يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

المنبوذ يسدد فاتورة غروره.. مؤتمر برلين يؤكد عزلة «أردوغان» وهشاشة سياسته

الأربعاء 22/يناير/2020 - 08:17 م
المرجع
محمود البتاكوشي
طباعة

مأزق تركي، أكدته نتائج مؤتمر برلين، الخاص بالأزمة الليبية، والتي نسفت اتفاق تركيا وحكومة الوفاق، بخصوص ترسيم الحدود البحرية، والاتفاقية الأمنية؛ حيث أكدت وقائع المؤتمر، ونتائجه، عزلة الرئيس، رجب طيب أردوغان، في فعاليات القمة العالمية، وضعف موقفه، بعد أن باتت تركيا في مواجهة المجتمع الدولي وحيدة، فالملاحظ، أن تركيبة المدعوين هذه المرة، كانت ذات دلالة؛ فهى مكونة من ألمانيا، الدولة المضيفة، والدول الخمس الكبار، دائمو العضوية في مجلس الأمن، وكل من مصر والإمارات وتركيا والجزائر؛ لكونها إما صاحبة مصلحة، أو ذات حدود جغرافية، وأخيرًا إيطاليا، صاحبة الخبرة التاريخية في ليبيا، وصاحبة مصلحة كبرى، من خلال وجود شركة «إينى»، الإيطالية العاملة، منذ زمن بعيد في ليبيا.


الثلاثي العربي القوي

حمل حضور مصر والإمارات والجزائر والجامعة العربية، رسالة مهمة، مفادها، أن مأساة سوريا، لن تتكرر في ليبيا.


عدم دعوة تونس، التي تدعم حكومة الوفاق، والمغرب، الذى سبق واحتضن مؤتمر «الصخيرات»، للمصالحة الليبية، ومنح من خلاله، فايز السراج، الشرعية، حرم أردوغان من حليفان، رغم رفضهما القاطع لتدخل تركيا العسكري في ليبيا.


هذه التركيبة، دفعت الرئيس التركي للتراجع، وإعلان، أنه لم يرسل أسلحة أو جنودًا إلى ليبيا، بل أرسل مستشارين ومدربين فقط، وزاد من ضعف موقفه، التناغم الواضح بين الرئيس، عبد الفتاح السيسي، ونظيره الجزائري، عبد المجيد تبون، في المؤتمر.

 أذرع «أردوغان» الخارجية للتجسس على الدول والمجتمعات «4/1»

المنبوذ يسدد فاتورة

محاولة اختطاف ليبيا

المبادرة الروسية التركية في توقيتها، كانت مؤامرة موجهة مباشرة إلى مؤتمر برلين، ومحاولة اختطاف ليبيا، فموسكو كانت تحاول رد ثأر خديعة الـ«ناتو»، التى انطلت عليها عام 2011، بمحاولة القفز على المؤتمر، واختطاف ملف الأزمة الليبية؛ لتتم تسويتها، إذا كان مقدرًا لها التسوية، وفقًا لمعادلة المصالح الروسية التركية.


عملية الاختطاف، اعتمدت نفس الآليات، التى ثبت نجاحها في نقل ملف الأزمة السورية، من جنيف الدولية، إلى سوتشي الروسية.


منذ أسابيع قليلة، لم تكن ألمانيا تنوى دعوة تركيا لحضور المؤتمر؛ استنادًا إلى قناعتها، بأن الوجود التركي في مؤتمر «باليرمو»، كان عنصرًا معوقًا للتفاهمات، ومثيرًا للأزمات، ولكن رغبة المجتمع الدولي، في الحصول على توقيع أردوغان، على البند الخامس، من توصيات مؤتمر برلين، الخاص بعدم إرسال قوات أو مرتزقة إلى ليبيا، كان سببًا رئيسيًَّا؛ حتى يمكن محاسبته، بحسب مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، غسان سلامة.


وأكبر دليل على ذلك، هو تصريح الرئيس الفرنسى «ماكرون»، الذى قال بوضوح وشجاعة: «ندعو تركيا إلى الكف عن إرسال مقاتلين سوريين إلى طرابلس؛ دعمًا لحكومة السراج».

المنبوذ يسدد فاتورة

غضب أوروبي

نتائج المؤتمر، أكدت إقصاء تركيا؛ بسبب أزماتها في المنطقة، وأكبر دليل على ذلك، تقليص الاتحاد الأوروبي مساعدات الانضمام المخصصة لتركيا في هذا العام بشكل كبير؛ حيث ستحصل هذا العام على 168 مليون يورو فقط، من أموال البرنامج المخصص للتقارب مع الاتحاد الأوروبي، وسيتم تخصيص 150 مليون يورو من هذا المبلغ، لمجال الديمقراطية وسيادة القانون و18 مليون يورو، لبرنامج تطوير الريف.


دول الاتحاد الأوروبي، سئمت من الأزمات، التي دأب الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على تصديرها للقارة العجوز، ويأتي على رأسها اتفاقية ترسيم الحدود بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية في طرابلس، والتي تسمح لأنقرة بالتنقيب عن الغاز، قرب السواحل القبرصية واليونانية، بالبحر المتوسط، وهو الأمر الذي اعتبره الاتحاد الأوروبي انتهاكًا للحقوق السيادية للدول الأخرى، كما يخلق تهديدات في المستقبل على الصعيد الإقليمي، ويعكس تدهور العلاقات مع تركيا.


«أردوغان» يستغل الأقليات التركية في مخطط الخلافة المشبوه (١-٢)


الغضب الأوروبي، يعود إلى الدور العسكري، الذي مارسته تركيا في ليبيا؛حتى تفرض وجودها السياسي، فتفاصيل وحجم هذا الدور، ربما كانت موضع خلاف، لكن المؤكد، أن هناك حاليًّا فريقًا من العسكريين الأتراك في مصراتة، يقدمون الدعم الإستراتيجي والمعلوماتي والتدريبي، كما يوجد جسر جوي، تم تدشينه بين إسطنبول ومطاري «معيتيقة ومصراتة»؛ لنقل العسكريين الأتراك، وألف من عناصر المرتزقة السوريين والتركمان، وأنه تم افتتاح أربعة مكاتب؛ للتطوع فى عفرين شمال حلب؛ لتجنيد مرتزقة جدد.


الموقف الأوروبي الرافض لسلوك تركيا، ليس الأول من نوعه؛ إذ ندد المجلس الأوروبي، في مارس 2018، بمواصلة تركيا أنشطتها، غير القانونية، في شرق المتوسط، مطالبًا إياها بالتخلي الفوري، وغير المشروط، عن تهديد دول حوض شرق المتوسط، والامتناع عن أي تصرفات تضر بعلاقات حسن الجوار معها.


سلوك تركيا العدائي، يجعل تقاربها مع الاتحاد الأوروبي، بعيد المنال، بفعل مؤشرات، تُوحي بأن التقارب، وفرص العضوية، تواجه عقبات، غير مسبوقة، على نحو بدا جليًّا، في تأكيد تقرير المفوضية الأوروبية، الصادر في يونيو 2019، على أن أنقرة أصبحت أكثر بعدًا، عن معايير الاتحاد الأوروبي.


كما لم تنس أوروبا، تهديدات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بورقة اللاجئين، و«داعش»؛ للضغط على أوروبا، وتحقيق أكبر مكاسب ممكنة، والتى نجح فيها بشكل كبير.


ففي عام 2016، جلس الرئيس التركي، على مائدة واحدة، مع قادة الاتحاد الأوروبي؛ لعقد اتفاق عُرف بـ«إعادة القبول»، يقضي بإنهاء تدفقات الهجرة غير الشرعية، من تركيا إلى الدول الأوروبية، وضمان تحسين ظروف استقبال اللاجئين في تركيا؛ حيث يوجد على أراضيها 3.6 مليون لاجئ سوري، مقابل دعم بقيمة 6.7 مليار دولار.


حصلت تركيا بموجب هذا الاتفاق، على مكاسب ومساعدات من الدول الأوروبية، وفي مقدمتهم إنجلترا وفرنسا وألمانيا، أنعش الاقتصاد التركي المنهك، وتدفقت بالفعل 6.2 مليار دولار، مساعدات من الاتحاد الأوروبي.


وأصبح اللاجئون السوريون، ورقة الضغط الرابحة دائمًا، في يد أردوغان، يلوّح بها من وقت لآخر، في وجه أوروبا، حال اعتراضها على خططه، بشأن سوريا، وأفضت في النهاية إلى الوجود التركي، في شمال سوريا، بعد ساعات من انسحاب القوات الأمريكية، إثر العملية التي أطلق عليها «نبع السلام»، التي شنها جيش أردوغان، في 11 أكتوبر الماضي.


ويكفي الإشارة إلى أن «أردوغان»، هدد أوروبا 3 مرات، قبيل عملية «نبع السلام»؛ من أجل الأموال تارة، ومن أجل تبرير الحرب تارة أخرى، قائلًا: «لسنا بصدد طرد اللاجئين، عبر إغلاق أبوابنا، لكن كم سنكون سعداء، لو نستطيع المساعدة، في إحداث منطقة آمنة (في سوريا) وننجح في ذلك».


«كراغلة الجزائر» نموذجًا.. «أردوغان» يستغل الأقليات التركية في مخطط الخلافة المشبوه «2-2»

المنبوذ يسدد فاتورة

دور مصر المحوري

لعب الرئيس عبدالفتاح السيسى، دورًا شديد الحكمة وشديد الحزم، في تحريك الرؤية المصرية، التي تحافظ على الأمن القومي، وحقوق الشعب الليبي وحقوق مصر، في ثرواتها؛ ما انعكس على النص النهائي للبيان، فمصر كانت حريصة على عدم وقوع المؤتمر في أخطاء مؤتمرات «باليرمو وباريس والصخيرات وأخيرا موسكو».


يعتبر مؤتمر برلين، اعتراف أوروبي وعالمي واضح، بالدور المحوري، الذي تلعبه مصر في ملفات منطقة الشرق الأوسط، فقد قدمت مصر ورقة عمل، تم ترجمتها في البيان الختامي، الذي أكد على ضرورة حل الأزمة الليبية، بالطرق السلمية، بعيدًا عن العنف والحرب الأهلية، والتدخل الأجنبي.


وجود الرئيس عبد الفتاح السيسي في برلين، يعيد التأكيد على ازدياد دفء العلاقات، بين برلين، وبالتبعية، الاتحاد الأوروبي، والقاهرة، هذا الدفء، سيزداد وضوحًا في مؤتمر ميونخ الدولي للأمن، منتصف فبراير.


اللافت في مؤتمر برلين، وجود الرئيس السيسي، ونظيره التركي، في نفس المؤتمر، مقرونًا بتصريحات مستشار أردوغان، ياسين أقطاي، التي دعا فيها إلى ضرورة الجلوس مع مصر، والتعاون فيما بينهما، وهذا ليس أول تصريحٍ من نوعه، يخرج من مسؤولٍ تركيٍ بارزٍ، حول العلاقات التركية مع مصر، فقد سبق أقطاي، وزير الخارجية التركي «مولود تشاويش أوغلو»، الشهر المنصرم، وكل ذلك يشير إلى مساعٍ ألمانية؛ للتوسط في الخلاف التركي المصري على ليبيا وشرق المتوسط.

"