يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

تأثير العقوبات الغربية على الاقتصاد الروسي.. هل تنجح المساندة الصينية في المواجهة؟

الإثنين 07/مارس/2022 - 06:51 م
المرجع
محمود البتاكوشي
طباعة
يتعرض الاقتصاد الروسي لضغوط كبيرة؛ إثر العقوبات السريعة التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، في محاولة لإيقاف العملية العسكرية الروسية على أوكرانيا.

فور بدء العملية العسكرية الروسية، فجر 24 فبراير 2022، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي، مجموعة من العقوبات الاقتصادية على موسكو، إذ فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على 27 شخصية ومنظمة روسية تشمل بنوكًا، إضافة إلى تقييد وصولها إلى أسواق المال الأوروبية، وتقييد تجارتها مع الاتحاد الأوروبي.

وأعلنت واشنطن إجراءات تقييدية ضد موسكو، تشمل حظر كامل على مؤسسة VEB الروسية وبنكها العسكري، في محاولة للتأثير على قدرة الدب الروسي على تمويل عملياته العسكرية، فضلًا عن تطبيق عقوبات شاملة على الدين السيادي الروسي، كما تم تجميد الحسابات المالية لأفراد النخبة الحاكمة وعائلاتهم.

واتفقت الولايات المتحدة مع حلفائها الأوروبيين على استبعاد روسيا جزئيًّا من النظام المالي العالمي المعروف بـ«سويفت»، وكذلك تجميد مشروع نقل الغاز «السيل الشمالي 2» بالتنسيق مع ألمانيا، فضلًا عن عزل الطيران الروسي، ومنعه من التحليق فوق الأجواء الأوروبية.

تأثيرات حزمة العقوبات
 
تأثير تلك الحزمة من العقوبات على موسكو يتوقف على عاملين رئيسيين، الأول: يتعلق بقدرة الاقتصاد الروسي على الصمود أمام مثل هذه العقوبات في ظل الملامح الهيكلية لهذا الاقتصاد، والسياسات المالية التي تبنتها موسكو خلال السنوات الأخيرة لمواجهة تلك التهديدات.

أما العامل الثاني: يتمثل في قدرة الدول الغربية، خاصة دول الاتحاد الأوروبي، على الالتزام بفرض العقوبات في ظل ارتباط اقتصاداتها واعتمادها بشكل كبير على تجارتها مع روسيا، لا سيما فيما يتعلق بإمدادات الغاز الطبيعي، فضلًا عن العوامل السياسية المُتمثلة في دعم الصين لروسيا وقدرتها على استغلال الأزمة الحالية في تعزيز دورها الاقتصادي في النظام العالمي.

ومن المتوقع أن يكون تأثير العقوبات الاقتصادية على روسيا محدودًا، ولا سيما في الأجل القصير إلى المتوسط؛ نتيجة مجموعة من العوامل عززت من قدرة الاقتصاد الروسي على الصمود، أهمها: توجه روسيا نحو تعزيز شراكتها التجارية مع الصين في السنوات الأخيرة لتنويع شركائها التجاريين خارج الاتحاد الأوروبي، والتوسع في تجارتها مع بكين على وجه خاص، ليستحوذ التنين الصينى وحده على حوالي 15% من إجمالي الصادرات الروسية لعام 2020، وحوالي 24% من وارداتها، وفقًا لبيانات منظمة التجارة العالمية.

التكاتف الصينى ــ الروسي في مواجهة العقوبات

وتشكل منتجات الطاقة أكثر من نصف صادرات روسيا إلى الصين، في الوقت الذي تمثل فيه صادرات النفط حوالي خُمس الإمدادات الروسية لدول العالم، بالإضافة إلى توقيع عقود توريد غاز طبيعي بين البلدين كان آخرها العقد الذي تم الإعلان عنه في فبراير 2022 بتوريد عشرة مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًّا للصين لمدة 30 عامًا من خلال خط أنابيب غاز جديد، يصل حقول الغاز الروسية بمنطقة هيلونغجيانغ شمال شرق الصين، في ظل وجود توجه مُسبق من الدولتين بتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي في التبادل التجاري، واستخدام عملتيهما المحليتين الروبل الروسي واليوان الصيني؛ وهذا من شأنه أن يعزز من موقف الاقتصاد الروسي أمام هذه العقوبات الغربية.

ويشار إلى أن الاقتصاد الروسي يحقق فائضًا تجاريًّا سنويًّا يبلغ نحو 185 مليار دولار في عام 2021، كما تمتلك موسكو احتياطيات دولية تُقدر بحوالي 632.2 مليار دولار أمريكي بنهاية شهر يناير 2022، وفقًا لبيانات البنك المركزي الروسي، ويشكل الذهب منها حوالي 21%، ما يجعلها أقل ارتباطًا بالدولار الأمريكي، وبالتالي أقل تأثرًا بتقييد تعاملاتها الخارجية بالدولار.

وبلغ حجم احتياطي الذهب الروسي في الربع الثالث من عام 2021 حوالي 2298 طنًا، لتحتل بذلك المركز الخامس عالميًّا في حجم الاحتياطي من الذهب، حيث لجأت الحكومة الروسية إلى زيادة هذا الغطاء الذهبي في مقابل خفض استثماراتها في سندات الخزانة الأمريكية، فضلًا عن تراجع الدين الخارجي للبلاد ليبلغ في عام 2021  478.2 مليار دولار، بعد أن اقتربت قيمته في عام 2014 من حوالي 732 مليار دولار.

يذكر أن العقوبات الغربية السابقة على دول مثل كوريا الشمالية، والتي لم تصل إلى مستوى القوة الذي بلغته روسيا، اقتصاديًّا وعسكريًّا، لم تنجح في إثناء «بيونج يانج» عن خياراتها الاستراتيجية، الممثلة في امتلاك السلاح النووي، ولذلك فمن المتوقع أنها لن تثني روسيا عن قرارها بحماية أمنها القومي.

وبالرغم من ذلك قد يتعرض الاقتصاد الروسي لهزة عنيفة على المدى البعيد، بسبب اعتماد صادراته على المواد البترولية والغاز الطبيعي، ما يؤكد تأثر موسكو بحظر توريد الغاز إلى أوروبا، فضلًا عن عدم قدرة المجتمع على تحمل أعباء عقوبات اقتصادية جديدة، وذلك في ظلِّ تدهور الأوضاع المعيشية في روسيا منذ جائحة كورونا، وما قبلها جراء العقوبات التي سبق فرضها على موسكو بعد أزمة شبه جزيرة القرم.
"