يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

بعد اكتوائها بنار الإرهاب.. بريطانيا تعيد النظر في سياستها الاحتوائية

الأربعاء 26/سبتمبر/2018 - 04:46 م
المرجع
مصطفى صلاح
طباعة
تجرعتْ بريطانيا مرارة الإرهاب، جراء العديد من العمليات الإرهابيَّة التي نُفذتْ على أراضيها، وتحديدًا خلال عام 2017، ومنها على سبيل المثال عملية دَهس للمارة على جسر وستمنستر، وتفجير قاعة حفلات في مدينة مانشيستر، وقيام سائق شاحنة بعملية دَهس للمارة على جسر لندن، وأخيرًا انفجار عبوة ناسفة في محطة مترو لندن أصابت أكثر من 29 شخصًا.

بعد اكتوائها بنار
وعلى مدار فترات طويلة، كانت بريطانيا حاضنة ووجهة العديد من رموز التيارات السلفية الجهاديَّة ورموز الحركات الإسلاميَّة، بل كانت أحيانًا تمثل الملاذ الآمن لقيادات تلك الجماعات، وكما استضافت العديد من الشخصيات التي تمثل مرجعيات فكريَّة للتوجهات الدينيَّة المتطرفة، وكان لهم تأثيرٌ فعالٌ على خريطة العمل الجهادي المُسلح.

وجاءتْ لحظة الاستفاقة، واستوعبت الحكومة البريطانية، مؤخرًا، خطورة هذا الوجود على أراضيها، فبدأت تعيد النظر في سياستها الاحتوائية لكل الأفكار والأيديولوجيات تحت مظلة المدنية والديمقراطية وحرية الرأي، ففي تصريح إيجابي في 22 ديسمبر2017، أعلنت إدراج حركتي «حسم» و«لواء الثورة»- اللتين خرجتا من رحم جماعة الإخوان، وسبق أن أعلنتا تبنيهما عددًا من العمليات الإرهابية في مصر -على قائمة التنظيمات الإرهابية، وذلك كجزءٍ من جهود بريطانيا المتواصلة لتعزيز استجابتها لمجابهة الإرهاب الدولي. 

وعززتْ ذلك أيضًا فى مصر بإعلان سفيرها «جون كاسن» أن بريطانيا ومصر، ستزيدان جهودهما لمواجهة التنظيمات الإرهابيَّة واستئصال الإيديولوجيات المتطرفة، ودشنت في هذا الإطار حملة تحت اسم «حظر نشاط الإخوان في بريطانيا»، في أكتوبر 2017، أعلن فيها «دان لارج»، مسؤول الحملة أنها تهدف لمنع عناصر الإخوان من مزاولة أنشطتهم في بريطانيا، نظرًا لاعتماد الجماعة على العنف في تحقيق أهدافها، بشكل يتعارض مع قيم المجتمع البريطاني.

والإرهاب في بريطانيا لم تقتصر عملياته على المواطنين الأبرياء فقط، بل امتد ليشمل محاولة اغتيال قادة بريطانيين، ففي السادس من ديسمبر 2017، أعلنت الشرطة البريطانية إلقاء القبض على اثنين، هما: نعيم الرحمن زكريا، ومحمد عاقب عمران وإحباط محاولة لاغتيال رئيسة الوزراء تريزا ماي في مقر الحكومة «داونينج ستريت» بالعاصمة لندن، وكشفت الشرطة أنهما حاولا استخدام قنبلة على هيئة حقيبة لنسف بوابات داونينج ستريت، ثم طعن تيريزا ماي بسكاكين.
بعد اكتوائها بنار
«الذئاب المنفردة» في بريطانيا
برزت إلى الساحة ظاهرة تسمى «الذئاب المنفردة»، وهي مجموعات صغيرة من الأفراد يخططون لعمليات على الأراضي البريطانية، وأصبحت تلقى رواجًا وقبولًا لدى الجماعات المتطرفة التي لا تشتملها الملاحقات الأمنيَّة هناك، وهذه الاستراتيجية ظهرت مع بدايات تنظيم القاعدة في أواخر الثمانينيات، وتطورت في آلياتها بالمجتمعات الغربية، مما فتح الباب للتساؤل حول الأسباب، التي تجعل واحدة من كبرى الدول الأوروبية عرضةً لمثل هذه الهجمات.

ويفسر ريتشار باريت، الرئيس السابق للمخابرات البريطانية، في دراسة له عن «الإرهابيين الجدد»، بأن المهاجرين هم أكثر المنفذين لمثل هذه الجرائم خاصة أنهم يشعرون بحالة الاغتراب الاجتماعي.

وقالت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية في 2015 ، إن هناك وجودًا لشبكات من المتطرفين تتخذ من بريطانيا مركزًا للتطرف، ومن بينها حركة المجاهدين؛ وهي جماعة أُنشئتْ على يد «عمر بكري محمد»، وهو سوري الجنسية في عام 1986، ومن أبرز زعمائها الداعية المتطرف «أنجم شودري» في بريطانيا، وتتبنى فكرة تطبيق الشريعة الإسلاميَّة في بريطانيا، وإقامة دولة الخلافة.

كانت الحكومة البريطانية تتجاهل في السابق أنشطة جماعة الإخوان، حتى فترة قريبة؛ حيث يوجد في بريطانيا العديد من المنظمات والجمعيات التي في أغلبها امتداد لجماعة الإخوان، ولهذا فتيار الإسلام الحركي، يُمثل خطرًا متعاظمًا على المجتمعات؛ حيث تتبنى هذه الجماعات، ما يسمح لها من القبول المجتمعي تحت شعارات مدنية وديمقراطية، ولكنها تحمل في جذورها الأفكار المتطرفة والمتشددة، لأنها تخلق جيلًا منغلقًا على أفكاره.

وتزايد الشعور بالخوف، خاصةً في ما يتعلق بفكرة سيطرة أنصار هذه التيارات الحركية على المنابر الأخرى الأكثر اعتدالًا، ولعل هذا التخوف يأتي نتيجة زيادة نشاطات هذه الجماعة، ما جعل هذا نقطة تحول في الاستراتيجية البريطانية تجاه جماعة الإخوان، بعد التقرير الذي تم إعداده في ديسمبر 2015، بناءً على تكليف من رئيس الوزراء البريطاني السابق، ديفيد كاميرون، والذي عُرف باسم «مراجعة أنشطة الإخوان المسلمين»؛ حيث أشار إلى أن جانبًا من جماعة الإخوان، لديه علاقات مشبوهة مع التطرف العنيف، فأيديولوجيا الجماعة وهيكلها التنظيمي، وفقًا للتقرير، بمثابة «طقس عبور» للأفراد والجماعات التي انخرطت في عمليات عنف وإرهاب.

وليس خافيًا ولا سرًا أن أسماء مثل «مصطفى كمال مصطفى»، المكني بـ«أبوحمزة المصري»، و«أنجم تشودرى»، و«عمر محمود عثمان»، المكني بـ«أبو قتادة الفلسطيني»، قد ارتبطت بالعديد من العمليات الإرهابية المسلحة في بريطانيا، بل وشجعت على المزيد منها، فضلًا عن دعمهم تنظيم «داعش»، بقدرتهم على الحشد التنظيمي والتعبئة لهذه العمليات. 

ويوجد في بريطانيا العديد من الأحزاب الإسلاميَّة المتشددة، التي تستغل الوضع القانوني للتوغل داخل المجتمع الأوروبي، مثل «حزب التحرير الإسلامي»، الذي يتبنى أفكارًا متشددة، تتمحور حول إعادة الخلافة الإسلاميَّة، وعلى الرغم من ذلك لم تتخذ الحكومة البريطانية الإجراءات المناسبة للسيطرة على هذا الحزب، بل اكتفت بمراقبته، بينما دول منها: روسيا وألمانيا حظرته نهائيًّا.

ومن هذه النماذج التي حصلت على حق اللجوء السياسي لبريطانيا، الجهادي المصري، هاني السباعي، الذي يُعد واحدًا من أهم العناصر المرتبطة بقادة السلفيَّة الجهاديَّة في تنظيم «القاعدة»، والجهاد الإسلامي العالمي؛ حيث إنه يشغل منصب مدير «مركز المقريزي للدراسات التاريخيَّة» في لندن، وحامت حوله الكثير من الشبهات في التعامل مع العناصر التكفيرية المسلحة، دون أي ملاحقة أمنيَّة أو قضائيَّة.

وأثرت التشكيلات المتنوعة من التيارات الإسلاميَّة الموجودة بصنوفها المختلفة على أراضي بريطانيا، تأثيرًا سلبيًا، في خلق جيل جديد من البريطانيين اعتنقوا الإسلام، وينتهجون الآن نهجًا متطرفًا عنيفًا يحمل جينات الإرهاب.

لهذا فالاستراتيجية البريطانية الجديدة تجاه الإرهاب، تحتاج للدعم القانوني لمواجهة أنشطة هذه الجماعات التي تتخذ من الجمعيات الخيريَّة، والمنظمات الحقوقية مدخلًا للحشد والتعبئة.
"