يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad
رولان جاكار
رولان جاكار

هل تنبعث «القاعدة» مجددًا من «رماد» داعش؟

الأحد 24/يونيو/2018 - 09:58 م
طباعة
بقلم: رولان جاكار
كاتب ومستشار، رئيس «مؤسسة رولان جاكار للاستشارات الأمنية الشاملة»

استطاع «داعش»، في غضون 4 أعوام فقط، أن يمتلك ليس فقط الأغلبية على القاعدة، بل وأن يمتص دماء «التنظيم الأم» لحركات الجهاد في العالم، وهكذا، فقد نجح أتباع «البغدادي» في سلب معظم الشبكات الخارجية وحقوق الامتياز الإقليمية التي أنشأتها منظمة «بن لادن» فيما يقرب من ربع قرن.

وبتسمية نفسه «الدولة الإسلامية»، مدعيًا إعادة إرساء «الخلافة الراشدة»، نجح «داعش» في منح قبلة الحياة لحركات الجهاد العالمية بعد تصدعها الكبير، وإصابتها بالضعف الشديد خلال السنوات الأخيرة من عهد «بن لادن».

وهكذا نرى أن حركة الجهاد الدولي قد استطاعت أن تتجدد مرة أخرى، بالتحول إلى شكل جديد، وتظهر من بين أطلال «الربيع العربي» كسرطانات تنتشر بخباثة للهجوم والاستيلاء على أراضٍ جديدة بالعراق وسوريا في البداية، ثم في شبه الجزيرة العربية وشمال أفريقيا والساحل الأفريقي ثم آسيا بعد ذلك، قبل أن تصل من جديد إلى الغرب الذي كان يعتقد أنه محصن بعد الإنجازات الكبيرة التي حققها من خلال الحرب العالمية على الإرهاب التي أطلقها بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، والتي خصص لها ميزانيات حربية ضخمة، وأصدر لها تشريعات جديدة، أكثر صرامة وتقييدًا ضد الإرهاب.

هكذا فإن الفرع (داعش) قد احتل مكان التنظيم الأم (القاعدة)، ونجح التلميذ (أبوبكر البغدادي) في التحدي والإطاحة بعرش المعلم (أيمن الظواهري)!

لكن الظواهري ليس بالرجل الذي يخدع بسهولة ثم يؤخذ على حين غرة، فالبرغم من اقتصار دوره لمدة ربع قرن على كونه الرقم 2 أو الرجل الثاني في ظل أسامة بن لادن، فقد كان «الظواهري» دومًا وبلا منازع، الرجل الذي نجح في التنظير ووضع الخطط الاستراتيجية، التي أسست وهيكلت الأمميات الجهادية السبع، التي توالت منذ الحرب ضد السوفييت في أفغانستان (1979- 1989) .

وإذا بالظواهري، وقد أصبح «الشيخ الأكبر» للجهاد العالمي، بعد توليه زمام الأمور خلفًا لأسامة بن لادن في عام 2011، ينخدع بشخص مغمور لا يمتلك لا المكانة ولا التأثير اللذين يحظى بهما في صفوف الحركة الجهادية: البغدادي الذي أعلن نفسه خليفة!

نتساءل هنا، كيف لم يستطع «الظواهري» أن يستشعر أو يتوقع أن هذه الديناميكية الجديدة المتمثلة في إنشاء الدولة الإسلامية المزعومة بين العراق وسوريا، أملًا في إعادة إحياء الخلافة الراشدة، ستقوم بتوحيد الجهاديين من مختلف الجنسيات تحت راية «داعش»؟

نتساءل أيضًا هنا: هل الانقلاب العنيف في موازين القوى بين «القاعدة» و«داعش»، التي لم تكن في الأصل سوى أحد الامتيازات والفروع التي بايعت «التنظيم الأم»، ما هو إلا ضرر موازٍ نشأ من الفوضى التي تولدت من الربيع العربي؟

أم أنه على العكس من ذلك، فإن الأمر ما هو إلا مرحلة جديدة في «استراتيجية الالتفاف» التي أسسها «الظواهري» في أعقاب 11 سبتمبر 2001، لإخفاء هذه الشبكات الجهادية بصفة مستمرة، حتى تستطيع في كل مرة أن تتقدم على أجهزة مكافحة الإرهاب التي تطاردها؟

بعد 10 سنوات من التخفي والسرية، التي فُرضت على الحركات الجهادية، بحكم تشديد الحرب ضد الإرهاب على المستوى العالمي، خاصةً بعد هجمات سبتمبر 2001، أدرك «بن لادن» وذراعه اليمنى وخليفته المستقبلي، أيمن الظواهري، أن القاعدة قد أصبحت «جيشًا بلا أرض».

لذا، فقد رأى الظواهري وبن لادن على الفور في ثورات الربيع العربي الفرصة التي انتظراها طويلًا «لإعادة توطين الجهاد»، وذلك من خلال جعله ينخرط مجددًا في نزاعات محلية أو إقليمية، من شأنها تعبئة الجماهير ودفعها إلى التمرد، حتى لو تطلب ذلك تغيير اسم القاعدة وأذرعها الإقليمية، كما تم اقتراحه في العديد من المراسلات التي تبادلها الظواهري وبن لادن، خلال الأشهر الأخيرة التي سبقت موت هذا الأخير.

هكذا، وقبل 3 أعوام من ظهور «داعش»، نجد أن العديد من المنظمات الجهادية مثل «بوكوحرام» وحركة «أنصارو» في أفريقيا جنوب الصحراء، وحركات «أنصار الشريعة» في شمال أفريقيا، و«جبهة النصرة» في سوريا، قد تسلمت الراية من الإمارات الإقليمية القديمة التي كانت تعمل باسم القاعدة؛ بل إن المنظمة الأصلية التي انحدر منها «داعش»، وهي «الدولة الإسلامية في العراق»، قد ظهرت بإيعاز من الظواهري، كنتيجة لتغيير اسم الإمارة القديمة للقاعدة إلى بلاد الرافدين (جماعة الزرقاوي سابقًا). 

والأمر المُحير أكثر من ذلك، أن كل التغييرات الجذرية التي قام بها «داعش» قد تم التخطيط لها، وإرساء مفاهيمها منذ زمن بعيد من قِبَل القاعدة! بما في ذلك التغيير الأكثر جذرية ومفاجأة، والمتعلق بتدمير الحدود السورية العراقية، وإعلان إعادة إحياء الخلافة، تحت مسمى «الدولة الإسلامية».

بالفعل، كان هذا الأمر غير المسبوق الذي أحدث مفاجأة وصدى مدويًا، في يونيو 2014، بإقامة الدولة الداعشية المزعومة التي تمتد على رقعة واسعة من الأراضي على جانبي الحدود السورية العراقية، قد تم وفق التوصيات والتعليمات التي وردت في كتاب بعنوان «إدارة التوحش» صدر عام 2006، والذي لم يكن مؤلفه شخصية محيرة وغامضة ليست سوى المسؤول التاريخي للاستراتيجية العسكرية في القاعدة، سيف العدل.

إلى جانب ذلك، نجد أن مقتطفات عدّة من كتاب «إدارة التوحش» قد وردت مرفقة بعشرات الرسائل التي أرسلها أسامة بن لادن، بعد اندلاع «الربيع العربي»، إلى قادة جهاديين في المغرب العربي وسوريا والعراق ودول الخليج واليمن.

في رسائله المتبادلة مع أيمن الظواهري، اقترح بن لادن أيضًا تغيير اسم القاعدة، التي فقدت مصداقيتها وسمعتها، وفقًا لكلامه؛ بسبب الشيطنة التي مارستها تجاهه وسائل الإعلام الدولية التي تناهض معظمها الحركات الجهادية.

وفي الدفتر الصغير الذي اعتاد بن لادن أن يكتب فيه أفكاره ومشروعاته الجهادية، خلال الأشهر الأخيرة من حياة التخفي التي عاشها، ذكر زعيم القاعدة السابق مجموعة من الأسماء التي يمكن أن تكون خلفًا لتنظيم القاعدة، ومن بينها: تنظيم إعادة الخلافة الراشدة.

في ضوء كل ذلك، نرى بوضوح كيف أن ظهور «داعش» لم يكن ليُشكل أمرًا مباغتًا لـ«الظواهري»، لا من حيث الاسم الذي اختاره لنفسه، ولا عبر استراتيجية «إدارة التوحش» التي تبناها!

لماذا إذن ترك الظواهري الأمور تخرج عن نطاق سيطرته، مجازفًا بخطر فقدان زعامته للجهاد العالمي؟ أم هل كان هذا التراجع التكتيكي لصالح «داعش»، مندرجًا في «استراتيجية الالتفاف» التي يعشقها الظواهري؟ وهي الاستراتيجية التي دائمًا ما لجأ إليها، منذ اندماج تنظيمه «الجهاد المصري» مع منافسته «الجماعة الإسلامية»، ثاني أكبر التنظيميات الجهادية في مصر، عام 1987، ثم مع القاعدة، عام 1991.

هل توقع «الظواهري» سلامًا بأن المشروع الداعشي سوف يستقطب ضده هجومًا شرسًا من قِبل القوى الكبرى الإقليمية والدولية؟ هل تنبأ بأن دولة الخلافة الداعشية المزعومة سينتهي بها الأمر سريعًا بالغوص في الرمال المتحركة للشرق الأوسط، الذي بات أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى؟

إن مسارعة الفرع السوري للقاعدة، «جبهة النصرة»، بالتحول إلى «جبهة فتح الشام»، فور ظهور الإشارات الأولى لاندثار «داعش»، في يوليو 2016، تُشكل أحد الدلائل الأقوى التي تفضح «استراتيجية الالتفاف» التي أطلقها سرًّا أيمن الظواهري، قبل عامين من ذلك.

بإعلان انفصالهم بـالتراضي عن القاعدة، نرى أتباع الظواهري السابقين داخل «جبهة النصرة» قد أعادوا تنظيم أنفسهم ليظهروا على أنهم التنظيم الكبير الجديد للجهاد في بلاد الشام، وأنهم التنظيم الأفضل والأكثر أهلية لاستقبال الفلول الجهادية المحلية، المعارضة لـ«داعش» أو المنشقة عنه، وذلك فور انفجار الفقاعة الداعشية، تحت وقع الضربات المزدوجة للتحالف الغربي والتحالف الايراني - الروسي المساند للنظام السوري.

إن تطورات الأحداث خلال الأشهر المقبلة على الساحة السورية، وبشكل أعم في الشرق الأوسط، ستبين إلى أي مدى ستكون هذه الاستراتيجية مربحة، وفي ضوئها سيتحدد هل ستنجح القاعدة في أن تنبعث، كما يأمل زعيمها، كالعنقاء من رماد «داعش»؟!

"