يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

إخوان الجزائر و«تبون».. تقاربٌ مزعومٌ لا أرضيةَ له

السبت 21/مارس/2020 - 04:21 م
المرجع
طباعة

يلعب الإخوان في الجزائر على جميع الأطراف مستفيدين من التجاذبات بين السلطة السياسية الجديدة ممثلة في الرئيس عبد المجيد تبون، وبين الحراك الجزائري المطالب بإصلاحات جذرية في بنية نظام بوتفليقة السابق.

وتميل جماعة الإخوان، مرة للحراك وتعلن دعمها لمطالبه، وفي أخرى تؤيد قرارات الرئيس تبون، وتعبر عن دعمها لمحاولته الإصلاحية، وضرورة الصبر عليه لرؤية ما سيتم تحقيقه، وفي هذا الصدد يشعر الإخوان بدعم المؤسسة الرئاسية لهم، وهو ما ينفيه «تبون»؛ خاصة مع تصريحاته الأحيرة بأنه لا يرى أن الديمقراطية الجزائرية الناشئة تقبل بوجود أحزاب إسلامية. 

الإسلاميون والانتخابات الرئاسية الأخيرة

ومع بداية التجهيز للانتخابات الرئاسية الجزائرية أعلنت حركة مجتمع السلم «حمس» ــ عدم المشاركة في السباق بمرشح أو دعم أي من المتنافسين، لكن وفي الوقت نفسه لم تدع الحركة إلى المقاطعة للانتخابات، وهو موقف شبيه لما انتهجته حركة النهضة التونسية في الانتخابات الرئاسية.

ومع أن حركة «حمس» كانت قد قدمت اعتراضات جوهرية على شروط تنظيم الانتخابات من قبيل الشفافية، واعتراضها على استمرار رموز نظام السابق عبد العزيز بوتفليقة في دواليب الحكم، وهي اعتراضات الحراك المناوئ للعملية الانتخابية في الحقيقة، وعلى هذا الأساس أعلنت الحركة مقاطعتها للانتخابات. لكن، مع ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها عبد المجيد تبون في الجولة الأولى من اقتراع الثاني عشر من ديسمبر 2019، وفور فوزه، سارعت الحركة بدعمه في محاولته الإصلاحية، وهو ما عُد خيانة لمطالب الحراك الذي اعتَبر في قطاع كبير منه الانتخابات الرئاسية إعادة إنتاج لنظام بوتفليقة بوجوه أخرى، بل ومفارقة لتصريحات الحركة نفسها قبيل الانتخابات. لكن، وكعادة الحركة الإسلامية فقد سارعت للتحالف مع السلطة الجديدة لتضمن لنفسها كما تعتقد حصة من التورتة مع النظام الجديد.

وسار على نهج حركة «حمس» حركة إسلامية أخرى هي حركة البناء الوطني الذي أعلن مرشحها الخاسر في الانتخابات الرئاسية عبد القادر بن قرينة، قبوله المشاركة في الحكومة إذا توفرت مجموعة من الشروط، وذهبت بعض الأصوات من داخل الحركة الإسلامية إلى انتقاد ما أسمته براديكالية الحراك.

وجدير بالذكر أن المرشّح الإسلامي عبد القادر بن قرينة، حل بالمركز الثاني في الانتخابات بنسبة 17.38 بالمئة من الأصوات، الذي أكّد منذ بداية الحملة الانتخابية أنّه «الرئيس القادم للبلاد».

ودعت الأحزاب الإسلامية الكبيرة، مثل «حركة مجتمع السلم» المقربة من الإخوان، و«جبهة العدالة والتنمية» القريبة من السلفيين، إلى عدم المشاركة في الانتخابات؛ لذا فإن علاقة الإخوان بالتحديد والإسلاميين بشكل عام بتبون، ليست على ما يرام لعدم دعمهم له مباشرة في تلك الانتخابات.

إخوان الجزائر و«تبون»..
محاولة الإخوان لاستغلال الحراك 

مع أن الحراك الأخير في الجزائر شأنه شأن حراكات أخرى في لبنان والعراق، يهدف في الأصل إلى إحداث قطيعة نهائية مع النظام والمعارضة على حد سواء؛ خاصة في شقها الإسلامي الذي تكرر فشله في بلدان عربية عديدة، وأورد الجزائر موارد الهلاك في عشريتها السوداء، فإن الإسلاميين ومع تغيير خطابهم مع الأشهر الأولى للحراك حاولوا مسايرة الخطاب العام للحراك المناهض لبوتفليقة.


جدير بالذكر أن إسلاميي الجزائر لم يشاركوا في الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في 22 فبراير، لكن ما إن استقال الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في 2 أبريل تحت ضغط الحراك، تصدر إخوان الجزائر الصفوف الأولى من المظاهرات في خطوة تهدف لإعادة الترتيب والتموقع سياسيًا في البلاد بعد مرور 7 سنوات على انسحابهم من تحالف داعم لبوتفليقة دام 10 سنوات.


وفي بيان للحركة الإسلامية للإنقاذ الـ«فيس» أشادت الحركة بما أسمته تحرير الحراك الشعبي للمجتمع ولقطاعات عريضة في مؤسسات الدولة، واستطاع الجمع بين جميع الجزائريين باختلاف ألوانهم السياسية والأيديولوجية والفكرية، ووحدتهم على مطلب واضح وصريح يتمثل في رحيل النظام ورموزه.

وفي المقابل حافظ «حمس»، على تقاليده في القفز بين مختلف المواقع، مقابل الاحتفاظ بتصوره في قراءة وبلورة حلول الأزمة، فرغم الحضور الدوري لحركة حمس في لقاءات تكتل قوى التغيير، فإنها انفردت بخارطة طريق جديدة، ضمنتها رؤيتها، ولو أنها تقاطعت في بعض التفاصيل مع مختلف الخرائط السياسية المعروضة، لكن يبقى تقلب حمس، مثار شك ومصداقية مهتزة لدى الشركاء السياسيين في المعارضة، بعدما دخلت في وقت سابق في اتصالات مع السلطة، لترويج سيناريو تمديد الولاية الرئاسية الخامسة لبوتفليقة، مقابل القيام بإصلاحات عميقة. 

إخوان الجزائر و«تبون»..
تجربة العشرية تلقي بظلالها

كانت الجزائر شهدت بين العام 1992 و2002، واحدة من أسوا موجات العنف، وهو ما سمي فيما بعد بالعشرية السوداء، تلك العشرية التي كان الإسلاميون طرفها الأول في مواجهة الجيش الجزائري، وذلك بعد إلغاء الانتخابات البرلمانية التي فاز فيها الإسلاميون وجبهة الإنقاذ على وجه التحديد.

ومع نهاية العشرية السوداء وانضواء جموع الإسلاميين على اختلاف توجهاتهم تحت عباءة المصالحة الوطنية التي أطلقها عبد العزيز بوتفليقة، أيقن الإسلاميون كارثية حمل السلاح ومواجهة الدولة، ومن ثمً قبلوا الانخراط في العملية السياسية، والمشاركة الانتخابية بُغية الوصول للسلطة. وهو المسار الذي بُررت فيه الكثير من التحالفات مع نظام بوتفليقة للحصول على النصيب الأكبر من المقاعد البرلمانية.


يتحدث البعض عن أن تصريحات الرئيس «تبون» الأخيرة، بعدم السماح بوجود أحزاب إسلامية، يعيد إلى الأذهان ما حدث في العشرية السوداء، وأن الجزائر قد تسير في مسار استئصال للحركة الإسلامية كما جرى في التسعينيات، لكن يجادل البعض الآخر، أن الساسة الجزائريين لن ينجروا إلى هذا المصير، لما عايشوه في التسعينيات. 

ويظل هذا مرهونًا بتخلي إسلاميي الجزائر وفي القلب منهم حركة «حمس» عن رغباتهم التوسعية، التي تجعلهم يتنازلون عن أي شيء في مقابل الحصول على دعم السلطة السياسية الجديدة، لكن يبدو أن القيادة الجزائرية فطنت لهذا التوجه الإخواني فاستبق الرئيس تبون الأحداث، وأعلن رفضه قيام أحزاب إسلامية على الساحة الجزائرية، وهو ما ردت عليه الحركة الإسلامية بأنها ترفضه؛ لأن من حقها أن توجد بالإيديولوجية التي ترغب بها، كما توجد باقي الأحزاب القائمة على إيديولوجيات يسارية وقومية وليبرالية وغيرها.

إخوان الجزائر و«تبون»..
علاقة الإخوان بالرئيس تبون

مع أنه لم يتم الكشف إلى الآن عن أي تنسيق بين السلطة والإخوان بشأن المواقف السياسية، ومستقبل هؤلاء في المشهد القادم، في ظل الحديث عن انتخابات تشريعية ومحلية مبكرة قبل نهاية العام الجاري 2020، إلا أن المتابعين ومنهم الصحفي الجزائري صبري بلعيد لا يستبعد حصول الإخوان على ضمانات حول حصصهم في البرلمان والحكومة القادمتين مقابل الطعن في الحراك الشعبي.

ويرى متابعون للشأن الجزائري أن استقطاب الأحزاب الإسلامية لمعسكر السلطة، سيكون في سياق صفقة سياسية ستعرف انضمام قوى سياسية أخرى اليها في قادم الأيام، بغية استخلاف الطبقة التقليدية التي لم يعد موثوقا فيها من طرف مؤسسة الرئاسة.

وعكس أحزاب التيار الإخواني التي تحذق لعبة التلون مع الوضعيات والمواقف، فإن الإسلاميين المنحدرين من جبهة الإنقاذ المنحلة، وعلى رأسهم نائب رئيس الحزب المحظور «علي بلحاج»، وعدد من القيادات الأخرى، مازالوا يتفادون اتخاذ مواقع متقدمة في احتجاجات الشارع الجزائري، للحيلولة دون الوقوع في أي صدام مع السلطة. 

"