يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

نبيل نعيم: كنت مُؤَسِّسًا لتنظيم الجهاد في مصر

الأربعاء 28/مارس/2018 - 11:47 م
نبيل نعيم
نبيل نعيم
مصطفى حمزة
طباعة

- «الظواهري» قبَّلَ يدي حينما قابلني داخل السجن وقال لي: «أنت أنقذتني لأنني كنت سأتورط معهم في قضية السرقة»

- سألت «بن لادن»: هل أنت إخواني؟ فقال: «لا.. لكنني حاربت معهم الرئيس السوري حافظ الأسد»

- ما زلت أحتفظ بعلاقات جميلة مع حزب الله وقلت لهم «لو حدثت بينكم وبين إسرائيل حرب لابد أن أشارك فيها»

- لجأتُ إلى مسجد السيدة عائشة للاختباء به وأحضرنا «وعاءً» وتم ملؤه بالجاز وتفكيك السلاح بداخله

- نادم على المشاركة في قتل السادات ولو عاد الزمان لن أشارك

- أيمن الظواهري ضعيف الشخصية ويحركه المحيطون به وما يشاع أنه كان يُحرك ابن لادن كذب


 7 سنوات هي عمر الفترة التي قضاها نبيل نعيم، مؤسس تنظيم الجهاد المصري، بعد خروجه من السجن في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك عام 2011، حاملًا في جعبته الكثير من الأسرار التي عاشها داخل التنظيم في مختلف مراحله، ثم داخل السجن لسنوات عديدة.

ومن ثم حاولنا خلال 5 ساعات من محاورته كشف المسكوت عنه في التنظيم، ومعرفة ما لم يتم نشره من قبل، وكانت أولى هذه المفاجآت أن فكرة تأسيس التنظيم بدأت على يد محمد سالم الرحال، الحاصل على ليسانس أصول الدين من جامعة الأزهر، والذي لقبه «نعيم» بأنه «مُؤسس تنظيم الجهاد في الأمة العربية كلها»، وتحديدًا الجهاد الإسلامي الفلسطيني، على يد تلامذته في فلسطين، وكان منهم المصريان محمد عبدالسلام فرج، صاحب فتوى قتل الرئيس أنور السادات من خلال كتابه «الجهاد.. الفريضة الغائبة»، وفتحي الشقاقي، الذي أسس بعد ذلك الجهاد الإسلامي في فلسطين.

نبيل نعيم: كنت مُؤَسِّسًا

«الرحال» ملهمًا

كان لقاء «نعيم» بـ«الرحال» في عام 1976 عقب حادث الكلية الفنية العسكرية الذي نفذَّه التيار الإسلامي، كمحاولة للانقلاب العسكري على الرئيس الأسبق محمد أنور السادات؛ ما أسفر عن مقتل 17 شخصًا، وسجن المئات من الشباب في مقتبل العمر، لتتطور أفكارهم داخل السجون؛ حيث اختلفوا فيما بينهم على تكفير القاضي الذي حكم عليهم، وكذلك رجال الشرطة، والعساكر الذين يتعاملون معهم داخل محبسهم، ليكفر بعضهم بعضًا بسبب الاختلاف في هذه المسائل، فتوسط «نعيم» لعرض هذه المسائل على «الرحال» باعتباره أحد تلاميذه، وكان خارج السجن وقتها، ليفتي فيها، فأفتى بفتوى ابن تيمية في التتار، التي اقتبسها منه بعد ذلك محمد عبدالسلام فرج، ليصدر رسالته الشهيرة «الفريضة الغائبة»، ليعامل هؤلاء العساكر المسلمين معاملة التتار.

وبعد سنوات وتحديدًا في عام 1979 تم القبض على «الرحال» على ذمة قضية تنظيم الجهاد التي كانت تُعرف إعلاميًّا بـ«قضية 79»، والتي تم خلالها القبض على العديد من عناصر التنظيم، فتوسط «نعيم» هذه المرة لدى المحامي الإخواني مختار نوح لمقابلة مسؤول أمن الدولة في ذلك الوقت اللواء حسن أبوباشا للإفراج عنه، فكانت المفاجأة أن «أبوباشا» قرر عدم حبسه، ورَحَّلَه إلى بلده؛ خوفًا على ضباط الجهاز من الاقتناع بأفكار «الرحال» أثناء التحقيق معه؛ حيث كان شديد الحجة والإقناع –على حد تعبير «نعيم»- ثم اختفى «الرحال» بعد ترحيله من مصر وانقطعت صلته بالتنظيم.

في ذلك الحين وبعد القبض على تنظيم التكفير والهجرة في القضية المعروفة باسم «قضية 77» أعلن مصطفى يسري، أمير عام تنظيم صالح سرية في الفترة من 1977 وحتى 1980، حل تنظيم الجهاد؛ حتى لا يحمل تبعات أعضائه وعناصره، لينقسم التنظيم إلى مجموعات لم تقتنع بقرار الحل وظلت محتفظة بقوتها، إحداها يقودها أيمن الظواهري، وقد كان موجودًا تحت قيادة «مصطفى يسري» قبل «قضية 77»، وأخرى بقيادة محمد عبدالسلام فرج، وكانت هذه المجموعات تضم ضباطًا في الجيش، مثل عصام القمري، وعبدالعزيز الجمل، وغيرهما، ونفذت هذه المجموعات عمليات إرهابية للرد على أحداث الفتنة الطائفية بالزاوية الحمراء عام 1981، والتي راح ضحيتها في البداية عدد من المسلمين، فقامت مجموعة «الظواهري» بضرب كنيسة، وألقت قنبلة على فرح للمسيحيين، والمجموعة الثانية قررت هي الأخرى الاعتداء على محل مجوهرات «الأمير» لمواطن مسيحي في شبرا، واشتروا رشاشًا لتنفيذ العملية، وطلبوا من مجموعة الظواهري «طلقات»، وكانت موجودة في مخزن بمنزل بمدينة قليوب، بمحافظة القليوبية، شرقي النيل، استأجره «نعيم» لهذا الغرض، ولكنه رفض تسليم الطلقات لـ«الظواهري»، حتى لا يتورط التنظيم في قضية سرقة، ولذلك قبَّلَ «الظواهري» يد «نعيم» حينما قابله داخل السجن فيما بعد، وقال له: «أنت أنقذتني لأنني كنت سأتورط معهم في قضية السرقة.

نبيل نعيم: كنت مُؤَسِّسًا

الإخوان والجهاد

وعلى عكس ما يشاع من أن جماعة الإخوان كانت تدعم تنظيم الجهاد دعمًا ماليًّا من وراء ستار، مقابل إعلان استنكارها للعمليات التي يقوم بها تنظيم الجهاد، وهو ما بات يُعرف باستراتيجية «يد تقتل وأخرى تستنكر»، نفى «نعيم» هذه المزاعم، ولكنه أكد أن هناك ربطًا حدث في بداية نشأة التنظيم عام 1974، على يد صالح سرية القيادي الإخواني، الذي أسس تنظيمًا مستقلًا عن جماعته للانقلاب على الرئيس الراحل أنور السادات، ثم طلب من القيادية الإخوانية زينب الغزالي مساعدته على أن يقود الإخوان الدولة في حال نجاح هذه الحركة الجديدة، ولكنها رفضت، كما أوضح «نعيم» أن علاقة الإخوان بقيادات التنظيم لم تكن جيدة؛ بسبب كُرههم للإخوان؛ لأن السادات كان يستخدمهم لضرب التيار الناصري.

ونفى «نعيم» كذلك ما تردد من أن جماعة الإخوان في مصر دعمت تنظيم الجهاد المصري بالمال، مؤكدًا أنهم كانوا يعتمدون في التمويل على سرقة محلات الذهب، كما لم يكن هناك دعم أجنبي للتنظيم في بداية نشأته؛ لأنه كان تنظيمًا محليًّا، ليس له انتشار ولا اتصال بأجهزة المخابرات؛ لدرجة أنه وصف هذه النشأة بأنه «اتحاد طلاب تحول إلى تنظيم الجهاد».

أما عن علاقة قيادات التنظيم بالجماعة قال نعيم: «عاشرت أيمن الظواهري 20 عامًا، وسكنت في منزله 3 سنوات، ولم يكن يومًا إخوانيًّا، وكذلك لم يبايع ابن لادن الإخوان، وقد سألته هل كنت إخوانيًّا؟ فقال: لم أكن إخوانيًّا، ولكن حينما حارب الإخوان الرئيس السوري حافظ الأسد سنة 1982، كنتُ أجمع لهم التبرعات من المساجد لمدة 3 سنوات، وبلغت 100 مليون ريال سعودي، بالإضافة إلى شراء 100 سيارة دفع رباعي، من أجل دعم معسكرات الإخوان في الأردن التي كانت تجهز  لغزو سوريا، ولما لم يحدث هذا «انقلب عليهم بعد أن اكتشف أنهم مخادعون»، على الرغم من أن «الظواهري» حكى في مقطع فيديو شهير عن ابن لادن اعترافه بأنه كان إخوانيًّا، وكلفه التنظيم بمهمة في لاهور بباكستان، ولم يلتزم بتعليمات التنظيم بالعودة بعد انتهاء المهمة، وإنما سافر إلى أفغانستان، فإن التنظيم الإخواني فصله.

ونقل «نعيم» عن قائد معركة «حماة» عمر عبدالحكيم الملقب بـ«أبومصعب السوري» كواليس علاقة الإخوان بتنظيم الجهاد في سوريا وكان اسمه «طلائع الفتح»، ولم يكونوا مؤمنين بفكر الإخوان، ولكن بعد مذبحة الطيارين العلويين التي نفذها التنظيم في الثمانينيات من القرن الماضي، استعان «أبومصعب» بالقيادي الإخواني سعيد حوى وغيره من القيادات لمواجهة الأسد، فطلبوا منهم أن يعملوا باسم الإخوان وتحت رايتهم كشرط لمساعدتهم، فسموا تنظيمهم «طلائع الإخوان» بدلًا من «طلائع الفتح»، وهذه هي المجموعة الإخوانية التي تعاطف معها ابن لادن، وجمع لها التبرعات، في فترة الثمانينيات.

نبيل نعيم: كنت مُؤَسِّسًا

خالد مساعد

وفي ثنايا الحديث برز دور خالد مساعد، مؤسس تنظيم التوحيد والجهاد في سيناء قديمًا، وهو التنظيم الذي شارك في تفجيرات طابا التي استهدفت فنادق سياحية عام 2004، وشرم الشيخ 2005،، ودهب 2006، وقُبض بسببها على 2000 شخص، من بينهم 1000 لا يصلون، وتم سجنهم مع عناصر تنظيم «الناجون من النار» الذين نفذوا 3 محاولات اغتيال فاشلة، وحلمي هاشم الذي كان محبوسًا مع «الناجون» وأصبح مفتي «داعش» فيما بعد، فتعلموا منهم تكفير المسلمين، ليخرجوا بعد هروبهم من السجن عقب ثورة يناير 2011 حاملين هذا المنهج للمجتمع، فتبناهم تنظيم «أنصار بيت المقدس» في غزة، إلى أن اجتمع بهم القيادي الإخواني خيرت الشاطر بعد وصول الإخوان للحكم، حتى يجيشهم لصالح جماعته.

 
توزيع الأدوار

أدوار العناصر الإرهابية داخل تنظيماتهم تختلف حسب جنسياتهم، فوفقًا لـ«نعيم» فإن المقاتلين العرب هم المكلفون دائمًا بالعمليات الانتحارية، التي يندر أن تجد من يتصدى لها من المقاتلين الأمريكيين أو الأوربيين، بينما يتولى الشيشانيون مهمة الذبح والقتل، بسبب غلظتهم، ويشتهرون داخل «داعش» على سبيل المثال بـ«الذباحين»، ولذلك قتلت روسيا 2500 شيشاني من مقاتلي سوريا، بعد أن قرر بوتين عدم إرجاعهم إلى بلادهم مرة أخرى.

أما عن قيادات جبهة النصرة في سوريا فقد أكد أن أغلبهم من المصريين؛ حيث سافر إلى هناك 1500 مصري، معظمهم من حركة «حازمون» المؤيدة لحازم أبوإسماعيل، من بينهم عبدالعزيز الجمل، الذي سافر إلى سوريا خلال عام حُكم جماعة الإخوان، بعد مؤتمر الرئيس المخلوع محمد مرسي المسمى بـ«نصرة سوريا» عام 2013، وكان الجمل "يخدم إسرائيل، ويحرّض السوريين ضد بشار الأسد؛ لأن سقوط سوريا يخدم مصلحة إسرائيل" -حسب نبيل نعيم.

نبيل نعيم: كنت مُؤَسِّسًا

حزب الله

ما زال مؤسس تنظيم الجهاد يفتخر بعلاقته مع حزب الله اللبناني، قائلًا: «قبل تأسيس تنظيم الجهاد تدربت في منظمة التحرير الفلسطينية، وسافرتُ لبنان أيام الحرب عام 1977، وكنتُ أتلقى دورات تثقيفية منها دورة النقاء الثوري، التي علمتنا أننا حينما نقتل عدونا لا نفتشه حتى لو كان معه مليون جنيه؛ لأنهم سيتركون قضيتك ويتهمونك بالسرقة، وما زلت أحتفظ بعلاقات جميلة مع حزب الله، وقلتُ لهم لو حدثت بينكم وبين إسرائيل حرب لابد أن أشارك فيها، لأنني أتمنى أن أموت وأنا أجاهد ضد إسرائيل».

كانت المساجد هي الملاذ الآمن نسبيًّا لعدد من عناصر وقيادات التنظيم الهاربين من الملاحقات الأمنية، خاصة مع سيطرتهم على عدد منها، وصعوبة اقتحام الأمن لها، ففي الوقت الذي كان محمد عبدالسلام فرج –أحد مؤسسي تنظيم الجهاد- هاربًا من قبضة السادات بعد قرار التحفظ عام 1981، كان مختبئًا في أحد هذه المساجد، وهو مسجد عمر بن عبدالعزيز، وكذلك من المساجد الشهيرة التي كانت تحت سيطرة التنظيم، ومسجد السيدة عائشة في منطقة الظاهر شمال القاهرة، ومسجد فاطمة الزهراء بمنطقة الساحل في شبرا، بشمال القاهرة.

وفي إحدى معارك «نعيم» ورفيقه الضابط عصام القمري مع قوات الأمن بمنطقة المقطم جنوب شرقي القاهرة، لجأ إلى مسجد السيدة عائشة؛ للاختباء به، وأحضر «وعاءً» وتم ملؤه بالجاز، وتفكيك السلاح بداخله، كما اعترف مؤسس التنظيم باستغلال بعض المساجد في عدد من المحافظات داخل مصر واستخدامها كمخازن للسلاح؛ حيث كانوا يضعون الأسلحة أسفل المنبر، ولكن بكميات قليلة، بحجة استخدامها للدفاع عن أنفسهم في حال اقتحام المسجد من قِبل قوات الأمن.

نبيل نعيم: كنت مُؤَسِّسًا

اغتيال السادات

كان اغتيال الرئيس أنور السادات عام 1981 من المحطات الفارقة في حياة تنظيم الجهاد المصري، وعن هذه المحطة يقول «نبيل»: «خالد الإسلامبولي أبلغ محمد عبدالسلام فرج بمشاركته في العرض العسكري أمام السادات، وأن سريته تقوم ببروفات، وأن سيارته ستكون أول سيارة تمر من أمام المنصة، وسيكون بينه وبين الرئيس 20 مترًا، ولو تم تغيير طاقم الجنود في السيارة واستبدلناهم بعناصر من تنظيم الجهاد الموجودين داخل الجيش الذين يجيدون ضرب النار يمكن التخلص من السادات»، وبالفعل منح خالد جنود طاقم سيارته إجازة، وأصدر خطابات للضباط التابعين له على أنهم ملحقون بسرية العرض.

أصبح كل شيء جاهزًا باستثناء الذخيرة وإبرة ضرب النار، والتي أحضرها أحد الإخوة، وهو مقدم يُدعى ممدوح أبوجبل، ولم يحاكم في القضية؛ لأنهم اعتبروه شاهد ملك، وشهد على الخلية كلها، وكان دور «نبيل» هو إحضار جزء من الذخيرة، عن طريق أيمن الظواهري، ومنه إلى محمد عبدالسلام فرج، بالإضافة إلى جزء آخر أحضرته عناصر محافظة الشرقية، إلا أن «نعيم» لم يتورط في هذه القضية؛ لأنه قال للقاضي إنه ليس ضابطًا، ونفى علاقته بالذخيرة، وأرشد عن شخص آخر باعتباره هو المسؤول عنها، وهذا الشخص ضابط دفاع جوي يُدعى إبراهيم سلامة، وقُتل أثناء العملية.

واعترف بأن كتابات الإخوان الكاذبة عن سجون عبدالناصر هي التي دفعتهم لاغتيال السادات؛ لأن ما كان يسيطر على تفكيرهم في ذلك الوقت، هو أن الرئيس سيفعل معهم ما كان يفعله عبدالناصر مع الإخوان من تعذيب لدرجة الموت، وقال «تقابلنا مع الأشخاص الذين كَتَب عنهم الإخوان داخل السجون، وتأكدنا أنهم مظلومون فيما كُتِبَ عنهم».

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي فكروا فيها في اغتيال الرئيس السادات، وإنما كانت هناك محاولة فاشلة؛ حيث أخبرهم عبود الزمر -وكان وقتها ضابطًا في المخابرات وعضوًا بالتنظيم- أن الرئيس سيذهب للمنصورة لافتتاح مصنع طلخا للأسمدة، فقاموا باستطلاع الطريق المؤدي للمصنع، وقاموا بحفره بعد أن ارتدت عناصرهم زيًّا رسميًّا موحدًا مكتوبًا عليه «محافظة الدقهلية.. شركة الكهرباء»، وتم وضع طن متفجرات داخل مواسير مدفونة أسفل الطريق، إلا أن الرئيس فاجأهم بالهبوط بطائرة في ملعب المنصورة بالقرب من المصنع، لتفشل المحاولة.

نبيل نعيم: كنت مُؤَسِّسًا

ندم .. وذكاء

وبسؤاله بعد هذه المعلومات الصريحة وهو يُقَلِّب في دفتر الذكريات: هل أنت نادم على المشاركة في اغتيال السادات؟ ولو عاد بك الزمن هل كنت ستشارك معهم؟ وجاءت إجابته قطعية «نعم نادم على المشاركة، ولو عاد الزمان لن أشارك»، وقال إن السادات كان رحيمًا بالفقراء، ولذلك خصص لهم معاشًا اجتماعيًّا حمل اسمه، وهو (معاش السادات).

قليل من الحظ وكثير من الذكاء كانا سببًا في نجاة مؤسس تنظيم الجهاد من العديد من القضايا، ففي قضية اغتيال السادات كان قد سلَّمَ «نعيم» قبل القبض عليه مخزن السلاح الذي كان بحوزته إلى «الظواهري»، ولم يكن هناك عقد إيجار لمنزل قليوب الذي كان مخزنًا للأسلحة، كما أن الأمن حينما داهم منزله وجد آثارًا لحفر مكان صناديق القنابل التي كانت مدفونة تحت الأرض، وحينما سألوه قال: «طلب مني التنظيم حفرة لتخزين السلاح، ولما حفرتها قالوا إنها لا تصلح»، وهذه الردود التلقائية تنم عن ذكائه وسرعة بديهته، وكذلك حينما كلفه «الظواهري» بطباعة كتاب "العمدة في إعداد العدة"، أوكل «نعيم» هذه المهمة لأحد عناصر التنظيم ويُدعى هيثم عبد ربه، كان يعمل في مطبعة، بطباعة 1000 نسخة ثم أمره ببيع 100 نسخة منهم في معرض الكتاب، وتوزيع الباقي على الإخوة، ونبه عليهم إذا تعرضوا للمساءلة بأن يقولوا إنهم اشتروه من معرض الكتاب، وحتى يُخفي جريمته قام بتسفير «هيثم» لأفغانستان، وحينما سُئل أرشد عنه، ليظهر أنه متعاون ويبرئ نفسه وينجو من وطأة التعذيب، وفي النهاية لن يتم القبض على هيثم، وكذلك حينما سُئل عن العناصر التي قام بتسفيرها، قال إنه لم يكن مسؤول التسفير داخل التنظيم، وإنما المسؤول هو عادل عبدالمجيد عبدالباري، وكان قد هرب إلى لندن وقتها.

نبيل نعيم: كنت مُؤَسِّسًا

إلى أفغانستان

فجر «نبيل» خلال الحوار عددًا من المفاجآت، من بينها أن أيمن الظواهري -الزعيم الحالي لتنظيم القاعدة، خلفًا لابن لادن- ضعيف الشخصية، ويحركه المحيطون به، وأن ما يشاع بأنه كان يُحرك ابن لادن كذب، وأن الظواهري هو الذي أرشد عن «نبيل» في قضية اغتيال السادات، ولكنه على الرغم من ذلك فإنه يحبه ويغفر له بهذا الحب ما حدث منه، كما أنه قال إن فكرة مواجهة العدو البعيد بدلًا من القريب كانت شيئًا نظريًا، وأن «داعش» سيُقضى عليه ولكن «القاعدة» ستظل «باقية وتتمدد».

ومن المفاجآت التي حكاها عن أسامة بن لادن من دفتر ذكرياته، أن أسامة كان يخطط لضرب بورصة نيويورك بقنبلة ذرية قبل أحداث 11 سبتمبر 2001، واتفق مع جنرال باكستاني على سرقة القنبلة من الاتحاد السوفيتي بعد تفكيكه، وكانت عبارة عن قنبلة انشطارية نووية، مكونة من 2 – 5 كيلو يورانيوم، موضوعة داخل شنطة، واتفق مع تجار مخدرات في باكستان على تهريبها لأمريكا، مقابل 10 ملايين دولار، واتفق كذلك على دفع 5 ملايين دولار للجنرال الروسي، و5 ملايين دولار أخرى للجنرال الباكستاني، ودفع منهم بالفعل مليون دولار عربون، ولكن حينما استلم شنطة القنبلة قام أحد عناصر التنظيم من الحاصلين على الهندسة النووية، ويدعى أبوعبدالرحمن الإلكتروني، بالكشف عنها بجهاز قياس الإشعاع -تم شراؤه خصيصًا من اليابان بـ25 ألف دولار لهذا الغرض- فوجد درجة الإشعاع أقل من تلك الموجودة في الجو، فقرروا فتح الشنطة ليجدوا بداخلها صاروخ «ستينغر» ويكتشفوا أنهم تعرضوا لعملية نصب.

نبيل نعيم: كنت مُؤَسِّسًا

بن لادن

لم يتمالك «نعيم» دموعه حينما تذكر شيخه أسامة بن لادن، ورفع يده للدعاء له بالمغفرة والرحمة، وقرأ الفاتحة على روحه، وقال إنه بكى عليه مرتين في حياته؛ إحداهما في حواره على قناة فضائية، والأخرى في حوارنا هذا لأنه يراه نادرة من النوادر، وأنه من المجاهدين، وهو الذي قتل القائد الأفغاني أحمد شاه مسعود، وقال: «كنتُ أنزل ضيفًا عليه في بيته بالعزيزية أثناء أداء العمرة، ورافقتُه في السودان وأفغانستان»، ويحكي عنه أنه لم يكن يثق إلا في السعوديين واليمنيين لحراسته، وقال إن أمريكا لم تقتله ولكنه فجر نفسه بعدما حاصروه، لذلك لم يحصلوا على جثته، ونقل هذه المعلومة عن شقيق زوجته، وهو مصري من مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية، شمال شرقي الدلتا، وروى له نقلًا عن زوجة «أسامة» أنه كان يرتدي حزامًا ناسفًا منذ سنوات لا يخلعه إلا عند النوم أو الاغتسال فقط.

ومن المفاجآت كذلك أن فكرة تفجير برجي التجارة في أمريكا مستمدة من محاولة فاشلة لتفجير السفارة الإسرائيلية في مصر، يقول «نعيم»: «ونحن في أفغانستان فكرنا في ضرب السفارة الإسرائيلية في مصر، بواسطة طائرة رش مبيدات يتم تفخيخها وتوجيهها عن طريق انتحاري، وبالفعل وجدنا الطائرة، وكان معنا في التنظيم شقيق طيار يقود طائرة إف 16، ويقوم بحملات حراسة للسفن التي تمر بقناة السويس، وأعلن عن استعداده للقيام بالمهمة، ولكنه مع الأسف حكى لأحد أصدقائه المقربين، فأبلغ عنه وفشلت العملية».

نبيل نعيم: كنت مُؤَسِّسًا

غزوة منهاتن

ولما سمع «خالد شيخ محمد»، أحد مخططي أحداث 11 سبتمبر، هذه الفكرة عرض على ابن لادن خطف عدد من الطائرات الأمريكية بركابها كـرهائن، والدخول بهم في مبنى التجارة الأول والثاني، والبنتاجون وغيرها، ولم يكن الهدف من العملية إسقاط البرجين، وإنما قتل الركاب، لكي تستجيب الإدارة الأمريكية لطلبات التنظيم فيما بعد إذا قاموا بخطف رهائن مرة أخرى، وكان سبب هذا كله الحصار الأمريكي للعراق، بعد تقرير للأمم المتحدة يفيد بوفاة 600 ألف طفل عراقي نتيجة عدم وصول الأمصال الطبية لهم، وتم تداول التقرير داخل معسكرات القاعدة، فكان سببًا لإشعال نار الانتقام في قلوب أعضاء التنظيم، فتطوع منهم 200 من جنسيات مختلفة للقيام بعمليات انتحارية، بناءً على رغبة ابن لادن، وكان من بينهم محمد عطا أحد منفذي العملية.

وتابع: «أحد الإخوة وكان مهندسًا مدنيًّا اقترح على ابن لادن بدلًا من قتل الركاب، ضرب البرج من الثلث العلوي، لأن هذا يتسبب في سقوطه، بسبب بنائه على جدران من الصلب، وليس الخرسانة، ومعتمدة على (سوست) ما يعني أن ضرب هذا الجزء سيؤدي بالتبعية لهزة شديدة بالبرج كله تؤدي لسقوطه».

وبسؤاله «هل يمكن أن ترى هذا الحادث جهادًا، وقد أودى بحياة ضحايا من المدنيين الذين لا ذنب لهم فيما حدث، ما يتسبب في تشويه صورة الإسلام في الغرب، ودعا أمريكا لشن حرب على المسلمين في بلدان عديدة»، وكانت إجابته أنه ضد قتل المدنيين مهما كانت الجريمة التي ارتكبتها حكوماتهم؛ لأن المواطن غير مسؤول عن تلك الجرائم، ولكن ما حدث كان رد فعل لقتل أمريكا 300 ألف طفل وامرأة من المدنيين في اليابان بقنبلة هيروشيما ونجازاكي، وكذلك قتل أطفال العراق بالحصار الطبي، مؤكدًا أن السياسات الأمريكية المنحازة دائمًا لإسرائيل كفيلة بإقناع المتطرفين بالانضمام للتنظيمات الإرهابية، خاصة أن الأدلة الشرعية غير كافية للإقناع بالعمل الانتحاري، ولكن يتم استخدامها فقط لتبريره.

الإخوان والحصاد المر.

أما عن رأيه في جماعة الإخوان، فيؤكد أن هذه الجماعة من أسوأ الجماعات التي ظهرت في التاريخ؛ لأنها مجرمة سياسيًّا، وتعمل لمصلحة إسرائيل، وتحافظ على أمنها، مدللًا على ذلك بما قاله عباس العقاد لحسن البنا -مؤسس الجماعة- في مقال له بمجلة «الأساس» من أن تنظيم الإخوان هدفه تكريس المشروع الصهيوني في فلسطين، وعلى الرغم من ذلك فإنه لم يكن يكفرهم، وكان ذلك سبب رفضه لطباعة كتاب "الحصاد المر" لأيمن الظواهري، والذي كان يُكَفِّر الإخوان بداخله.

وعن إمكانية تكرار تجربة تنظيم الجهاد في مصر مع التطور التكنولوجي الهائل، أكد أن الأمر تطور كثيرًا، ووسائل الاتصال أصبحت قادرة على تجنيد عدد أكبر من العناصر، بعد أن كانت قدرات التجنيد قديمًا فردية، بالإضافة إلى أن طريقة تصنيع القنابل في المنزل أصبحت موجودة بالفيديو عبر الإنترنت.

ومن الحكايات الجهادية التي تكشف عن كيفية إقناع عناصر التنظيمات الجهادية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية كخطوة لتفكيك هذه التنظيمات، هي حكاية «عبدالقوي» وهو أحد العناصر التي نجح أمن الدولة في تجنيده بمحافظة الإسكندرية، عبر إقناعه بأن الإبلاغ عن زملائه قبل تنفيذ عملياتهم أفضل من القبض عليهم بعد التنفيذ، ويخفف العقوبة عنهم، وكان مسؤول التنظيم في مصر في ذلك الوقت (1977-1980) شخص يُدعى مصطفى يسري، بعد أن أعاد تشكيل التنظيم عقب أحداث الفنية العسكرية، وتمكن من الحصول على صندوق قنابل مسروق من الجيش، فبادر «عبدالقوي» بالإبلاغ عن الصندوق، بحجة أنه في هذه الحالة ستكون العقوبة شهورًا فقط، بخلاف العقوبة التي يمكن أن تُوَقَّع بعد تنفيذ العمليات بهذه القنابل، والتي قد تصل إلى الإعدام أو المؤبد.

 

نبيل نعيم: كنت مُؤَسِّسًا

متُّ في لاظوغلي

وفي وسط ظلام التعذيب تخرج مواقف طريفة ونادرة؛ حيث يقول «نعيم» أثناء تعذيبه في مقر أمن الدولة بميدان لاظوغلي عام 1992 إنه تعرض لإغماء، فرآه أحد عناصر التنظيم تصادف وجوده في المكان نفسه في ذلك الوقت، فظن أنه مات من التعذيب، ونقل الخبر لرفقائه في السجن، فصلوا عليه صلاة الغائب، ونشرت جريدة الشعب في اليوم التالي خبر وفاته، فأرسل شقيقه فاكسًا لمكتب الرئيس الأسبق حسني مبارك، وتلقاه زكريا عزمي، رئيس ديوان رئاسة الجمهورية آنذاك، وعرضه على الرئيس، فأمر بالتحقيق في الواقعة بعد التحقق منها، فاتصلت الرئاسة بلاظوغلي للتأكد من الوفاة، ثم أرسل الرئيس مندوبًا لزيارة «نعيم» في السجن، والاطمئنان عليه، ولم يتم تعذيبه منذ ذلك الحين، حتى خرج من محبسه في 2011 عقب ثورة يناير، علمًا بأنه تم تعذيبه لمدة 4 أشهر، من بينها 40 يومًا من التعذيب المتواصل.

"