يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad
رولان جاكار
رولان جاكار

التهديدات الإرهابية: بعد العائدين من «داعش» جاء دور الخارجين من السجون!‬

الأحد 24/يونيو/2018 - 09:55 م
طباعة
‫رولان جاكار‬‬‬‬
كاتب ومستشار، رئيس مؤسسة رولان جاكار للاستشارات الأمنية الشاملة
(Roland Jacquard Global Security Consulting)

أعاد الهجوم، الذي هزَّ مدينة لييج البلجيكية، يوم 29 مايو 2018، إلى الواجهة إحدى الإشكاليات الأكثر تعقيدًا التي تواجهها أجهزة مكافحة الإرهاب الأوروبية: التبشير الجهادي الذي يسعى لتحويل السجون الأوروبية إلى مصانع لتفريخ المتطرفين‫.‬ ‬‬‬

هكذا، أضيفت إلى التهديد الهائل الذي يُمثله الداعشيون‫ العائدون من الخارج، قنبلة موقوتة جديدة تتمثل في الخارجين من السجون! وتُشكل هذه الظاهرة خطرًا شديدًا يُهدد بمنح العنف الجهادي بُعدًا غير مسبوق، من شأنه أن يوفر له «النفس الثاني» الذي كان يفتقد إليه لتعويض حالة الانحسار والتراجع التي أصابت المنظمة -الأم الداعشية- في معاقلها بسوريا والعراق.
‬‬‬‬
ويُعدُّ بنيامين هيرمان، منفذ هجوم لييج، نموذجًا نمطيًّا يلخص وحده كل الإشكاليات المتعددة الأبعاد التي تطرحها ظاهرة التطرف داخل السجون. 

هيرمان كان معتقلًا في قضايا حق عام، حُكم عليه بالسجن لمدة 12عامًا بتهمة السطو المسلح، واعتنق الفكر المتطرف أثناء وجوده في السجن، بتأثير من داعية جهادي يُدعى ياسين ديبي.

‫كان ديبي، هو الآخر، قد حُكِم عليه، قبل ذلك التاريخ بـ6 أعوام، بالسجن لمدة 32 عامًا في جرائم حق عام، بعد ارتكابه عمليات سطو مع احتجاز رهائن، واعتنق ديبي بدوره الفكر المتطرف، وأصبح داعية جهاديًّا مؤثرًا داخل السجن، ومن بين من قام بتجنيدهم، اثنان من أصدقاء طفولته، وهما إبراهيم وخالد البكراوي، الشقيقان الانتحاريان اللذان قاما بتنفيذ الهجمات الانتحارية في «بروكسل» و«زافنتيم»، في 22 مارس 2016‬.‬‬‬

‫كان الأخوان «البكراوي» محكومًا عليهما أيضًا بالسجن في قضايا سرقات وسطو مسلح، وقد انضما إلى «داعش» في سوريا بعدما غادرا السجن في عام 2014، ثم عادا إلى أوروبا في العام التالي، وشاركا في عمليات الدعم اللوجستي لهجمات باريس التي وقعت في 13 نوفمبر 2015، ثم نفذا الهجمات الانتحارية في بروكسل وزافنتيم.‬‬‬‬

هكذا نرى أن داعيةً جهاديًّا واحدًا تمكن من تجنيد منفذي موجتين من الهجمات الإرهابية، في بروكسل وزافنتيم، ثم في لييج، يفصل بينهما أكثر من عامين من الزمن! وهذا دليل؛ إذ لابد من دليل لإثبات مدى قدرة أجهزة الأمن عن التصدي لأنشطة التبشير الجهادي داخل السجون.‬‬‬

والأدهى أن ياسين ‫ديبي ليس حالة فردية، وفقًا للأرقام التي أعلنتها وزارة العدل البلجيكية، فهناك 450 سجينًا متطرفًا، تم رصدهم في السجون البلجيكية، من بينهم 237 وُضعوا تحت المراقبة المستمرة؛ بسبب خطورتهم، و46 آخرون صنفتهم الأجهزة الأمنية في خانة من يشكلون تهديدًا شديد الخطورة؛ بسبب أنشطة التبشير التي يمارسونها.‬‬‬‬

لكن هذه الأرقام الدقيقة والمفصلة، التي تنذر بالخطر، لم تَحُلْ دون حدوث «الإخفاق»، أو الثغرة الأمنية التي أتاحت لبنيامين هيرمان الحصول على «إجازة» للخروج مؤقتًا من السجن استغلها لارتكاب جريمته!

‫هذه الظاهرة المقلقة لا تخص بلجيكا وحدها، فالوضع في فرنسا يُعدُّ أكثر خطورة؛ الأرقام التي كشف عنها‬ ‫المدعي العام، فرنسوا مولانس، في 28 مايو الماضي، كانت أشبه بنبوءة مرعبة،‬‬‬‬‬‬‬ يوجد في السجون الفرنسية 504 معتقلين، تمت إدانتهم في أعمال إرهابية، وهم لا يمثلون إلا أقلية ضئيلة جدًّا من بين نحو 70 ألف سجين في فرنسا، ومع ذلك، فقد تسبب هؤلاء الـ504 سجناء جهاديين، خلال السنوات الثلاث الأخيرة، في تحويل أكثر من 1500 شخص محكوم عليهم بالسجن في جرائم الحق العام إلى متطرفين! ‬‬‬‬

‫وكما أشار المدعي العام مولانس، فإن الغالبية العظمى من هؤلاء المعتقلين الجهاديين، الذين سجنوا قبل عام 2016، تم الحكم عليهم بالسجن لفترات قصيرة جدًّا، لأن فرنسا لم تقم بتجريم أنشطة التطرف إلا بعد هجمات باريس في نوفمبر 2015؛ ولهذا السبب سيخرج قرابة 500 من هؤلاء من السجن، على دفعات، قبل حلول العام 2020.‬‬‬‬

وهناك أمر أكثر خطورة يكمن في نحو 40 معتقلًا آخر، من سجناء الجيل السابق من الجهاديين، الذين صدرت بحقهم أحكام سجن أكثر تشددًا، خلال العشرية الماضية، سيغادرون السجن بدورهم، بحكم انقضاء مدة العقوبات الصادرة بحقهم، 20 منهم سيغادرون السجون قبل نهاية العام الحالي، و20 آخرون سيتم الإفراج عنهم في عام 2019.‬‬‬

وهناك مخاوف كبيرة لدى أجهزة مكافحة الإرهاب، في ظل الفوضى الجهادية لمرحلة ما بعد «داعش»، أن يلعب هؤلاء الجهاديون القدامى دور «العقول المدبرة» التي سيضطلع بتجنيد وتأطير «السواعد» أو «العضلات» الجهادية الشابة التي ستخرج من السجون في التوقيت نفسه.‬

من بين هذه «العقول» نجد كوادر من أمثال جمال بغال، الذي كان أول «الأمراء ذوي العيون الزرق»، أي الجهاديين الأوروبيين في تنظيم القاعدة، و«بغال» هو الذي استقطب في السجن الأخوين كواشي، قبل 10 أعوام من تنفيذهما الهجوم الإرهابي على جريدة «شارلي إيبدو»!
"