يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«الصوفية في أوروبا» (2- 3).. إشكاليات استغلال التصوف لمكافحة الإرهاب

السبت 21/ديسمبر/2019 - 06:40 م
المرجع
شيماء حفظي
طباعة

نشطت الأفكار المطالبة بتسييس التكتلات الدينية على مر التاريخ، فمنها من التقط الخيط وتحول من صومعة الحركة الفكرية، إلى حلبة المصارعة السياسية، بل وتخطاها ليستخدم العنف باحثًا عن السلطة، مثل جماعة الإخوان، ومنها من لم يتقبل الأمر، مثل الصوفيين، ولكل تحوّل أدواته ودوافعه.


«الصوفية في أوروبا»

الدين.. لاعب سياسي

قبل أكثر من 10 سنوات، طرحت تقارير بحثية واستخباراتية فكرة استخدام «الحركات الدينية الإسلامية» لأغراض سياسية، وأحد البدائل التي طرحت حينها كانت «الصوفية»؛ خاصة مع صعود الفكر السلفي والمتطرف واستحواذه على أتباع حول العالم، والبحث عن بديل لتحسين صورة الإسلام؛ لكن سرعان ما عاد هذا الاقتراح حبيس الأدراج والطروحات غير الجدية.


لكن مع إعادة تقديم الصوفية باعتبارها البديل الأنسب لتحسين صورة الإسلام في الغرب، بعد أعوام دامية من الإرهاب المتطرف في دول العالم، يعيد هذا الطرح إلى الأذهان، تجربة دعم الدول الأوروبية لجماعات الإسلام السياسي، وكيف ساهم ذلك في «تغوّل» هذه الجماعات مع مرور الوقت واتساع شعبيتها واستخدام أتباعها إما للضغط السياسي أو للمشاركة في اللعبة... للمزيد «المولوية» في مواجهة التطرف


اغتنام الفرصة


على الرغم من أن الصوفيين رفضوا الطرح السابق بأن يتم استخدامهم في السياسة تبقى فكرة «تسييس الصوفيين» قائمة، بل إنها قد تكون على المدى الطويل «ضارة ومضللة».


ترى دراسة أعدها أليكس فيليبون محاضر في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بمعهد الدراسات السياسية بفرنسا أن الخطر الذي يحاوط هذا الطرح ينطلق من فرضية أنه في حين يتم استخدام الصوفية محليًّا ودوليًّا من قبل حكومات مختلفة لأغراض سياسية مختلفة فإن الجهات الفاعلة الصوفية نفسها ستنشط في اغتنام هذه الفرص السانحة لمتابعة مصالحها الخاصة وكذلك «سياساتها الخارجية» التي تحاول من خلالها التأثير على السياسات الخارجية الرسمية لبلدانهم.. للمزيد نشر «الصوفية» بالقارة العجوز.. أداة أوروبا لصدِّ تنامي التطرف


هذه السياسات العامة للتعبئة الاستراتيجية «للإسلام المعتدل» كان لها بالفعل آثار محلية مهمة في بعض البلدان، رصدت في دول مثل باكستان التي زادت فيها حدة النزاعات بين الجماعات الدينية التي تمثل الصوفية المعتدلة التي نشطت بدعوة من الحكومة لمواجهة حركة طالبان.


وتتطرق الدراسة إلى تاريخ صعود فرقة«البريلوية» الصوفية في باكستان التي عانت تهميشها لعقود من الزمن، ثم انحيازها  إلى من هم في السلطة بحثًا عن الموارد المادية والرمزية والسياسية، وزاد تأكيدهم علانية على هويتهم كمسلمين صوفيين «صالحين» - على عكس الاتجاه السلفي أو الوهابي – كما أنهم عززوا بقوة السرد المناهض للوهابية.


«الصوفية في أوروبا»

خلق العنف بدلًا من دحره


وتشرح الدراسة أنه في بعض الحالات عززت الخطابات الصوفية الانقسامات الطائفية وكرست للخلافات، خلال ثمانينيات القرن العشرين؛ حيث أطلق الجنرال ضياء الحق الرئيس الباكستاني السابق، عملية الأسلمة من أعلى إلى أسفل في باكستان، مفضلًا الإسلام المحافظ (السلفية) على حساب نفوذ الحركة الصوفية والشيعة.


وتشير الدراسة إلى أنه قد يكون للمساعي الرسمية الأخيرة للترويج لـ«الدولة الصوفية» تأثيرٌ مماثلٌ، مما يعزز الفجوة الطائفية التي أصبحت طبيعية، وأصبح العديد من القادة والأضرحة الصوفية أهدافًا للعنف المتزايد منذ عام 2005 وما بعده، بعد أن تم تحديدها كدروع فعالة ضد الإرهاب.


لكن هذه الطريقة يراها الكاتب، على الرغم من كونها لطيفة من الناحية النظرية وجذابة للجهات الفاعلة الغربية، فإن وضع فئة التصوف في السياسة العامة قد تكون له آثار عكسية خطيرة فيما يتعلق بكبح العنف.


«في الواقع، ربما ساهمت المبادرات المتأثرة بالصوفية في عمليات التطرف ذاتها التي كان من المفترض مواجهتها وربما ساهم تمكين الدولة وشرعيتها للجهات الفاعلة الصوفية في بيئة طائفية متصاعدة في تطرف بعض العناصر الصوفية ذاتها التي تم تجنيدها في مكافحة التطرف»، بحسب الباحث.


«الصوفية في أوروبا»

خطر على الصوفية نفسها

تمكنت الحركة الصوفية بالدعم الخارجي، من تنظيم العديد من المؤتمرات التي تهدف إلى التنديد بالمنظور الطالباني وإعادة تأكيد دور الصوفيين في الترويج للإسلام السلمي المتسامح، وتم الترحيب بوفد من قادة باريلوي في واشنطن في أبريل 2010 للقاء ممثلين عن وزارة الخارجية ووزارة الدفاع والكونجرس والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ومراكز الفكر والمنظمات غير الحكومية.


وبحسب الدراسة فإن مكمن الخطر ينطلق من أنه عندما تحاول الدولة - خاصة الدولة الاستبدادية - اختيار حركة إسلامية معينة لتحقيق غايات سياسية مثيرة للجدل، يمكن أن تترك هذه الحركة عرضة للخطر.


وكانت وزارة الخارجية الأمريكية، أعلنت إنشاء برنامج صندوق السفراء الأمريكيين للمحافظة على التراث الثقافي (AFCP) في 2001 لإعادة بناء المباني القديمة والتاريخية، وتقييم وحفظ المخطوطات النادرة ومجموعات المتاحف، والمحافظة على المواقع الأثرية الهامة وحمايتها، وهذا تضمن المساجد والأضرحة.


ويدعم صندوق السفراء – من خلال منح مختلفة - عملية الحفاظ على المواقع الثقافية والمقتنيات الثقافية وأشكال التعبير الثقافي التقليدي في أكثر من 100 دولة نامية في جميع أنحاء العالم.


«في هذا السياق، يمكننا أن نستفسر عما إذا كان الترويج العدواني للصوفية في إطار الحرب الأمريكية ضد الإرهاب وتصورها المحتمل كأداة جديدة من قبل الجهات الجهادية يفسر جزئيًا استهداف الصوفيين والأضرحة خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر» بحسب الدراسة.


«الصوفية في أوروبا»

الصوفية والعنف السلبي

على جانب آخر، يرى أبو يعرب المرزوقي، الفيلسوف التونسي المتخصص في الفلسفات الدينية، أن الصوفيين قسمان «في كليهما نوعا من العنف» سواء عنف التعصب للمبادئ أو العنف السلبي.


ويشير في تصريحات لوكالة الأنباء الفرنسية، إلى أن القسم الأول قسم التصوف السني الذي يعتبر جهادا دفاعيا أمام الاستعمار والعدو، والذي بموجبه سعى أتباعه إلى حماية بلادهم وقت الاستعمار، كما حصل في ليبيا مع محمد إدريس السنوسي الذي قاوم الاستعمار الإيطالي وقد كان متصوفا، وهو ما يمكن اعتباره شكلا من أشكال العنف حسب قول الفيلسوف.


والقسم الثاني وهو القسم المستسلم والسلبي والذي يقبل بظلم الدولة وعنفها، والذي يعتبره المرزوقي «سلبية عنيفة»، وبحسب رأيه يسكت المتصوف على القمع الذي تمارسه الدولة حتى وإن طاله ويرجعه لقضاء الله وقدره.


وبحسب رؤية المرزوقي، فإن تدخل الصوفيين في السياسة، يمكنه أن يخلق العنف، أو أن يبرر العنف الواقع على الأفراد من الحكومات انطلاقا من قناعاته.


وأشار المرزوقي، إلى أنه لا يمكن قياس تجربة الدول التي احتضنت الصوفية وتمكنت من مواجهة التطرف بعيدا عن السياسة المتبعة فيها، فالمغرب نجح في التصدي للتطرف لأنه أعطى الحقوق والحريات لشعبه للمشاركة في الحياة السياسية وليس لأنه شجع فكر التصوف.


ويرى المرزوقي، أن معالجة الوضع الاقتصادي والاجتماعي ودعم المجال الثقافي هو الحل للتطرف.

 

"