يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

العلاقات الدولية في فكر قوى الإسلام الحركي بعد يونيو 2013

الإثنين 16/يوليو/2018 - 11:10 ص
المرجع
أبوالفضل الإسناوي/ باحث في شؤون الشمال المغربي
طباعة

تطورت رؤية قوى الإسلام الحركي، المشاركة في الحكومات المغربية المتعاقبة بعد 2011، للعلاقات الدولية، وحراكها السياسي الإقليمي والدولي، حتى وضعت تصورات منهجية جديدة للواقع الدولي، ويمكن القول: إن ثورة 30 يونيو 2013 في مصر وما بعدها، أدت إلى إقحام قوى الإسلام الحركي -خاصةً المغربية- كلاعب في تفاعلات السياسة الدولية، وإدخالها في موقع الحدث، والاحتكاك المباشر في السياسات الإقليمية والدولية، وإن كان هذا الحضور من منطلق براجماتي في معظم الأحيان، وقائمًا على مبادئ مغايرة لفكر مؤسس الجماعة الأم «حسن البنا».




وقبل إجابة الدراسة عن سؤالها المركزي، وهو: ما رؤية قوى الإسلام الحركي للعلاقات الدولية بعد 2013، وأهم معوقات تطور مستوى العلاقات الخارجية لتلك القوى الإسلامية؟ يجب الإشارة إلى أنه بسبب التطورات المتسارعة للبيئتين؛ المحلية والدولية بعد 2013، غيرت تيارات الإسلام الحركي مبادئها التي حافظت عليها في بناء منظومة علاقاتها الدولية، ووسعت من دوائر سياستها الخارجية، ووضعت مجموعة من الآليات والأدوات لتحقيق أهدافها، من أبرزها فتح مكاتب في معظم الدول، وتوسيع مستوى دبلوماسيتها الشعبية، بل تجاوزت عن موروثات أسلافها في فقه العلاقات الدولية، واستندت إلى أدلة شرعية في علاقاتها الخارجية مع دول ومؤسسات أجنبية.

العلاقات الدولية
تتمثل إشكالية هذه الدراسة في محاولة توضيح الأطر النظرية والعملية للعلاقات الدولية في منظومة قوى الإسلام الحركي بعد 2013، بالتطبيق على دول الشمال المغربي، ومن ثم فإن الإشكالية الرئيسية تتمثل في الإجابة عن تساؤلٍ فحواه: كيف تطورت ممارسات السياسة الخارجية عند قوى الإسلام الحركي بعد 2013؟ وما حدود التغير في فقه العلاقات الدولية عند تلك القوى، وأهم معوقات تطور العلاقات الدولية عندها؟



وتنقسم الورقة إلى ثلاثة محاور، يتناول المحور الأول المنطلقات الفكرية للعلاقات الدولية عند قوى الإسلام الحركي، ويرصد الثاني منهجية قوى الإسلام الحركي في بناء العلاقات الدولية بعد 2013، ويتطرق المحور الثالث إلى دوائر السياسة الخارجية عند قوى الإسلام الحركي المغربية، وسمات علاقات تلك القوى بالنظام الدولي، ومعوقات تطور علاقاتها الدولية.
العلاقات الدولية

أولًا- المنطلقات الفكرية لقوى الإسلام الحركي عن العلاقات الدولية:

ظلّت قوى الإسلام الحركي لعشرات السنوات تنظر للعلاقات الدولية، والتعامل مع أطراف النظام الدولي من منظور مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا (1928)، الذي قصر العلاقات الدولية على الدائرة العربية والإسلامية، وكانت تستند رؤية تلك القوى للعلاقات الدولية إلى ما عبر عنه «البنا» في رسائل المؤتمر الخامس عام 1928، بقوله: «فإن أريد بالسياسة معناها الخارجي، وهو المحافظة على استقلال الأمة وحريتها، وأشعارها كرامتها وعزتها، والسير بها إلى الأهداف المجيدة التي تحتل بها مكانتها بين الأمم ومنزلتها الكريمة في الشعوب والدول، وتخليصها من استبداد غيرها بها وتدخله في شؤونها، مع تحديد الصلة بينها وبين سواها تحديدًا يفصل حقوقها جميعاً، ويوجه الدول كلها إلى السلام العالمي العام وهو ما يسمونه (القانون الدولي).. فإن الإسلام قد عني بذلك كل العناية، وأفتى فيه بوضوح وجلاء، وألزم المسلمين أن يأخذوا بهذه الأحكام في السلم والحرب على السواء، ومن قصر في ذلك وأهمله فقد جهل الإسلام أو خرج عليه... قرر الإسلام سيادة الأمة الإسلامية وأستاذيتها للأمم في آيات كثيرة من القرآن.. ثم أوجب على الأمة المحافظة على هذه السيادة، وأمرها باستعداد العدة واستكمال القوة، حتى يسير الحق محفوظًا بجلال السلطة كما هو مشرق بأنوار الهداية»[1].


وكانت من المنطلقات الفكرية في العلاقة مع الآخر التي وضعها مؤسس الجماعة، والتي تخلصت منها قوى الإسلام الحركي بعد 2013، هي النفور من الدول غير المسلمة، والجهاد ضد المستعمر في شتى ديار المسلمين، حيث قال «البنا» في هذا الشأن: «لقد خرجت الدول الأوروبية من الحرب العالمية وبذور الحقد والبغضاء متأثرة في صدور الكثير منها، وجاء مؤتمر الصلح ومعاهداته لطمات قاسية لبعضها وخيبة أمل مؤلمة لكثير منها، هذا إلى ظهور كثير من الأفكار الجديدة والمبادئ المتعصبة شديدة التعصب ولابد أن تنتهي هذه الحال بهذه الأمم إلى خلاف جديد وحرب طاحنة ضروس تبدد شملهم، وتمزق وحدتهم، وتعيدهم إلى رشدهم، وتردهم عن ظلمهم، وتهب لأمم الإسلام فرصة أخرى تسوي فيها صفوفها، وتجمع شملها، وتستكمل حريتها واستقلالها، وتسترد دولتها ووحدتها تحت لواء أمير المؤمنين»[2].


إن الأُسُس الفكرية للعلاقات الدولية، والنظام الدولي التي كرسها حسن البنا لأتباعه، تسببت لفترة طويلة في سطحية رؤية قوى الإسلام الحركي المغربية، وغيرها في التعامل مع الدول الغربية، ومحدودية دوائر سياستها الخارجية، واهتمامها بالقضايا العالمية ذات التوجه الإسلامي فقط، وبأي نزاع دولي يمس المسلمين، كأنها لم تكن معنية بخريطة التكتل الدولي، والظواهر الدولية؛ وهذا ما تسبب في أن تكون تحركاتها الخارجية رد فعل أو دفاع سلبي، أجبرت على التعامل معه نتيجة ممارسات بعض القوى الدولية ضد الدول العربية والإسلامية[3].


بناء على ما سبق، يمكن القول: إن رؤية مؤسس جماعة الإخوان، حسن البنا، للسياسة الخارجية ظَلَّت مؤشرًا رئيسيًّا في تحركات القوى الإسلاموية حتى نهاية فترة السبعينيات، وقد تخلصت منها جزئيًّا قبل الثورات العربية في 2011، وكليًّا بعد 30 يونيو 2013، من منطلق براجماتي، باعتبارها شريكًا في النظم الحاكمة، ولتحسين صورتها أمام الدول الغربية باعتبارها أحزابًا إسلاميةً أكثر تقدمًا، وأن سياستها الخارجية تتفق مع السياسة الخارجية الرسمية للحكومات المشاركة فيها، وهو ما أكده راشد الغنوشي، رئيس حركة «النهضة» التونسية، ونشرته جريدة الصباح التونسية، حيث قال: «ليس لحركة النهضة سياسة خارجية مستقلة، وبمنأى عن السياسة الخارجية الرسمية، باعتبار أن الحركة جزء من الحكومة وجزء من الدولة»[4].


وإن كانت هذه المواقف والتصريحات لا تعبر عن تطابق كامل، وتنسيق بين السياسة الخارجية لقوى الإسلام الحركي الشريكة في الحكومات والسياسة الرسمية لدولها، حيث إنه في كثير من الأحداث كانت السياسة الخارجية لهذه القوى المغربية (حركة النهضة التونسية، وحزب العدالة والتنمية المغربي، وحركة مجتمع السلم الجزائرية) مخالفة للسياسة الرسمية للدولة، وتتحرك في مسارات مختلفة وتصدر بيانات متعارضة عن المواقف الرسمية.


فقد اتخذ حزب «العدالة والتنمية» المغربي سياسةً مغايرةً للسياسة الخارجية الرسمية للدولة المغربية أثناء أحداث الانقلاب الفاشل على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في يوليو 2016؛ حيث أصدر الأمين العام للحزب، عبدالإله بن كيران -في ذلك الوقت، وثيقة تأييد وتهنئة أرسلها إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان[5].


كما أخذت حركة «النهضة» التونسية موقفًا مغايرًا عن الرئاسة التونسية من ثورة 30 يونيو 2013 في مصر؛ حيث قالت الحركة، في بيان أصدرته في ذلك الوقت: إنه «أمام التطورات الأخيرة التي شهدها الوضع المصري والمتمثلة في إقالة الرئيس محمد مرسي في انقلاب واضح على الشرعية متمثلة في أول رئيس منتخب في تاريخ مصر، فإن حركة النهضة ترفض ما حدث من انقلاب سافر، وتؤكد أن الشرعية في مصر واحدة ويمثلها الرئيس محمد مرسي دون سواه».[6]


العلاقات الدولية

ثانيًا- مبادئ حركات الإسلام الحركي في العلاقات الدولية بعد 2013:

تنطلق قوى الإسلام الحركي المغربية في سياستها الخارجية، سواء كانت متسقةً أو منفصلةً مع الحكومات المشاركة فيها منذ 2013، من مقاصد براجماتية، وتحرص على إقامة علاقات دولية مع دول العالم كافة، ومؤسساته الدولية، وإن كانت إحداها تصرح وتعلن عن رفض التعامل مع إسرائيل، مثل حركة «مجتمع السلم» (حمس -إخوان الجزائر»، من منطلق وصية «حسن البنا» بضرورة الانشغال بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، والجهاد ضد المستعمر، وملاحقة الصهيونية)[7].


وفي هذا السياق، استخدمت قوى الإسلام الحركي المغربية مبادئ عدة لتحقيق أهدافها، وتطوير مستوى علاقاتها الدولية، منها ما هو شرعي ديني من موروث الفقة الإسلامي، وهذا الاتجاه ظهر واضحًا في مفهوم وأهداف السياسة الخارجية التي تضمنتها برامج أحزاب هذه القوى الإسلاموية. ومنها ما فرضته عليها تطورات البيئتين الداخلية والخارجية بعد خروج جماعة الإخوان من السلطة بمصر، في يونيو 2013.


ويمكن، تحديد المبادئ الشرعية التي اعتمدت عليها قوى الإسلام الحركي في تفكيك نظرتها الكلية للنظام الدولي، والاتجاه نحو بناء نظرية وسياسات للعلاقات الدولية تتحرك من خلالها، في مبدأين؛ الأول، هو مبدأ «المصالح المرسلة»، وهو أحد أدلة الأحكام التبعية التي يعتمد عليها العلماء والفقهاء في إصدار الفتاوى والأحكام الشرعية، التي تطبق على الأعمال التي لا يوجد بها نص شرعي في منعها أو إباحتها[8].


ووفقَا لهذا المبدأ، نشير إلى أن قوى الإسلام الحركي المغربية، سارت على خط حركة «حماس» الفلسطينية، واعتبرت الأعمال السياسية والعلاقات الدولية تخضع لهذه القاعدة، وأنه من الضروري توسيع مستوى العلاقات الدولية، وتنوع أدوات وآليات السياسة الخارجية التي تتبعها مع الدول الإقليمية والدولية باعتبار ذلك عاملًا رئيسيًّا في المحافظة على بقائها وقبول استمرارها من القوى الغربية كشريط في حكومات دولها، وقد يكون ما قامت به حركة «النهضة» خلال الثلاث سنوات الأخيرة، مثالًا واضحًا على تطبيق هذا المبدأ (المصالح المرسلة)؛ حيث إنه في الوقت الذي تعتبر فيه حركة «النهضة» القضية الفلسطينية قضيةً مركزيةً للأمة، وتلتزم بدعمها والعمل على المساهمة الجادة في نصرتها، فإنها تراجعت عن إقرار فصل في الدستور ينص على رفض التطبيع مع إسرائيل؛ ما أثار الكثير من الاحتجاجات ضد موقفها هذا، سواء من داخلها أو من قبل أطراف سياسية أخرى، إضافة إلى حديث البعض عن لقاءات متعددة ما بين قيادات النهضة وبعض الصهاينة[9]، كما أن بعض قوى الإسلام الحركي، منها «النهضة» التونسية وحزب «العدالة والتنمية» المغربي، طورت موقفها في الفترة الأخيرة من الغرب عمومًا والولايات المتحدة الأمريكية خصوصًا، فانتقلت من عدها قوة استكبارية تؤيد الديكتاتورية العربية (الثمانينيات والتسعينيات) إلى عدها دولةً ديمقراطيةً تُناصر نشر ثقافة حقوق الإنسان[10].


 أما المبدأ الشرعي الثاني، الذي اتبعته القوى الإسلاموية المغربية في تفكيك التعامل مع النظام الدولي، وتوسيع دائرة علاقاتها الدولية بعد 2013، هو أن «الأصل في العلاقات الدولية.. التعاون والتعارف»، وقد طورت معظم قوى الإسلام الحركي لمفهومها عن العلاقات، ووسعت من علاقاتها الدولية منذ 2011، بناءً على هذا المبدأ، وتستند تلك القوى في علاقاتها مع الغرب، الذي ترفضه برامجها الحزبية القديمة، إلى قول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» -الآية 13 (الحجرات)[11].


على هذا السياق، طورت قوى الإسلام الحركي الجزائرية والمغربية والتونسية منظومة العلاقات الدولية عندها، واعتبرت أن الإيمان بالعلاقات الدولية ضرورة إنسانية، ومن ثم يتعين فهم واستيعاب تعقيدات موقف الأطراف الدولية من النظم السياسية العربية التي تشكلت بعد 2011.


 أما المبادئ التي فرضتها التغيرات المحلية والإقليمية والدولية، والتي ألزمت قوى الإسلام الحركي بتعزيز تعددية النظام الدولي، والاتجاه نحو تعاون إيجابي مع المنظمات الدولية، خاصة الأمم المتحدة، فقد تمثلت في التوافق مع السياسة الخارجية الرسمية للدولة، والدفاع عن مصالح العامة لكسب شعبية الداخل، وإبداء الالتزام بتحقيق التغيير والتخلي عن المرجعية الإسلامية الجامدة، التي أرساها حسن البنا، لكن رغم إعلان قوى الإسلام الحركي تطابق مواقفها مع السياسة الخارجية الرسمية لدولها تجاه القوى الدولية، فإنها تظل تعتبر أن التأثير في المحيط الدولي يقوم على تحقيق استقلال حقيقي لموارد الأمة الإسلامية في مواجهة الغرب.


يظهر ذلك بوضوح في برامج وأهداف تأسيس تلك القوى، حتى إنها لم تستطع تغييرها كليًّا في مؤتمراتها، التي عقدتها خلال الفترة من 2016- 2018؛ حيث أكد المؤتمر السابع لحركة «مجتمع السلم» الجزائرية، المنعقد في مايو 2018، على تفعيل اتحاد المغرب العربي، من خلال التبادلات التجارية البينية، وتنشيط المنطقة العربية الحرة الكبرى، وتشجيع التنسيق والتعاون في المجالات الاقتصادية والثقافية وغيرها من المجالات الحيوية، خاصةً بمنطقة الساحل، إضافةً إلى تعزيز المبادلات الاقتصادية والتجارية مع بلدان العالم الإسلامي، في إطار منظمة التعاون الإسلامي[12]، كل هذا يشير إلى أن الحركة (مجتمع السلم) مازالت تعطي أولوية للدائرة العربية والإسلامية عن الدائرة الأوروبية وأمريكا اللاتينية والكاريبي، ودول أمريكا الشمالية.


وقد يكون هذا النهج الخارجي لحركة «مجتمع السلم» مختلفًا عن التوجه الخارجي لحركة «النهضة» التونسية وحزب «العدالة والتنمية» المغربي، باعتبارهما شريكًا في السلطة، فـ«النهضة» تتحرك في جميع دوائر السياسة الخارجية، رغم تأكيدها في الفصل الأول من بيانها التأسيسي على أنها ذات مرجعية إسلامية، وتسعى إلى «النضال من أجل تحقيق وحدة المغرب العربي كخطوة باتجاه تحقيق الوحدة العربية فالوحدة الإسلامية وتحرير فلسطين»[13]. لكن يبدو أن براجماتية «النهضة» في سياستها الخارجية جعلتها تطور من أدوات سياستها الخارجية، لدرجة أنها تمتلك مكاتب خارجية موزعة على دول عدة أوروبية لتنشيط دورها الخارجي وتحسين صورتها كفاعل رئيسي في السلطة التونسية[14].


أما حزب «العدالة والتنمية» المغربي فقد أخذ نفس طريق «النهضة» في علاقاته الدولية، وكان أكثر تقاربًا مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عمومًا، فقد قال باحثون غربيون: إن حزب «العدالة والتنمية» المغربي متفق مع توجهات السياسة الخارجية الأمريكية ومصالحها، وإن إعادة النظر من قبل قيادات الحزب في المفاهيم الجامدة حول التعامل مع الآخر ساعدت في تبني هذه الرؤية الأمريكية، التي تقوم على أن الحزب من أكثر قوى الإسلام الحركي اعتدالًا[15].


العلاقات الدولية

ثالثًا- دوائر السياسة الخارجية لقوى الإسلام الحركي المغربية وسماتها:

ثمة عوامل تحدد دوائر السياسة الخارجية لقوى الإسلام الحركي المغربية، أدت إلى عدم تطابق الحراك السياسي الخارجي لتلك القوى المغربية الثلاث (النهضة التونسية، والعدالة والتنمية المغربي، ومجتمع السلم الجزائرية)، أولها، المشاركة السياسية الفاعلة مع السلطة، وهنا نشير إلى أن اختلاف مستوى المشاركة السياسية بين القوى الثلاث، أدى إلى اختلاف مستوى الالتزام بالسياسة الخارجية الرسمية فيما بينها، فوجود حركة «مجتمع السلم» الجزائرية خارج الحكومة، لم يلزمها كليًّا بالسياسة الخارجية الرسمية للدولة الجزائرية.


وثاني هذه العوامل، يتعلق بمستوى التمسك بالمبادئ التي أرساها «البنا» عن التعامل مع الغرب، وتعتبر (مجتمع السلم) أكثر قوى الإسلام الحركي المغربية، تمسكًا بمبادئ الحركة الإسلاموية في التعامل مع إسرئيل وتفاعلاتها، وهو ما جعلها تتحرك في دوائر خارجية ضيقة، مقارنةً بالحركتين الأخريين.


أما العامل الثالث، فيرتبط بمستوى الاعتراف الدولي بتلك القوى الإسلاموية، من باب المرونة وتجسيد صورة الحزب الإسلاموي المعتدل الذي يعاطى مع مبادئ الحداثة الغربية، وحتى لو كان هذا من منطلق براجماتي، وتعد حركة «النهضة» وحزب «العدالة والتنمية» المغربي النموذج الأوضح في تجسيد هذه الصورة؛ حيث بدت واشنطن منذ الثورات العربية راضية عن الأداء السياسي للحركة، وباركت انخراطها في السياسة الرسمية الداخلية أو الخارجية لدولة تونس[16].


وبناءً على ما سبق، يمكن القول: إن قوى الإسلام الحركي المغربية تطابقت أحيانًا، واختلفت في دوائر سياستها الخارجية؛ فحركة «مجتمع السلم» جعلت الدائرة العربية والإسلامية في مقدمة اهتمامات سياستها الخارجية، ومازالت تستثني من دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مصر؛ حيث يتخذ قيادات تلك الحركة موقفًا سلبيًّا من الدولة المصرية منذ خروج جماعة الإخوان من السلطة، وقد رفضت هذه الحركة دعم الحكومة الجزائرية للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للرجوع للاتحاد الأفريقي، كما أنها تبدي مواقف تعاونية في ملف تونس، وليبيا، وتفعيل الاتحاد المغربي[17].


وتعتبر «مجتمع السلم» أقل انفتاحًا على الدائرة الأوروبية، مقارنةً بحركة «النهضة، وحزب العدالة والتنمية»، وذلك من منطلق تخوفها من التهديد الأوروبي للبعد الثقافي، ومنافسته الجزائري، ودعمها الدور التركي في الجزائر.


أما الدوائر التي تنشط فيها حركة «النهضة»، إضافةً إلى الدائرة العربية والإسلامية باستثناء مصر، فيعد أهمها الدائرة الأوروبية نظرًا لنشاط شباب الحركة في تلك المنطقة، وتعتبر تركيا أهم دولة في الدائرة الشرق أوسطية وشمال أفريقيا تقيم معها الحركة علاقات مميزة؛ حيث تعتبر «النهضة» التجربة التركية نموذجًا يمكن الاقتداء بها أو الاستفادة منها والبناء عليها، أما حزب «العدالة والتنمية» المغربي، فهو ينشط في الدوائر نفسها التي تعمل فيها حركة «النهضة»، إضافة إلى أنه يحرص على تقوية علاقات التعاون والتضامن مع الدول الأفريقية، لاسيما بلدان الساحل وجنوب الصحراء[18].

أما أدوات تفعيل السياسة الخارجية التي اتبعتها قوى الإسلام الحركي في دوائرها الخارجية، والتي كانت أكثر وضوحًا عند حركة «النهضة» التونسية عنها عند حزب «العدالة والتنمية» المغربي، وحركة «مجتمع السلم» الجزائرية- فقد تمثلت في الآتي:


الدبلوماسية الشعبية: وتعتبر حركة «النهضة» أكثر قوى الإسلام الحركي المغربي استخدامًا لهذه الآلية في دعم سياستها الخارجية منذ 2013؛ حيث قامت قيادات الحركة بالعديد من الجولات، فقد زار راشد الغنوشي (زعيم الحركة) فرنسا مرتين، في الفترة من 2011- 2016، وطمأن المسؤولين الفرنسيين بأن «المحيط الجغرافي الطبيعي لتونس هو الفضاء المتوسطي، وأن حركة النهضة حريصة على دعم تشبث تونس بهذا المحيط، بما في ذلك الحفاظ على اللغة الفرنسية كثاني لغة معتمدة بالبلاد»، وحاول أن يقدم نفسه على أنه «صديق للغرب»، وأنه يقود حركة إسلامية معتدلة تؤمن بأنه «ليس هناك تعارض بين الإسلام والديمقراطية»[19].


كما تعددت زيارات «الغنوشي» وعدد من قيادات «النهضة» إلى تركيا؛ لبحث آليات التعاون، فقد زارها، في فبراير 2011، وفي أغسطس 2015، وفي فبراير 2017، وفي يناير 2018[20]، كما حضر فعاليات مؤتمر دافوس الاقتصادي العالمي، في يناير 2018، وعلى هامش مشاركته في المنتدى، أجرى محادثات ثنائية مع عدد من الزعامات و القيادات على غرار وزير الخارجية الإسباني «ألفونسو داستيس»، ووزير الدولة للعلاقات الخارجية الهندي «آج أكبر»، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق «توني بلير»، ورئيس الوزراء العراقي «حيدر العبادي» [21].


دبلوماسية استقبال الوفود: استخدم هذه الآلية كل من قوى الإسلام السياسي المغربية، حيث استقبل «الغنوشي» في مقر الحركة العديد من الوفود والشخصيات الأجنبية؛ ففي مايو 2018 استقبل سفير فرنسا بتونس «أوليفيي بوافر دارفور» بحضور الدكتور رفيق عبدالسلام (مسؤول العلاقات الخارجية بحركة النهضة)، كما استقبل، في 22 يناير 2018، عزام الأحمد (المسؤول الفلسطيني والقيادي في حركة التحرير الفلسطيني)، وحضر اللقاء رفيق عبدالسلام (مستشار رئيس حركة النهضة للعلاقات الخارجية)، وفي التاسع من يناير 2018، استقبل شيوكاوا ميكيو (سفير دولة اليابان في تونس)، وحضر اللقاء كل من رياض بالطيب ومحرزية العبيدي من المكتب التنفيذي لحركة النهضة، كما استقبل الغنوشي، في 29 نوفمبر 2017، وفدًا من البرلمان الإندونيسي برئاسة محيي الدين، نائب رئيس البرلمان، واستقبل رئيس الحركة، في 3 نوفمبر 2017 ناصر حسن الجابر (الرئيس التنفيذي للمجموعة القطرية -ناس)، كما استقبل، في 8 سبتمبر 2017، وفدًا من الاتحاد الأوروبي [22].


أما حركة «مجتمع السلم» الجزائرية فقد اقتصر استقبالها للوفود على الجانب التركي؛ حيث استقبلت الحركة في مقرها وفدًا من حزب «السعادة» التركي، في مارس 2013[23]، كما استقبل حزب «العدالة والتنمية» المغربي، وفدًا من الأحزاب السودانية، في فبراير 2011 ([24]).

الدبلوماسية الدعائية: لقد طورت كل من حركة «النهضة» وحزب «العدالة والتنمية» من أدواتهما الدعائية؛ حيث قامت «النهضة» بالترويج لمخرجات مؤتمرها العاشر، المنعقد في مايو 2016، بفصل الدعوة عن السياسة، مستغلةً في ذلك ترشح يهودي على قوائمها في الانتخابات البلدية، المنتهية في مايو 2018 ([25]).


وعلى المسار نفسه تحركت قيادات حزب «العدالة والتنمية» المغربي، وراح يروج لوسائل الإعلام باستمرار علاقات الحزب مع مؤسسات الحكم الأمريكية؛ حيث قال سعد الدين العثماني، الأمين العام للحزب: إن «التواصل بين حزب العدالة والتنمية والإدارة الأمريكية، قائم، ولم ينقطع... ونحن نعلم أن للإدارة الأمريكية مؤسسات متعددة، ونقيم علاقات حوار جدية مع هذه المؤسسات»[26].


من السابق، يمكن تحديد أهم سمات العلاقات الخارجية لقوى الإسلام الحركي المغربية، في أن إيمانها بتطور علاقاتها الدولية بعد 2013، كان بدافع براجماتي لفهم واستيعاب الواقع الدولي، كما أن دوافع وأهداف قوى الإسلام الحركي المغربية من توسيع علاقاتها الدولية، تطورت من مبدأ تحقيق مصالح العباد والبلاد ووحدة المسلمين إلى التحرك في كل دوائر السياسة الخارجية.

إجمالًا، يمكن القول: إن السياسة الخارجية لقوى الإسلام الحركي المغربية انتقلت بعد ثورة 30 يونيو المصرية، من رد الفعل إلى المبادرة والاشتباك مع أطراف النظام الدولي في كثير من الأحيان[27].

 الخاتمة:

في النهاية، يمكن القول: إنه رغم اقتراب قوى الإسلام الحركي المغربية من تحديد استراتيجيتها في العلاقات الدولية منذ 2013، فإنها تواجه معوقات مازالت تؤثر سلبًا على مستوى علاقاتها المباشرة بأطراف النظام الدولي، قد تكون تلك المعوقات مرتبطةً بعوامل ذاتية أو داخلية أو خارجية.


وتتمثل أهم العوامل الذاتية في استحالة إخفاء تلك القوى لجذورها الإخوانية (نسبة لجماعة الإخوان)، ومن ثم تظل الجذور الإخوانية لتلك القوى الدينية معوقًا في منظومة العلاقات الدولية عندها، خاصةً أن جماعة الإخوان تصنف في العديد من دول العالم، بعد أحداث 2013، بأنها جماعة محظورة.


أما أهم العوامل الداخلية التي تظل عائقًا أمام تلك القوى، هي أن دولها لن تسمح باتباع سياسة خارجية متباينة مع السياسة الخارجية الرسمية، خاصةً تجاه الدوائر الدولية التي تمثل مناطق استراتيجيةً لها، كما يظل العامل الخارجي أيضًا معوقًا لسياسات تلك القوى على المستويين؛ الإقليمي والدولي، من منطلق عداء تلك القوى لإسرائيل وللمشروع الصهيوني الذي تدعمه الدول الأمريكية.



[1] كتاب، رسائل الإمام حسن البنا، دار الشهاب، 1980: رسالة المؤتمر الخامس، ص ص 147-187.

[2] . المرجع السابق.

[3] . سامي الخزندار، «تطور علاقة حركات الإسلام السياسي بالبيئتين الإقليمية والدولية»، دراسات استراتيجية، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2008، ص ص 22-25.

[4] . صحيفة الصباح نيوز التونسية، «راشد الغنوشي» «ليس للحركة سياسة خارجية بمنأى عن السياسة الرسمية»، على الرابطhttp://www.assabahnews.tn/article/133051

[5] . أمال كنين، «بنكيران لأردوغان بعد فشل الانقلاب: الأتراك مثال للوحدة والمسؤولية»، على الرابط http://cutt.us/rUWeF

[6] . العربية نت، «المرزوقي يرفض «الانقلاب» بمصر وحركة النهضة تحذر»، على الرابط http://cutt.us/rfkn0

[7] .سامي الخذندار، مرجع سابق، ص 23.

[8] . د. عبدالحكيم عزيز حنيني، «منهجية حركة حماس في العلاقات الخارجية: سوريا نموذجًا 2000-2015»، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، 2018.

[9] . مركز المزماة للدراسات والبحوث، «مواقف حركة النهضة التونسية وسلوكها السياسي 2011-2014»، على الرابطhttp://cutt.us/ot3Hd

[10] . إبراهيم فريحات وآخرون، «العرب والولايات المتحدة: المصالح والمخاوف والاهتمامات في بيئة متغيرة»، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، ديسمبر 2017، ص 120.

[11] . د. عبدالحكيم عزيز حنيني، مرجع سابق.

[12] . د. عبدالرزاق مقري، «توجهات السياسة الخارجية وقضايا الأمة»، على الرابط http://makri.net/

[13] . د. عمرو الشوبكي، «من الناجح: المسار السياسي أم حركة النهضة»، على الرابط http://cutt.us/yfkZe

[14] . شبكة تونس الآن، «شباب النهضة بالخارج يساند تحركات الجهات ويدعو الحكومة للاستجابة لمطالب الشباب»، على الرابطhttp://cutt.us/3AI7x

[15] . بوابة الحركات الإسلامية، «الإخوان المسلمون في المغرب.. حزب العدالة والتنمية»، على الرابط http://cutt.us/f5fgR

[16] . إبراهيم فريحات وآخرون، مرجع سابق.

[17] . الموقع الرسمي لحركة مجتمع السلم، «بيانات حركة مجتمع السلم»، على الرابط http://hmsalgeria.net/ar/

[18] . الموقع الرسمي لحزب العدالة والتنمية المغربي، «المغرب يشارك بفاعلية في الدورة الاستثنائية للمجلس التنفيذي لتجمع دول الساحل والصحراء»، على الرابط http://www.pjd.ma/node/8100

[19] مركز المزماة للدراسات والبحوث، «مواقف حركة النهضة التونسية وسلوكها السياسي 2011-2014»، مرجع سابق.

[20] . جريدة الاتحاد الإماراتية، «راشد الغنوشي يزور تركيا»، على الرابط http://cutt.us/Hzcxk

[21] . الموقع الرسمي لحركة النهضة، «مشاركة الأستاذ راشد الغنوشي بالمنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس)»، على الرابطhttp://cutt.us/LG54W

[22] . المرجع السابق.

[23] . محمد الهلالي، «أربكان ارتقى بالسياسة من دركات (الغاية تبرر الوسيلة) إلى شرف (خدمة الوطن)»، على الرابطhttp://cutt.us/GmjB4

[24] . الموقع الرسمي لحزب العدالة والتنمية المغربي، «الأمين العام يستقبل وفدًا من مجلس الأحزاب السودانية»، على الرابطhttp://www.pjd.ma/node/196

[25] . جريدة الفجر التونسية، «حركة النهضة تطلق الموقع الرسمي لمؤتمرها العاشر»، على الرابط http://cutt.us/9LRyt

[26] . سمير الريحاني، «المغرب ينتفض ضد أوباما الذي يفضل عبد الإله بن كيران»، مايو 2016 على الرابطhttp://www.alousboue.com/28530/

[27] .سامي الخذندار، مرجع سابق، ص ص 48-53.

"