يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

مأزق الخلافات الأيديولوجية: المستقبل السياسي لإخوان المغرب بعد المؤتمر السادس

الجمعة 17/أغسطس/2018 - 06:12 م
المرجع
محمود جمال عبد العال
طباعة
عقدت حركة «التوحيد والإصلاح» (الذراع الدعوية لحزب العدالة والتنمية في المغرب)، مؤتمرها السادس في مطلع أغسطس من هذا العام. وهيمن على أعمال المؤتمر نقاشات حادة تتعلق باتجاه الحركة للفصل بين الدعوي والسياسي في أنشطة الإخوان بالمغرب؛ جدير بالذكر الإشارة إلى أن المنطقة العربية تشهد تراجعًا حادًا في شعبية الإخوان ووجودهم السياسي منذ 30 يونيو 2013 الذي شهد الإطاحة بحكم الإخوان (الحركة الأم) من مصر.

على الرغم من الوحدة الفكرية التي تغلب على تنظيمات الإخوان فإن الإخوان في المغرب يقدمون تجربة تتمايز إلى حدٍ كبير عن تجربة أهل المشرق؛ حيث يتسم سلوك الإخوان في المغرب بالمرونة وعدم الصدام سواءً في التعاطي مع المؤسسة الملكية (المخزن) أو القضايا والمسائل التي تتعلق بالهوية، وهو ما مكنّهم من الاحتفاظ برئاسة الحكومة منذ الإصلاحات الدستورية التي تلت حِراك فبراير 2011.

حاولت الحركة في هذا المؤتمر تجديد هياكلها التنظيمية، وتأكيد مبدأ الفصل بين سلطتي الحزب والحركة، وذلك لتجاوز الإخفاقات التي مرت بها تجربة الإسلام السياسي في المغرب خلال ترؤس «حزب العدالة والتنمية» للحكومة للمرة الثانية على التوالي. 


مأزق الخلافات الأيديولوجية:
مسألة الهوية في أجندة المؤتمر السادس للحركة

ساهم السياق السياسي والجغرافي في تمايز التجربة المغربية في خياراتها الدعائية والتنظيمية عن تجربة الإسلام السياسي المشرقية، وتستند التحليلات في ذلك على عدم تمسك المغاربة بالشعارات التي رفعها الإخوان في المشرق مثل شعارات «الإسلام هو الحل»، أو «شمولية الإسلام»، أو «وجوب إقامة الدولة الإسلامية». من ناحيةٍ أخرى، سعى التنظيم في المغرب لبناء علاقة مع الملك لا تستند على التنافس والتصارع بقدر ما تستند على المرونة والتكيف، وهو ما انعكس على المراجعات الفكرية التي يمكن وسمها بالتقدمية إذا ما تم مقارنتها بأفكار الحركة الأم في مصر. 

وأعلى البيان الختامي للحركة من قيمة الوسطية والتجديد؛ حيث أكدت الحركة في بيانها الختامي أهمية أن تواصل إسهاماتها فيما أطلقوا عليه «ترشيد التدين» إلى جانب استمرار نهجها الإصلاحي في تعزيز مكانة الوسطية لمواجهة التحديات الفكرية والأيديولوجية التي تهيمن على الفكر العربي والإسلامي في الوقت الحالي(1).

حاول المؤتمر السادس للحركة إبراز الخط الفاصل بين الحركة والحزب، وبرز ذلك في تعيينات الحركة؛ حيث قصد الحاضرون إبعاد العناصر المحسوبة على حزب العدالة والتنمية عن تعيينات الحركة، وهو ما يُعد بداية حقيقية لوضع خطوط فاصلة بين السياسي والدعوي خلال الفترة القادمة. وخلت لائحة أعضاء المكتب التنفيذي للحركة من أي اسم من وزراء حزب العدالة والتنمية أو أعضاء الأمانة الحاليين. واكتفت الحركة بتركيز جهودها على الجوانب التربوية والدعوية بعيدًا عن الشؤون السياسية(2).

ورغم ما قدَّمه البيان الختامي للجمع العام السادس للحركة من انفتاح ومرونة، وفتحٍ لآفاق الحوار مع مختلف الفاعلين في المغرب، وتأكيده كذلك على أهمية التمييز بين ما هو ديني وما هو سياسي إلا أنه يتنافى مع أفعال الحركة وذراعها السياسية «حزب العدالة والتنمية» فعليًا الذي يستدعي جوانبه الدينية والروحية، وصبغته الإسلامية في مراحل الانتخابات، وذلك لكسب مزيد من التأييد. من ناحية أخرى، يُبرز تركيز الحركة جهودها على عملية التربية سؤالًا جوهريًّا حول العلاقة بين أشبال الحركة الذين تربوا على مبادئها، وهل سيتم إعدادهم للدخول إلى الحزب مستقبلًا أم سيكون الحزب مسئولًا عن عملية الثقيف وتجنيد الأعضاء. 


مأزق الخلافات الأيديولوجية:
دوافع استبعاد قيادات الحزب من المكتب التنفيذي للحركة
يُعتبر استبعاد حركة التوحيد والإصلاح لقيادات حزب «العدالة والتنمية» من عضوية مكتبها التنفيذي، وحرصها كذلك على عدم إبرازهم إعلاميًا في المؤتمر مثلما حدث مع "عبد الإله بن كيران" رئيس الحكومة السابق الذي جلس في المقاعد الخلفية في المؤتمر، ناتج بالأساس من تراجع الأداء وضعف الشعبية التي جناها الحزب خلال الفترة السابقة نتيجة سياساته الخاطئة التي أغضبت الشارع المغربي، ويُستدل في ذلك بحراك مناطق شمال المغرب الذي قام برفع شعارات ذات طبيعة اجتماعية واقتصادية.

ويتجه هذه التحليل إلى ما هو أبعد من اختيار القيادات؛ حيث يرى أن اتجاه الحركة للفصل بين ما هو دعوي، وما هو سياسي يرتبط بأسباب تتعلق بتجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم، فلم تعد الحركة تحتمل أو تستوعب إخفاقات الحزب المتتالية في ترأسه للحكومة، وكذلك الانقسامات والخلافات الداخلية التي يعاني منها، وما قد ينتج عنها من خلافات فكرية وأيديولوجية قد تمتد بطريقة أو بأخرى لشق صف الحركة تنظيميًّا وأيديولوجيًّا. 


مأزق الخلافات الأيديولوجية:
دعوة الحركات الإسلامية للمؤتمر.. هل للملك أم للتنظيم الدولي للإخوان؟!
تثير الشكوك والتفسيرات حول الهدف الذي دفع قيادات الحركة لدعوة ممثلين عن الحركات الإسلامية في أفريقيا وفرنسا لحضور أعمال المؤتمر السادس للحركة؛ حيث يرى البعض أن سياسة الحركة لدعوة قيادات حركات إسلامية من أفريقيا تنبثق أساسًا من اتباع الحركة لسياسة الملك «محمد السادس» الذي يسعى للتقارب مع أفريقيا(3)، فيما يمكن اعتبار أن دعوة قيادات الحركات الإسلامية من دولٍ متفرقة يعود بالأساس لسعي الإخوان في المغرب لإعادة تنشيط دور التنظيم الدولي للإخوان الذي تراجع دوره، ووجوده بعد 30 يونيو في مصر التي شهدت عزل تنظيم الإخوان ومطاردة عناصره بتهم الإرهاب.

يستند الرأي الأول (مجاراة السياسة الأفريقية للمؤسسة الملكية) على مغازلة البيان الختامي للمؤتمر للملك «محمد السادس»؛ حيث أكدوا احترام سلطته في المغرب كمكون تاريخي للمجتمع المغربي. وفي هذا الصدد، حاول أعضاء الحركة مجاراة طموحات ونظرة الملك «محمد السادس» لأفريقيا؛ إذ قاموا بدعوة حركات إسلامية من 11 دولة أفريقية إلى مؤتمرهم، ومن أبرز الحضور «عصام الدين أحمد البشير» مسؤول التخطيط في التنظيم الدولي للإخوان ووزير الأوقاف السوداني السابق، والشيخ «محمد الأمين» رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بجامبيا، و«عبد الرزاق قسوم» رئيس جمعية العلماء المسلمين بالجزائر، وعضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يرأسه الشيخ "يوسف القرضاوي" في قطر، و"عبد الرزاق المقرى" رئيس حركة مجتمع السلم بالجزائر، وممثلين عن حركة النهضة في تونس، وجمعية الإصلاح للأخوة والتربية في موريتانيا.

فيما يعتمد الرأي الثاني (استعادة دور التنظيم الدولي للإخوان) على أن حركة التوحيد والإصلاح تحاول من وراء توجيه الدعوة للحركات الإسلامية في العالم العربي وأفريقيا وأوروبا إلى إحياء دور التنظيم الدولي للإخوان بعيدًا عن السياسة الأفريقية للمملكة، ويستشهدون في ذلك بدعوة الحركة لممثلين من مناطق خارج أفريقيا؛ حيث وُجهت الدعوة لممثلين عن منظمات «المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج»، و«مؤسسة مسلمي فرنسا»، و«اتحاد المنظمات الأهلية في العالم الإسلامي» من تركيا، وكذلك ممثلين من حزب السعادة التركي، وحركة حماس الفلسطينية.
مأزق الخلافات الأيديولوجية:
بيان المؤتمر السادس وقضايا الداخل المغربي
قضية الصحراء الغربية: أيَّد البيان الختامي للمؤتمر الوحدة الترابية المغربية؛ حيث دعَّم مقترح الحكم الذاتي الذي طرحته الحكومة المغربية لحل مشكلة الصحراء الغربية.

المشكلات الاقتصادية: رغم سيطرة الإخوان وذراعهم السياسية «حزب العدالة والتنمية» على الحكومة المغربية لدورتين متتاليتين، انتقد بيان المؤتمر السادس ما وصلت له الأوضاع الاقتصادية في المغرب خاصة بعد تفاقم الاحتجاجات في مناطق الريف في الفترة الأخيرة، وهو ما يثير غضب الجمهور المغربي على الحركة وسياسة الحكومة المنبثقة منها(4).
ختامًا؛ رغم ما قدمته الحركة من مواقف وقرارات لفض إشكالات طالما تأخر حسمها، بات أمام الحركة تحديات لم تستطع تجاوزها بعد، وترتكز هذه التحديات على أدائها الباهت في رئاسة الحكومة، وموقف الحركة من مسألة إصلاح الحقل الديني في المغرب، وما يتضمنه من صلاحيات وسلطات لإمارة المؤمنين التي ينفرد بها الملك، وكذلك علاقة الحركة مع الجماعات الدينية والدعوية الأخرى مثل العدل والإحسان، والسلفيين، والحركات الصوفية.
مأزق الخلافات الأيديولوجية:
الهوامش:
1- البيان الختامي للمؤتمر السادس، على الرابط: https:goo.gln8uhRW 
2- حركة «التوحيد والإصلاح» تأخذ مسافة من حزب «العدالة والتنمية» وتعلن التمايز بين الديني والسياسي في عملها، القدس العربي (982018)، على الرابط: http:www.alquds.co.uk?p=991067 
3- المغرب.. الإخوان المسلمون والتطلع الأفريقي (782018)، ميدل إيست أونلاين، على الرابط: 
https:goo.glTQcQm3 
4- للمزيد، أنظر: محمود جمال عبد العال، حراك شمال المغرب: هل من مسألة ريفية؟ (572018)، المركز العربي للبحوث والدراسات، على الرابط: http:www.acrseg.org40807 
"