يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

صوفية العراق تستدعي منهج «الجنيد» لتصويب أوضاعها

الأربعاء 29/أغسطس/2018 - 06:23 م
المرجع
سارة رشاد
طباعة
للعراق وجه آخر، غير ذلك المزدحم بـ«داعش» وأعوانه، فالدولة التي يعاني مشهدها الديني من ارتباك سبّبه الحضور اللافت للتنظيم الإرهابي، مازالت تحتفظ بوجهها الصوفي، ويبدو ذلك من فعاليات صوفية مازالت تشهدها المحافظات العراقية، آخرها ملتقى عن الإمام الصوفي أبو القاسم الجنيد، سيقام بمقام الإمام ببغداد، السبت القادم.

وتحت عبارة «تصوف الإمام الجنيد مقارنة بالتصوف الحالي»، حدد المجمع الأعلى للتصوف في العراق (كيان صوفي تأسس في 2016)، عنوان الملتقى، مشيرًا في بيان صادر عنه إلى أن الغرض توضيح الفروق بين منهج الإمام الجنيد وحال التصوف الراهن، ومن ثم الوقوف على أوجه القصور والعودة إلى المنهج الصوفي السليم. 

صوفية العراق تستدعي
«المرجع» تواصل مع المتحدث الإعلامي باسم المجمع، صهيب الراوي، الذي قال إن الملتقى «يبحث عن التصوف الأصيل وعن منبع التصوف الصافي الذي لا شائبة فيه»، وأضاف: «الإمام الجنيد نموذجٌ لهذا التصوف، ولا ننكر أن التصوف الحالي قد دخله بعض الشوائب، سواء عن قصد أو غير ذلك».

وتابع إن ثمة فروقًا بين التصوف الراهن وتصوف الأوائل، موضحًا أنه في الماضي كانت هناك همّة ورغبة صادقة في طلب العلم، عكس اليوم فيسيطر على المشهد كثرة الكلام دون الفعل والانشغال بالغيبيات والجهل.

ولفت إلى أن لدى القائمين على التصوف في العراق رغبة حقيقية في تعديل مسار الصوفية، مشيرًا إلى أن العودة إلى سير أئمة التصوف مثل الإمام الجنيد، قد تكون بها فرصة لإقامة ثورة حقيقية داخل المنهج الصوفي، ومن ثم تحجيم «الفكر المتطرف الدخيل على المجتمع العراقي»، بحسب كلامه.

وإن كان العراق منشغلا منذ محاصرته لنفوذ تنظيم «داعش»، نهاية العام الماضي، بالبحث عن سبل تساعده في المواجهة الفكرية للمتطرفين، وبما أن منهج الإمام الجنيد كان أحد هذه السبل التي لجؤوا إليها في هذا السياق، فمن هو الجنيد؟

صوفية العراق تستدعي
صوفي قّدم العقل على الاستغراق في الروح

يعتبر الإمام الجنيد أحد أهم المحطات، التي يلجأ إليها المتصوفة الحاليون، كلما وجدوا أنفسهم محاصرين باتهامات السلفية لهم بالبدع والتفريط، ومبررهم في ذلك هو المنهج الذي حمله الإمام الجنيد، وجعل حتى ابن تيمية، الذي تأخذ منه السلفية، وأحد أشرس المهاجمين للصوفية، يثني عليه. 

وفي كتابه «مجموع الفتاوي»، كتب ابن تيمية شهادته، فقال: «كان الجنيد رضي الله عنه سيِّدُ الطائفة إمامَ الهدى... والجنيدُ وأمثالُه أئمَّةُ هدًى»، ولا تعتبر هذه هي الشهادة الوحيدة في حق «الجنيد» التي أشادت به من قبل أئمة غير متصوفة، فبخلاف ابن تيمية جاء ابن القيم، وابن كثير، والإمام الذهبي والنووي.

وبما أن ثناء مثل هذه الأسماء على إمام صوفي، يعتبر أمرًا لافتًا، فما هو منهج هذا الإمام الذي جعل هؤلاء يرضون عنه؟

في دراسة ماجستير مقدمة بجامعة «أم القرى» كلية الدعوة وأصول الدين، عام 2008، من الباحثة نوال بنت عبدالسلام، ذهبت إلى أن منهج الإمام الجنيد اعتمد أولًا على العقل، حتى ينسب لأبي جعفر الحداد، عالم شافعي مصري قوله: «لو كان العقل رجلا لكان الجنيد».

ويقال إن الجنيد كان يرى أن اليقظة أفضل عند الله من الاستغراق في الأمور الروحانية، وهو عكس ما يعرف عن الصوفية، إذ يظل الصوفي يختبر روحه ويهذبها حتى تغيب عن الوعي وترتقي إلى السماء.

ورغم ذلك ينسب للجنيد أنه قال إن الله يعرف بالعقل، لا بتغيب الوعي، وإلى جانب ذلك يشترط الإمام التمسك بالكتاب والسنة، فينسب له قول: «الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول».

ولهذا السبب يعتمد الأزهر منهج الجنيد، إذ قال شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، في تعريفه لأهل السنة والجماعة، في المؤتمر المثير للجدل الذي أُقيم نهاية أغسطس 2016، بالشيشان:«أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد، وأهل المذاهب الأربعة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علمًا وأخلاقًا وتزكية، على طريقة سيد الطائفة الإمام الجنيد، ومن سار على نهجه من أئمة الهدى الماضي». 

كما زار «الطيب» مدرسة صوفية، مايو الماضي، بسنغافورة، أغلب مدرسيها من خريجي الأزهر، وتدعى «مدرسة الجنيد الإسلامية». 

ويشار إلى أن «الجنيد» هو خلفية أساسية لكل الطرق الصوفية القائمة حاليًا، سواء في المنطقة العربية أو على مستوى العالم، إذ ترتبط به الطرق كافة بشكل أو بآخر. 

وتأتي الطريقة الخلوتية والنقشبندية، كمرحلة لاحقة على الجنيد، لتبدأ بعدهما مرحلة متقدمة، وهي مرحلة الأقطاب الأربعة للصوفية، وهم: أحمد الرفاعي، عبدالقادر الجيلاني، أحمد البدوي، وإبراهيم الدسوقي.

والإمام الصوفي هو أبوالقاسم الجنيد، من أصل فارسي، لكنه ولد ببغداد حوالي عام 836 ميلاديًا؛ فعرف بالبغدادي، كما سمي بالنهاوند لانحدار والده من بلدة نهاوند، فيما يعرف أيضًا بالقواريري، لعمل والده بمهنة صناعة الزجاج.

ولم تتوافر تراجم كثيرة لنشأته أو تاريخ والده أو جدوده، إذ ركزت أغلب السير المنقولة عنه، كونه إمامًا استثنائيًّا للصوفية، فسمي لديهم بـ«سيد الطائفة، شيخ الصوفية، إمام أهل الخرقة، تاج العارفين، وطاووس العلماء». 

وعاش في عهد الدولة العباسية، تحديدًا في الوقت الذي سيطر فيه الفكر المعتزلي، ورغم كونه عمد إلى تقديم العقل، كما يفعل المعتزلة إلا إنه اختلف معهم، مطالبهم بوقف الاعتقاد بخلق القرآن (فتنة فكرية شهدتها الدولة العباسية وفجرها المعتزلة).

مات الإمام في بغداد عام 910 ميلاديًا، بعدما ترك رؤية صوفية معتدلة، أخذها عنه أهل العراق والمغرب العربي على وجه الخصوص.
"