرة التي كشفها المسح الجيولوجي الأمريكي في عام 2010؛ حيث أكدت دراسات أن شرق المتوسط الغاز يحتوي 122 تريليون قدم من الغاز الطبيعي فضلًا عن 107 مليارات برميل احتياطي من النفط.

وبما أن أنقرة لا تتمتع بعلاقات مستقرة مع دول شرق المتوسط واليونان، فقد حاولت إيجاد شريك لها يمكنها من رسم خريطة افتراضية للحدود المائية شرق المتوسط، على أن تتحرك وفق الأطر المائية الناتجة عن هذه الخريطة، بغض النظر عن مدي قانونيتها. 

ووجدت أنقرة في حكومة الوفاق ضالتها، خاصة أن الأخيرة تعد ضعيفة عسكريًّا للغاية، ولا تسيطر على أي أماكن مهمة في ليبيا باستثناء طرابلس ومصراته وعدد قليل من مدن الغرب والساحل الليبي.

وبالفعل، وقعت تركيا مذكرتين تفاهم مع «الوفاق» في نوفمبر 2019، أحدهما بحرية تختص بترسيم الحدود المائية بين الطرفين، في حين الأخرى أمنية، ووفقًا للاتفاق الأمني، قدمت تركيا دعمًا عسكريًّا ساعد «الوفاق» على الدخول في مواجهات مع قوات الجيش الوطني الليبي.
هل يتكرر الصراع «التركي
ثانيًّا: المصالح الروسية في ليبيا

اتخذت روسيا موقفًا سلبيًا من الأحداث في ليبيا في عام 2011، خاصة أنها لم تستخدم حق الفيتو ضد قرار مجلس الأمن رقم 1973 لعام 2011. 

وفقًا لهذا القرار، تدخل حلف الناتو عسكريًّا ضد نظام الرئيس السابق معمر القذافي، وكان له الدور الرئيسي في إسقاطه من خلال فرض حظر جوي على ليبيا. 

علاوة على ذلك، لم ترغب موسكو مطلقًا في استفزاز الأوروبيين الذين يرفضون فكرة الوجود العسكري الروسي على خطوط الملاحة البحرية جنوب المتوسط.  

لكنّ التدخل العسكري الروسي في سوريا جعل من موسكو لاعبًا مهمًا على الساحة الإقليمية، وهو الأمر الذي تحاول روسيا تكريسه من خلال زيادة تدخلها العسكري المباشر على ليبيا، على أن تتخذ من ذلك بوابة في زيادة عملها الإستخباري والعسكري في القارة السمراء التي تعد مستوردًا مهمًا للسلاح الروسي، فروسيا هي ثاني أكبر مصدر للأسلحة في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية. وتستحوذ أفريقيا على نحو 17% من إجمال الصادرات العسكرية الروسية.

وفقا لمعهد ستوكهولم لدراسات السلام، استوردت أفريقيا خلال الفترة من 2015- 2019 ما يقارب من 49% من معداتها العسكرية من روسيا، وما هو يمثل ضعف الأسلحة التي تم شراؤها من الولايات المتحدة 14% والصين 13%. 

ويعني ذلك أن النشاط العسكري الروسي في ليبيا لا يتعلق فقط بتكريس النفوذ في شمال أفريقيا، لكنه يحمل في طياته محاولة جادة لتوطيد علاقاتها العسكرية بدول الصحراء الأفريقية.
هل يتكرر الصراع «التركي
سيناريوهات محتملة

اتخذت العلاقة بين تركيا وروسيا منحني متذبذبًا منذ عام 2015، حينما تدخلت روسيا عسكريًّا لمساعدة النظام السوري ضد التنظيمات المسلحة التي تدعمها أنقرة. 

وفي البداية، سيطرت حالة من الصراع على العلاقة بين الطرفين، لدرجة أن تركيا قامت بإسقاط مقاتلة عسكرية روسية من طراز سوخوي 24 في عام 2015 بعد أن دخلت الأجواء التركية، ما دفع روسيا لفرض عقوبات اقتصادية على تركيا تضمت ايقاف عدد من مشاريع التعاون العسكري مع أنقرة.

ولاحقًا، تم تدارك الأمر، واتخذ الطرفان نمطًا تعاونيًا أكثر منه صراعيًّا بهدف إنهاء الحرب السورية ولمنع أي فرصة للتصادم. 

وتأثير تطورات العلاقة بين الطرفين في سوريا سوف يكون له انعكاساته على العلاقة الثنائية بين البلدين في ليبيا بكل تأكيد، وفي ضوء ذلك، تم وضع ثلاثة سيناريوهات مستقبلية تحدد مستقبل العلاقة بين الطرفين على الأراضي الليبية.

1) تجنب الصدام المباشر: وفقًا لهذا السيناريو، فإن الطرفين استفادا من تجربتهما في سوريا، ومن ثم لن يسعيا للتصادم مرة أخرى. بل سوف يقوم كل طرف بمراعاة مصالح الطرف الآخر في ليبيا. فروسيا تدرك تمامًا دوافع الوجود التركي في ليبيا وأهميته القصوى لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة بالنسبة لأنقرة. 

وبالمقابل من ذلك، تدرك أنقرة أن روسيا تحاول توسيع قاعدة نفوذها العسكري في الشمال الأفريقي، دون وجود اهتمام حقيقي لديها بإسقاط حكومة الوفاق. 

وبناء على ذلك، لن تقوم روسيا بدعم قوات الجيش الوطنى الليبي في عملياته العسكرية على طرابلس، لكنها ستجعل من قواتها في ليبيا وسيلة للدفاع عن مدن الشرق في حالة ما حاولت التنظيمات المسلحة الموالية لحكومة الوفاق التقدم نحوها.

2) دعم العملية السياسية: على غرار ما حدث في سوريا، قد يقوم الطرفان بعقد مؤتمرات دولية بعيدًا عن منصة الأمم المتحدة أو الدول الأوروبية. وسوف تتم دعوة مختلف الأطراف الليبية، على أن تكون روسيا وتركيا دولتين ضامنتين لوقف إطلاق دائم للنار وإطلاق العملية السياسية في البلاد التي من المرجح أن تبدأ بتشكيل لجنة دستورية، على أن يتبعها إجراء انتخابات محلية. 

وفي النهاية، يجب أن نشير إلى أن سيناريو دعم العملية السياسية هو الأقرب للتحقق؛ خاصة إذا فشل أي طرف في حسم المعارك على الأرض، علاوة على ذلك، يلقى هذا السيناريو قبولًا دوليًّا من الأمم المتحدة التي تدعم التسوية السلمية للنزاعات، فضلًا عن أن عددًا من الدول الإقليمية تدعم وقف دائم لإطلاق النار والبدء الفوري في التسوية السياسية.

الكلمات المفتاحية

"