يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

مراوغات « العدالة والتنمية» المغربي للانسلاخ من الإخوان

الجمعة 02/نوفمبر/2018 - 12:56 م
المرجع
أحمد الشوربجى
طباعة

لم تأتِ كلمات مؤسس جماعة الإخون الإرهابية، «حسن البنا» والتي قال فيها: ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين في وجه من قاموا باغتيال رئيس الوزراء المصري النقراشي باشا[1] وليدة اللحظة ولا بمحض الصدفة، ولم تكن فقط دلالة على الكذب والخداع اللامتناهي من قبل الجماعة في واقعة بعينها، بقدر ما تعبر بوضوح عن استراتيجية الجماعة المفضلة في تعاملها مع الوقائع والأحداث التاريخية، فما أن يكون الإخوان طرفًا فاعلًا في واقعة معينة إلا وتجد جدلًا يحمل كل المتناقضات وتختلط فيه الرويات.


وتحترف الجماعة الإرهابية الكذب والتَّقِيَّة، وتجيد المراوغة ونفي التهمة والتخفي والتخلص من السياقات كافة التي تربطهم بالحدث، والتملص والتفلت من كل عهد، والإخلاف لكل وعد فلا تعرف ماذا قالوا ولا من معهم ومن ضدهم، ويظهر ذلك جليًّا في المغرب كنموذج للمراوغة التي ينتهجها التنظيم في البلدان التي استوطنها.


ومن ثم ونحن نبحث تصريحات النفي المتكررة من قبل قادة حزب «العدالة والتنمية» المغربي بعدم وجود أي ارتباط بينهم وبين «حركة التوحيد والإصلاح»، ثم نفي الأخيرة أي علاقة لها بتنظيم الإخوان المسلمين، وهل هي حقيقة أم مراواغة؟ فلا مناص أمامنا من إعادة ترتيب المشهد وتنسيق الأحداث لربطها ببعضها؛ من أجل الوصول لنتيجة منطقية محكمة خلال هذه الورقة البحثية التي تحاول أن تجيبَ عن هذه الإشكالية، وذلك من خلال 3 محاور أساسية:

المحور الأول: الإخوان المسلمون في المغرب النشأة والتطور التاريخي.


المحور الثاني: كيف وصل الإخوان للسلطة في المغرب.


المحور الثالث: الخاتمة والنتائج.


مراوغات « العدالة

المحور الأول: الإخوان المسلمون في المغرب النشأة والتطور التاريخي.

التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وُلِدَ رسميًّا على يد «مصطفى مشهور» في 29 يوليو 1982م؛ لكن الحقيقة أن البداية كانت قبل ذلك بكثير على يد مؤسس الجماعة الأول «حسن البنا»، وإن كان يصعب تحديد التاريخ على وجه الدقة إلا أن «البنا» كان يستهدف بجماعتة منذ لحظة الإنشاء والتأسيس إعادة الخلافة مرة أخرى، ومن ثَمّ فمن الطبيعي أن تكون ساحة الدعوة غير محصورة في مصر وحدها، ولعل نظرة سريعة على مذكرات الدعوة والداعية تؤكد ذلك.

 

أنشأ البنا لهذه المهمة قسمًا خاصًّا سماه قسم «الاتصال بالعالم الإسلامي» عمله الأول إنشاء أفرع للجماعة خارج مصر والتواصل مع الشخصيات والتيارات القريبة من فكرة الجماعة؛ بهدف الربط بينها وبين جماعته، ومن خلال هذا القسم أسست الجماعة فروعًا لها في سوريا والأردن والسودان وغيرها.[2]


بدأ الاتصال بالمغرب من قبل الجماعة في وقت مبكر من خلال هذا القسم الذي لم يألُ جهدًا في الاتصال بكل من له تأثير في المغرب العربي ليوظفه مندوبًا له، وقيمًا على دعوته في تلك البلاد، ولعل «عبدالكريم الخطابي» يصلح مثالًا على الدأب والتفاني في التواصل مع ذوي التأثير في المغرب [3]، فخلال وجوده في مصر حاول البنا الاتصال به، ولكن الرجل كان مستقل الفكرة غير محصور النظرة، ومن ثم فشل الإخوان في جعل الرجل وجهة الإخوان في المغرب العربي.[4]


أما تاريخ الإخوان في المغرب العربي على وجه التحديد فيرجع لعام 1937م حينما تمكنوا في شهر يونيو من هذا العام من إنشاء شعبتين؛ واحدة في مدينة «فاس» بقيادة «محمد بن علال الفاسي»، والثانية كانت في «طنجة»، بقيادة «أحمد بن صديق»[5]، يقول عبدالله لعماري[6]: «وفي الوقت الذي كانت تتأسس فيه الحركة الإسلامية في المشرق، على يد الإخوان المسلمين في مصر، في عشرينيات القرن الماضي، كان علال الفاسي في المغرب يهتدي إلى العمل نفسه الذي كان يقوم به حسن البنا في مصر، بدءًا بجمعية القرويين لمقاومة المحتلين، لدعم المجاهد المغربي عبدالكريم الخطابي، إلى تأسيس الخلايا السرية محاكاة للمنهج النبوي، خلال مرحلة البعثة النبوية، هذا التأسيس الإسلامي المفعم بالبواعث الدينية المحضة، الجياشة بالحماس العقائدي الصرف، الناهل من منهل القرآن الكريم، والسنة النبوية، والسيرة المحمدية العطرة، سينصرف إلى الوجهة الكفاحية الميدانية، وهي الوجهة الوطنية، بما يتطلبه العمل الوطني من قنوات ومؤسسات وعناوين وتنسيقات، سينصرف إلى ذلك، مباشرة بعد عودة «علال الفاسي» من مهجره بسويسرا، التي كان قد قضى فيها سنة كاملة، ما بين 1933م إلى 1934م».


واعتقلت سلطات الاحتلال «محمد بن علال» ونفته خارج البلاد، قبل أن يتمكن من إرساء قواعد وركائز متينة للتنظيم؛ ما أثر بشدة على وجود التنظيم الذي لم يشفع له ذلك الظهور المبكر في المغرب العربي، فظل يعاني من حالة ضعف صحبته فترة طويلة رغم محاولات الجماعة لتقويته[7].


استقر المقام بـ«محمد بن علال» في مصر بدءًا من عام 1947م، وأثناء وجوده في مصر لم يكن يفارق قادة الإخوان المسلمين، ولم يكن ينقطع عن ارتياد المركز العام للإخوان المسلمين؛ لتنسيق المواقف، وتصريف سبل الدعم والتضامن، فقد كانا يريان بعضهما جزءًا من بعض.[8]   

 

ظل وضع الجماعة في المغرب على هذا الحال من الوصل وعدم الانقطاع من جهة، وعدم الفاعلية التنظيمية من جهة أخرى حتى عام 1968م، وحينما عاد للمغرب «محمد بن علال الفاسي» بعد حضوره مؤتمر الطلبة المعبر عن جماعة الإخوان الذي كان محتشدًا بقادتهم عاد «علال» وهو أكثر تصميمًا وعزيمة على إنشاء كيان قوي دون أن يكون شخصه ظاهرًا في الصورة العامة.


التقى «علال الفاسي» بـ«عبدالكريم مطيع» ولقنه الفكرة الإخوانية ومبادئها، وتأكد أنه يصلح أن يكون دينمو الحركة الجديدة وربطة بالقادة التاريخيين للجماعة، وبتزكية منه وتعاون أسس «عبدالكريم مطيع» عام 1969م أول تنظيم حقيقي للإخوان االمسلمين تحت اسم «حركة الشبيبة الإسلامية».


 حرص «علال» أن تكون لقاءاته بـ«عبدالكريم مطيع» في سرية تامة؛ حيث حرص من البداية على الفصل الظاهر بينه وبين الجماعة، والظهور بصفة الزعيم السياسي المستقل مستعينًا في ذلك برئاسته لحزب «الاستقلال»؛ حيث كان أحد مؤسسه وظل على رئاسته منذ لحظة تأسيسه وحتى وفاته[9].

 

وعى «علال الفاسي» الخطأ الذي وقعت فيه الجماعة الأم في مصر بصراعها مع «عبدالناصر»، ورغم انحيازه لها ضد «ناصر» فإنه حرص منذ البداية على أن تكون علاقته جيدة بالملك؛ فقاد ثورة تحريضية ضد السلطات الفرنسية تطالب بعودة الملك «محمد الخامس» بعد نفيه في عام 1953م، ونجح في التأثير على فرنسا، وعودة الملك مرة أخرى وكافأه الملك بعد نيل الاستقلال 1955م، فعينه عضوًا أساسيًّا في لجنة وضع الدستور، وسمح له بدخول الانتخابات عام 1963م، وكان ضمن التشكيل الوزاري، وأسهم بجهد كبير في إنشاء وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، وظل حتى آخر حياته يوصي بعدم ترك جبهة الملك تحت أي ظرف[10].


استطاع «عبدالكريم مطيع» أن يحصل على ترخيص قانوني عام 1972م؛ لتتحول الحركة إلى جمعية دينية تربوية، وأعلنت أنها تهدف لـ«الإسهام» في البناء الاجتماعي، ونشر الأخلاق الكريمة، وحث المواطنين على الخير والفضيلة، والصلاح بواسطة تطبيق نهج الله الذي هو الإسلام، دون أن يكون لها أي صلة بالعمل السياسي.


تعمد «محمد علال الفاسي» طباعة كتاب معالم في الطريق لسيد قطب، وتوجيه الحركة نحوه؛ ما جعل تأثير «سيد قطب» على الحركة واضحًا لا تخطئه العين الراصدة، وهذا بدوره أكثر استعدادًا للصدام.


ووقع الصدام بالفعل مع التيار اليساري الذي انتهى بواقعة اغتيال «عمر بنجلون» الزعيم اليساري؛ ما دفع السلطات المغربية لاتخاذ إجراءات قوية ضدها؛ فأعلنت حل الجمعية، وحظر وجودها، ثم بدأت حملة اعتقالات موسعة طالت العديد من القيادات، والأفراد في حين تمكن آخرون من الفرار خارج المملكة المغربية، وعلى رأسهم «عبدالكريم مطيع» مؤسس التنظيم الذي غادر البلاد لليبيا، ثم السعودية، حتى استقر بلندن.[11]


في 18 من شهر سبتمبر لعام 1980، اُدين «عبدالكريم مطيع» في قضية اغتيال «بنجلون»، وحكم عليه غيابيًّا بالسجن المؤبد، في حين تم تبرئة «إبراهيم كمال» الأب الروحي للحركة، وفي شهر ديسمبر من العام ذاته فاجأ «عبدالكريم مطيع» الجميع بإصداره مطبوعة المجاهد، التي تحرض ضد نظام الحكم بأعنف ما يكون، وتدفع نحو الصدام، وقد وقعت المطبوعة المهربة بأعداد كبيرة عبر الحدود في أيدي أفراد التنظيم كله من أعلاه لأدناه، القيادي «علال العمراني» هو وحده الذي أدرك مغبة هذا التحريض، وخطورة الصدام، فصرخ في الجميع يستفيقهم للعودة لرشدهم وكان الرجل مسموع الكلمة في التنظيم، فالتفت حوله القيادة التنظيمة في الدار البيضاء، ثم وجّه بضرورة اجتماع القادة من الأماكن كافة، وفي يوم 28 مارس 1981م اجتمع نحو 20 قياديًّا من قادة التنظيم أبرزهم «علال العمراني»، «إدريس شاهين»، «عبدالله لعماري»، «عبدالله بلكرد»، «عبدالرحيم ريفلا»، من الدار البيضاء، و«عبدالإله بنكيران» من الرباط، و"«عبدالعزيز بومارت» من مكناس.

 

 

وبعد نقاشات حادة ومجهدة انقسمت الحركة لثلاثة أقسام[12]:

قسم أول ساند المؤسس«عبدالكريم المطيع»، وظل يعمل في إطار الشبيبة حتى عام 1981م، وقسم ثان: بقيادة لجنة من الشباب تضم كلاً من «محمد اليتيم» (قاد الحركة من عام1981م وحتى عام 1985م، ومن عام 1994م وحتى 1996م)، «عبدالإله بن كيران» (قاد الحركة من عام1985م وحتى عام 1994م)، و«عبدالله بها»، و«سعد الدين العثماني» و«الأمين بوخبزة»، و«محمد عزالدين توفيق»، و«عبدالعزيز بورمات» و«محمد بلقايد» وخلصت لضرورة القطيعة التنظيمية مع «عبدالكريم مطيع»، والتخلي عن تسمية الشبيبة الإسلامية، وبدأ الترتيب لظهور تنظيمي جديد تحت اسم «الجماعة الإسلامية» وهو الكيان الذي استغرقت عملية مخاضه خمسة أشهر كاملة، وكان الاسم من اقتراح القيادي «محمد زحل»، أما القسم الثالث فقد قرر التوقف للتبين ورفض الإنحياز لهؤلاء أو هؤلاء.


وفي عام 1983م ساد خلاف أدى لاستقطاب حاد داخل الجماعة حول بعض التصورات الفكرية والمنهجية المتعلقة بالمرحلة والقيادة المؤهلة لها فأعتقلت السلطات كلاً من «عبدالله لعماري»، «عبدالله بلكرد»، «عبدالرحيم ريفلا»، وادخلوا في محاكمة مجموعة الـ71، وهي المحاكمة التاريخية الأولى للحركة الإسلامية بالمغرب، والتي حكم فيها بالإعدام والسجن المؤبد على العديد من القيادات، في حين نال الثلاثة السابقون حكمًا بـ10 سنوات، قيل: إن هذه الأحكام كانت بتخطيط من الجهات الأمنية لأجل إنهاء الخلاف داخل الجماعة، وتوجيه قواعدها نحو الوجهة المرغوب فيها بقيادة «عبدالإله بنكيران» و«محمد يتيم» و«عبدالله بها».[13]


لم تعبأ «الجماعة الإسلامية» بوصف «عبدالكريم مطيع» لها بجماعة المارقين بعدما رفضت العمل السري الذي جرى تأسيسه من قبل «عبدالكريم مطيع» على غرار جماعة الإخوان في مصر وبدت الملامح الفكرية والمنهجية لها تركز على العمل الثقافي والدعوي والاجتماعي مبتعدة عن الساحة السياسية والعمل السياسي، واختاروا «محمد يتيم» أول أمين عام لها، وظل حتى عام 1985م؛ حيث تولى «عبدالإله بنكيران» زمام القيادة للجماعة، واتسمت فترته بالنقد اللاذع لجماعة الإخوان وفكر الشيبية، وأخذ على عاتقه التوجه نحو المزيد من المراجعات التي تساعد جماعته على الانخراط في نسيج الدولة والمصالحة المجتمعية، وتزامن في تلك الفترة نشوء كيانات أخرى صغيرة منشقة عن تيار الشبيبة غير كيان «الجماعة الإسلامية»، لكن «بنكيران» خطا بالجماعة خطوات واسعة، واستطاع جذب الكثير من الشباب وفئات المجتمع المختلفة، وفي عام 1992م قفز مرة أخرى فوق اسم «الجماعة الإسلامية» باسم آخر جديد هو «حركة الإصلاح والتجديد» تواكبًا مع التغير في بنية الجماعة المنهجية والفكرية والتنظيمية، وفي عام 1996م اندمجت الجماعة في جماعة أخرى تتبع الفكرة تقريبًا نفسها، وهي جماعة «رابطة المستقبل الإسلامي" بقيادة الدكتور أحمد الريسوني رئيساً والدكتور أحمد العمارى نائبًا له في كيان جديد اسمه «حركة التوحيد والإصلاح".[14]


والحقيقة أن «رابطة المستقبل الإسلامي» تتكون في الأساس من 3 جماعات هي «جماعة الدعوة» بفاس والتي أسست عام 1976م، وقد تحَفَّظ مؤسسوها منذ البداية على الانضمام أو التعاون مع جماعة الشبيبة، و«الجمعية الإسلامية بالقصر» الكبير بقيادة أحمد الريسوني، وجماعة «الشروق الإسلامية»، وهي جماعة تعود روافدها لحركة الشبيبة الإسلامية؛ إذ هي عبارة عن المجموعة التي كانت متوقفةً في الخلاف الحاصل بين «عبدالكريم مطيع» ومجموعة الشباب الذين اعترضوا على مسيرته، وكوّنوا الجماعة الإسلامية[15].


مراوغات « العدالة

المحور الثاني: كيف وصل الإخوان للسلطة في المغرب 

حاولت الحركة تأسيس حزب رسمي يُعَبِّر عنها فرفضت السلطات المغربية؛ ما جعلها تتوجه للدكتور «عبدالكريم الخطيب» رئيس حزب «الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية»؛ ليعودوا من خلاله للعمل السياسي من خلال مبادرة ووساطة قام بها المصري «صالح أبورقيق»، عضو مكتب الإرشاد، والرجل الثاني في هرم الإخوان بعد حسن البنا، والذي كان نفوذه ظاهرًا في كل القرارات والمحطات التاريخية الإخوانية.[16]

 

فاشترط «عبدالكريم الخطيب» عليهم أن يكون التعاون قائمًا على الحفاظ على الملكية ونبذ العنف والإسلام، ومعروف عن «عبدالكريم الخطيب» أنه هو من ضمن أول من اقترح كون الملك بمثابة أمير المؤمنين وإسلامية الدولة، حينما كان عضوًا بلجنة الدستور الأولى في المغرب بعد الاستقلال، فالرجل كان معروفًا بولائه للقصر الذي مكنه من مكافأة الملك له بتعيينه وزيرًا للشؤون الاجتماعية عام 1960م، ثم أول رئيس للبرلمان المغربي بين عام 1963م: 1965م[17] وافق قادة الحركة، وفي غضون أشهر قليلة حضروا المؤتمر الاستثنائي للحزب، ونتج عن هذا التحالف والاندماج كيان جديد باسم «حزب العدالة والتنمية» عام 1998م. [18]

 

وحينما توفي «عبدالكريم الخطيب» في عام 2008م نعاه مرشد جماعة الإخوان المسلمين السابق «مهدي عاكف» بقوله: إن العالم الإسلامي يفتقد واحدًا من الرعيل الأول للإخوان المسلمين الذي التحق بصفوفهم في فترات مبكرة، وهو الذي شكل خلال الستينيات من القرن الماضي مع كبار قادة الإخوان المسلمين، الدكتور بهاء الدين الأميري والدكتور محمود أبوالسعود عضو الهيئة التأسيسية للإخوان وعضو مكتب الإرشاد في عهد حسن البنا، والدكتور حسن العشماوي، «خلية نشيطة في العمل بالمغرب على التحصين العقائدي والديني للمجتمع المغربي من خلال العطاء الأكاديمي الجامعي كأساتذة بالجامعة المغربية، والأنشطة الدعوية والمحاضرات، والحملات الدعائية في العالم الإسلامي؛ لإسناد الإشعاع الروحي للمغرب بصفته القطر العربي الإسلامي المتفرد باحتضانه للرمزية التاريخية للخلافة الإسلامية، ولتبنيه دستورًّا المرجعية الدينية للنظام السياسي، بإعلانه الملك أميرًا للمؤمنين».



وفي تعاون غير مُعْلَن مع الملك الحسن الثاني الذي كان يحف هؤلاء القيادات بكامل الرعاية والعطف، وكان من أبرز تجليات هذا التعاون ورعاية هذه الدينامية الدعوية، إطلاق قطار الدروس الحسنية الدينية، والتي كان افتتاحها بأول درس ألقاه المرشد العام للإخوان المسلمين بسوريا الشيخ عبدالفتاح أبوغدة في غرة رمضان 1963، وتلاه أيضًا درس مؤسس الإخوان المسلمين بالعراق محمود الصواف، وقد تعاطف الإخوان المسلمون بالعراق وقياداتهم بهذا الإنجاز العظيم بإحداث الدروس الحسنية الرمضانية».[19]

 

خاض الحزب انتخابات عام 2002 وحقق انتصارًا ملحوظًا؛ حيث جاء في الترتيب الثالث، وضاعف وجوده البرلماني 3 مرات، وفي انتخابات 2007م  التشريعية احتل المرتبة الثانية بعد حزب الاستقلال، وفي 20 فبراير 2011، اندلع العديد من المظاهرات في مدن كبيرة؛ استجابةً لدعوة «لإسقاط الديكتاتورية»، بعد تونس ومصر، ليدخل الربيع العربي إلى المملكة.

 

وقد وضح تغيّب «بن كيران» عن الشارع وتأسيس منظمة جديدة متمثّلة في حركة 20 فبراير، والتي تجمع أساسًا عددًا من شباب المدن المُعَادي للحزب الحاكم تفاعل ملك المغرب مع المظاهرات، وأظهر مرونة كبيرة بدت من خلال خطاب 9 مارس 2011؛ حيث رسم خريطة طريق لدستور جديد، اعتمد المشاركة السياسية في الحكم، من خلال تعديلات جديدة، توسع من اختصاصات السلطة التشريعية؛ حيث جعلت البرلمان يصوت على القوانين، ويراقب عمل الحكومة، ويقيم السياسات العمومية، في سابقة لم تحدث في التاريخ السياسي المغربي؛ ما ترك انطباعًا وارتياحًا لدى عموم المغاربة، وفي يوم 1 يوليو 2011 تمت المصادقة على الدستور. 

 

وخاض الحزب الانتخابات التشريعية في نوفمبر 2011م، التي أوصلته للسلطة بفوزه بـ107 من مقاعد البرلمان، وشكّل «حكومة التحالف»؛ لكون الدستور ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي، الذي تصَدَّر انتخابات أعضاء مجلس النواب، ولا يستطيع الحزب أن ينفرد بالحكومة رغم كونه الأعلى من حيث عدد المقاعد، فدخل في مشاورات أدت لتكوين حكومة مكونة من (العدالة والتنمية- حزب الاستقلال- الحركة الشعبية- التقدم والاشتراكية([20]، لم يؤثر تأسيس الحزب على حركة «التوحيد والإصلاح» التي مازالت كما هي دون حلّ، ومن ثم طرأت إشكالية الفصل بين ما هو دعوي وسياسي، وتضاربت التصريحات بين قادة الحركة وقادة العمل السياسي في الحزب تمامًا، كما حدث ويحدث بين أذرع جماعة الإخوان السياسية والدعوية كافة في جميع الأماكن والبلدان الموجودة بها.

 


مراوغات « العدالة

المحور الثالث: الخاتمة والنتائج:

يتمتع المغرب العربي بحكم موقعه الجغرافي بخصوصيته الشديدة بالنسبة للمؤثرات ضمن الإطار العربي والإسلامي، فقد أسهم هذا الموقع على سبيل المثال في تأخر وصول الإسلام إليه، ثم في استقراره فيه، كما ظل المغرب ملاذًا لكل الحركات المعارضة المضطهدة من قبل الدولة المركزية المستقرة في الشام أو العراق في أغلب فترات التاريخ الإسلامي، كما أسهم هذا التميز في صنع حالة خاصة لكل مؤثر يصل إليه ومن هذه المؤثرات ما يطلق عليه جماعة الإخوان المسلمين، الذي بدأ في مصر على يد حسن البنا، ثم انطلق من خلال قسم الاتصال لمعظم الأقطار والبلدان الإسلامية، وقد وصلت هذه الدعوة للمغرب في أواخر عام 1937م، لكنها تعثرت وتأخرت كثيرًا.

 

كان للسلطة الملكية في المغرب أيضًا أثرٌ كبيرٌ في هذه الخصوصية التي منعت ومنحت في الوقت ذاته وجودًا أو عدم وجود في كل حالة من الحالات، كما أنها استطاعت أن تستخدم وتوظف أناسًا قريبين من هذا التيار أو من داخله؛ لتطويعه وتطويقه وتطويره لخدمة تمركزها وبقائها، وعدم خرق شرعيتها، إضافةً للدستور المغربي الذي يجعل الدولة مسلمة، والملك أميرًا للمؤمنين، ومن ثم تجب طاعته، ويحرم الخروج عليه أو عصيانه؛ ما يعطي بعدًا آخرَ يحدّ من قدرة هذه الجماعة على الحركة، ويجعلها كثيرة المناورات، دقيقة الحسابات، بعيدة عن المغامرات والمقامرات.

 

اختلف نمط سير الإخوان في المغرب منذ بدايته؛ إذ امتاز بالتعقيد الذي تداخلت فيه شخصيات الكفاح الوطني ودعاة الاستقلال مع الجماعة والسير في صف الملك، والانفصال عن الجماعة أو التقارب والتباعد في الوقت ذاته، وتظهر خصوصية الجماعة في هذا المضمار بأنها ركزت جهودها أكثر في أن تكون وعاءً ثقافيًّا وفكريًّا تنهل منه هذه الشخصيات التي تظهر في خدمة الجماعة وقت الحاجة لها، وأيضًا اعتمدت الجماعة على البعد الفكري، ويكفي أن نعرفَ أن هناك شبكة هائلة من الجمعيات القانونية المنفصلة تنظيميًّا والمتصلة شبكيًّا وفكريًّا بالجماعة قد تزيد هذه الجمعيات عن 80 جمعية، منها جمعيات نسائية، ويطلقون على هذا التوجه «80 جمعية في جمعية واحدة». 

 

 تعددت بناء على ذلك أشكال وتنظيمات الجماعة، دون أن يمنع كل ذلك خط الجماعة من الاتصال والوصال في أي مرحلة من المراحل التاريخية المختلفة، وقد وضّحت الدراسة علاقة «حزب العدالة والتنمية» بجماعة الإخوان بمنتهى الوضوح، من خلال تسلسل تاريخي واضح. ولم ينقطع هذا التسلسل الذي أثبت بجلاء مدى قدرة هذا التيار على التغير والتلون والتكيف مع البيئة المحيطة به.

 

ما يركز عليه قادة حركة التوحيد والإصلاح في الحقيقة هو التمايز وليس الفصل؛ فهم يرفضون مصطلح الفصل والسعي نحو مزيد من التمايز طالما هناك وحدة في الأهداف والتخصص لا القطع. [21]

 

وفي ضوء كل ذلك يبقى الحكم على ادعاء الحزب الانفصال عن حركة «التوحيد والإصلاح» التي تمثل منهجًا فكريًّا ووجودًا شرعيًّا لجماعة الإخوان في المغرب، لا جديد فيهما غير القدرة الهائلة على الانسلاخ من كل مرحلة من المراحل التي تمثل أزمةً معينةً بخلعها واستبدالها من ناحية الشكل، بتشكيل ووجود جديد بالمضمون الاستراتيجي ذاته، مع تغير ما يلزم من ناحية التكتيك الذي يضمن البقاء والوجود الدائمَين.  

للمزيد: دلالات فك الارتباط الوهمي بين حماس والإخوان


[1] - انظر في الاعتراف بمسؤولية الإخوان عن واقعة الاغتيال وعلم البنا بها رغم إنكاره على سبيل المثال مذكرات محمود الصباغ «حقيقة التنظيم الخاص».

[2] - انظر «مذكرات نصف قرن» للقطب الإخواني توفيق الشاوي ص 11 ط: دار الشروق وانظر أيضًا «تحولات الإخوان» لحسام تمام ط: مكتبة مدبولي.

[3] - انظر «عظماء منسيون» محمد موسى الشريف ص 1926 :1927،ط دار سيبويه للطباعة والنشر والتوزيع.

[4] - انظر «عائشة الخطابي» لقاء تليفزيوني برنامج «كرسي الاعتراف»  ويمكن رؤيته على شبكة فلسطين للحوار على الرابط التالي:

https://www.paldf.net/forum/showthread.php?t=469694

[5] - انظر «الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية الحديثة» للدكتور إسحاق موسى الحسيني ص 136: 137 ط: دار بيروت للطباعة والنشر، الطبعة الأولى لسنة 1952م .

 

[6] - انظر «علال الفاسي٬ راعي الحركة الإسلامية بالمغرب » مقال لعبدالله لعماري عضو الأمانة العامة لحزب النهضة والفضيلة، ويمكن رؤيته على الرابط التالي: 

https://www.maghress.com/andaluspress/64753

 

[7] - انظر «الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية الحديثة» للدكتور إسحاق موسى الحسيني ص 136: 137 ط: دار بيروت للطباعة والنشر الطبعة الأولى لسنة 1952م .

[8] -انظر عبدالله لعماري عضو الأمانة العامة لحزب النهضة والفضيلة «علال الفاسي٬ راعي الحركة الإسلامية بالمغرب »

 

[9] - انظر المرجع  السابق

[10] - السابق

[11] - انظر«الإسلاميون وقضايا الدولة والمواطنة» ج1 ط: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الطبعة الأولى سنة 2016م ، وانظر « تاريخ الإخوان في شمال أفريقيا»، وانظر أيضًا: «قراءة تاريخية في ميلاد حزب العدالة والتنمية المغربي» عبدالله لعماري مجلة المجتمع.

 

[12] - انظر«عشر سنوات من التوحيد والإصلاح» ص 11: 12 ط: طوب بريس- الرباط – المغرب لسنة 2006م. 

[13] - انظر «قراءة تاريخية في ميلاد حزب العدالة والتنمية المغربي» عبدالله لعماري ويمكن رؤيته على الرابط التالي:

http://mugtama.com/articles/item/32349-2016-04-07-16-42-33.html

[14] - انظر «أمريكا وحركات الإسلام السياسي» أيمن محمود السيسي ص 53 ط: دار العربي.

[15] - انظر «عشر سنوات من التوحيد والإصلاح» ص 14 ط: طوب بريس- الرباط – المغرب لسنة 2006م. 

[16]  - انظر « هل كان الدكتور عبدالكريم الخطيب واحدًا من الإخوان المسلمين؟» د عبدالله لعماري

https://www.hespress.com/writers/60865.html

[17] - انظر أيضًا « عبدالكريم الخطيب: مناضل حتى الرمق الأخير» ويمكن رؤيته على الرابط التالي:

https://www.maghress.com/attajdid/44295

[18] - انظر في ذلك «حزب العدالة والتنمية النشأة والتطور» على موقع الحزب:http://pjd.ma/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B4%D8%A3%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D9%88%D8%B1

[19] - انظر « هل كان الدكتور عبدالكريم الخطيب واحدًا من الإخوان المسلمين؟» د عبدالله لعماري

https://www.hespress.com/writers/60865.html

 

[20] - انظر «حزب العدالة والتنمية المغربي والمشاركة السياسية» نورالدين قربال

https://www.hespress.com/writers/93243.html

[21] - انظر «قراءة واقعية للتجربة المغربية في العلاقة بين الجماعة والحزب» لمحمد الحملاوي رئيس حركة التوحيد والإصلاح في المغرب ص 55: 64 ط: دار الكلمة للنشر والتوزيع بالقاهرة لسنة 2012م.   

 


"