يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

ماهر فرغلي يكتب: هل حركة «النهضة» إخوان مسلمون؟

الإثنين 29/أكتوبر/2018 - 06:06 م
المرجع
ماهر فرغلي
طباعة

التحولات الفكرية والعقدية التي أصابت مُجمل الإسلاميين عمومًا، عقب ثورات الربيع العربي كثيرة للغاية، لكنَّ الإخوان كأكبر هذه الجماعات أصابت منها الأغلب، من التحولات العقدية والفكرية، وهذا ما أكدته مجموعة من الدراسات، ومنها دراسة لكمال حبيب، أحد قادة الجهاد السابقين، التي أثبت فيها أن حركة «النهضة» في تونس تختلف عقديًّا وفكريًّا عن جماعة الإخوان.

ماهر فرغلي يكتب:
تقول الدراسة: إن الطابع الديني العقدي لحركة الإخوان المسلمين جعلها تنظر لنفسها باعتبارها «جماعة المسلمين»، وأنها هي الجماعة الحاملة للحق، وأنها المقصودة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه»، ومن ثم ضرورة تقديم الولاء والبيعة إليها، وإن لم تصرح بذلك، وهنا ما يوضحه سعيد حوى في كتابه «المدخل لجماعة المسلمين»، وكتابه «دروس في العمل الإسلامي»؛ حيث يتحدث عن مجموع مواصفات جماعة المسلمين، ويحاول أن يُثبت أنها موجودة في جماعة الإخوان، ويحدد 7 نقاط تتصف بها جماعة المسلمين، فيقول: الأدلة كلها تدل على أن هذه الجماعة «الإخوان» هي أقرب الجماعات على الإطلاق لأن تكون جماعة المسلمين، والمسلمون ليس أمامهم إلا فكر الأستاذ البنا، إذا ما أرادوا الانطلاق الصحيح.

يمضي «حوى» إلى القول: «هل رأى أحد في هذه الأمة رجلًا كحسن البنا؟ وهل رأى الجيل الحاضر رجلًا أصلب من حسن الهضيبي؟ وإن لخليفة الاثنين في أعناقنا لبيعة».
ماهر فرغلي يكتب:
الأمر مختلف بالنسبة لحركة النهضة، كما يعبِّر راشد الغنوشي في كتاب «حركة الاتجاه الإسلامي في تونس.. بحوث في معالم الحركة مع تحليل ونقد ذاتي»، بعنوان «تحليل للعناصر المكونة للظاهرة الإسلامية بتونس.. حركة الاتجاه أنصبة متفاوتة الإسلامية»، حيث قال: «الحركة ثمرة تمازج وتفاعل لعناصر ثلاثة، أثمر تفاعلها واشتراكها تكوين الظاهرة بدرجات وأنصبة متفاوتة، ولم يكن تفاعلها يسيرًا ولا تأثير كل منها مساويًا دائمًا لتأثير الآخر، بل كان مركز الثقل متنقلًا بينها من مرحلة لأخرى، وكان الصراع الظاهر أو الخفي بينها قائم دائمًا بوعي، أو بغير وعي».

العناصر كما شرحها «الغنوشي» تشير إلى أمور عدة، الأول: التدين التقليدي التونسي، ويشمل المذهب المالكي والعقائد الأشعرية والتربية الصوفية، والثاني التديّن السلفي الإخواني الوارد من المشرق، والتدين العقلاني الذي اكتسحته موجة التدين السلفي الإخواني العاتية، فسار في طريقها فترة، لكن لم يلبث أن توقف متحيرًا متسائلًا باحثًا عن نفسه حتى اكتشفها على مراحل، ويتمثل في: النقد الجذري للإخوان باعتبارهم أكبر عائق في طريق النهوض الإسلامي، واعتماد الفهم المقاصدي للإسلام، وإعادة الاعتبار للغرب والفكر اليساري، كذلك عدم اعتماد المعايير الإخوانية ذات الطابع العقدي في تقسيم الناس إلى مؤمن وكافر، وإنما يكون التقسيم على أسس سياسية واجتماعية وطني، وخائن، وثوري، ورجعي، وفلاح، وإقطاعي، وإعادة الاعتبار للمدرسة الإصلاحية في تونس (مدرسة خير الدين التونسي، والطاهر الحداد)، وأخيرًا الدفاع عن المنهج الاعتزالي في التعامل مع الإسلام، وتيارات المعارضة في التاريخ الإسلامي المناوئة للسلفية والسُّنية.

تتشابه النهضة مع إخوان مصر، في موضوع العلنية والسرية في العمل، فلم يكن العبء الإخواني ممثلًا فقط في النصوص المؤسسة، وإنما تَمَثّل كذلك في الحمولة التاريخية التي حملتها الجماعة منذ أن أسس «البنا» ما يُسمى بـ«التنظيم الخاص» عام 1940، ورسخ فيها مفهومًا خاصًّا للبيعة، وأصبحت الجماعة ذات تكوين مزدوج أحدهما علني والآخر سري، وظلت هذه الازدواجية في القرار بين ما هو سري وما هو علني لدى النهضة أيضًا؛ ما دفع بعض كبار مؤسسيها لتعليق عضويتهم بها، كما هو الحال مع عبدالفتاح مورو، الرجل الثاني في الحركة.
ماهر فرغلي يكتب:
الاختلاف الأهم، هو أن النهضة لم تدرج في برنامجها الانتخابي قضية الشريعة الإسلامية، كما قبلت الفصل الأول من الدستور التونسي الذي تم إقراره عام 1959، والذي ينص على أن تونس دولة حرة مستقلة لغتها العربية ودينها الإسلام.

رأى «الغنوشي» أن المجتمع التونسي مجمع على ذلك القدر من الدستور التونسي، بينما إثارة موضوع الشريعة ستؤدي إلى تقسيمه لمعسكرين، واحد مع الشريعة، وآخر ضدها، وأنه مع تغليب الوحدة على الانقسام، كما أن الشريعة وتطبيقاتها في بعض البلدان العربية جعلها موضعًا للالتباس، فهي تستخدم ضد الحقوق والحريات وضد المرأة وضد الفنون وضد غير المسلمين، كما أن قسمًا من المجتمع التونسي قد يكون متوجسًا من الشريعة، وهو ما يجعلنا لا نرغب في وضع جزء من المجتمع خارج الشريعة، أو في مواجهتها؛ لأن لديه أسئلة حولها.

يرى «الغنوشي» أن مقاصد الشريعة التي تهدف إلى حرية الناس هي ما يطالب بها حزبه، كما أنه لا يرى الشريعة عقوبات، وذهب «عبدالفتاح مورو» إلى أن بناء الدولة مقدم على تطبيق الشريعة، التي لا يملك من يرفعونها تصورًا واضحًا عن كيفية تطبيقها، وانتقد رفع التيارات الإسلامية لشعار «الإسلام هو الحل» دون تقديم برامج تترجم هذا الشعار إلى واقع.

لا يتحدث الرجلان عن دولة إسلامية، إنما يتحدثون عن دولة ديمقراطية، السلطة فيها للشعب، وهو من يختار ممثليه، ولا يفرض عليه شيء لا يريده، كما أن الغنوشي يقدم تصورًا عن العلمانية يقبل فيه بالعلمانية الجزئية التي تجعل من الدولة جهازًا محايدًا تجاه كل مواطنيها، فهو يريد تحرير الدين من الدولة بحيث لا تتحدث باسمه، كما أنه يرى التمييز بين ما هو ديني وما هو سياسي.
ماهر فرغلي يكتب:
ختامًا لم يكن للحركتين دور فاعل ومؤثر في تفجير الثورتين التونسية أو المصرية، بل شاركا فيها بعد أن فجرها بشكل عفوي شباب البلدين، وأسست الأولى حزبًا سمّته الحرية والعدالة، والثانية حزبًا سمّته حزب حركة النهضة، وسعت كل من الحركتين أن يكون لهما مركز الثقل في النظام السياسي، بَيْدَ أنهما افترقا في تحقيق ذلك، ويرجع لما افترضناه من وجود طبيعة مختلفة لكلا الحركتين، فحركة الإخوان ذات طبيعة عقدية دينية يسيطر على قرارها السياسي مجموعة من التنظيميين الذين ينتمون إلى تيار سيد قطب، صاحب الطبيعة الأيديولوجية المجاوزة للواقع، التي تدعو لتنظيم قوي يحقق التمكين بامتلاك السلطة والسيطرة على الدولة كسبيل نحو تحقيق الدولة الإسلامية، ثم الخلافة الإسلامية، وأستاذية العالم، بينما حركة النهضة لها جوهر سياسي، وليس عقديًّا، وتديّنها تديّن مربك، فهو لا يقسم الناس إلى كافر ومؤمن، وإنما يقسمهم وفق توجهاتهم الفكرية ومذاهبهم السياسية «ليبرالي- يساري- علماني- إسلامي».

إن تحولات النهضة، لا تشير بشكل من الأشكال إلى انفصالها عن الإخوان، لكنها تشير إلى تغيرات التيار، وفشل مشروع الإسلام السياسي، وهذه هي الجملة التي أطلقها القيادي بحركة النهضة الإخوانية بتونس، جلال الورغي، أو بتعبير نائب رئيس الحركة عبدالفتاح مورو فشل مشروع الإسلام هو الحل، وفق قوله: إن شعار «الإسلام هو الحل» شعار فارغ، درج على ألسنة الشعوب وعلى ألسنة قادة الحركات الإسلامية من دون وعي بمضامينه، ولم يقدم لنا تفاصيل القضايا والبدائل، مشيرًا إلى أن القضية الواقعية ليست تقويض الأنظمة بالقوة، بل هي الحرية للمواطنين، وهو ما جعلنا نميل ميلة واحدة إلى أن اقترب أنفنا من الحائط، ولم يبق سوى أصابع قليلة قبل أن يتحطم وجهنا.
"