يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

رامي عزيز لـ«المرجع»: الإخوان استغلوا علمانية أوروبا أسوأ استغلال

الخميس 28/يونيو/2018 - 02:47 م
رامي عزيز
رامي عزيز
حور سامح
طباعة
يقول إبراهام لينكولن (1809-1865) الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية: «تستطيع خداع بعض الناس لبعض الوقت، لكن لا تستطيع خداع كل الناس كل الوقت».

تتعدد محاولات الإخوان لإنقاذ الجماعة مما حاق بها من مصير محتوم تعانيه كل الجماعات الظلامية، فقد تبدو البدايات مشرقةً، وتشهد النشأة تعاطفًا من أي نوع، لكن سرعان ما تتبدى الحقائق، وتنكشف النوايا، وتتضح الأهداف الخبيثة، وتنجلي الحقائق التي تصير فضائح سياسية مدوية يذكرها التاريخ، ويلقي بأهلها في مزبلته للأبد.

ومهما تعددت محاولات الإخوان وتلونهم كالحرباء، واتباعهم مبدأ الجبن السياسي، أو «التقية» كما يطلقون عليه؛ لحين تمكنهم، وبسط نفوذهم، واستيلائهم على السلطة، فإن سياساتهم باتت مكشوفة للجميع، ولا ينخدع بها سوى السُّذَّج والجهلة ممن لا يفضلون العيش على أوهام الجماعة وأفكارها الظلامية، رافضين أن يغمر ضوء الحقيقية ليل ضلالتهم، ويطرد من عقولهم خفافيش الجماعة التي تروج بالدين، وتغري بالمال والمنصب، لتتسلل بين المجتمعات الأوروبية بنعومة الأفاعي مستغلةً كل من له صلة بالإسلام كروابط الجاليات المسلمة والجمعيات الخيرية والمنظمات التي تسمح بها أوروبا من باب التنوع الخلاق. 

هدية ثمينة قدمتها القارة العجوز لمن استغلها أسوأ استغلال، فدفعت أوروبا ثمنًا باهظًا لعلمانيتها من دماء أبنائها في العديد من العمليات الإرهابية، التي شهدتها الدول الأوروبية مؤخرًا، وآمنت أخيرًا بالخطاب المصري المحذر من خطورة هذه الجماعة، والمناشدة بعدم الانخداع بالمظلوميات التي تروجها أبواقها وفعالياتها المناهضة للدولة المصرية؛ لاستعطاف الرأي العام الأوروبي، الذي اتضح جليًّا أمامه مدى تأثير فكر الإخوان المتطرف على عقل المجتمع الأوروبي!

وفي مطلع شهر يونيو 2018 عقد بمعرض لشبونة الدولي للكتاب مؤتمر «خطورة جماعة الإخوان المسلمين على أوروبا»، تحت رعاية جامعة لشبونة المستقلة والأكاديمية العليا لعلوم الشرطة والأمن الوطني؛ ما يوضح إدراك أوروبا لخطورة الإخوان، وحاضر في ذلك المؤتمر رامي عزيز الباحث في شؤون الحركات الإسلامية في روما، ومعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، الذي حاوره «المرجع» لكشف حجم الخسائر التي يوجب على أوروبا تكبدها جراء سماحها للإخوان بالتوغل أكثر في بلادها، ومدى تأثير الفكر الإخواني في العقلية الأوروبية، وتحويلها من عقلية منفتحة إلى متطرفة، فضلًا عن تجنيدها للعمل ضد مصالح أوروبا ذاتها، وغير ذلك من تفاصيل في الحوار التالي:

* بداية.. ما حجم وجود الإخوان في روما؟
الإخوان لهم حضور في كل دولة أوروبية تقريبًا، وبالرغم من أن الكتلة النشيطة للإخوان في إيطاليا تقع في الشمال تحديدًا في مقاطعة لومبارديا الغنية (تعد العاصمة الاقتصادية لإيطاليا)، فإنه في روما يقع المقر الرئيسي لاتحاد الجاليات والهيئات الإسلامية في إيطاليا؛ لأن روما هي العاصمة التي تقع بها مقرات الحكومة المركزية والبرلمان. 

* كيف يتواصل الإخوان مع الجاليات المسلمة في إيطاليا؟ وما مدى خطورتهم على أوروبا بشكل عام؟
هناك طرق عديدة للتواصل مع الجاليات المسلمة من جانب الإخوان؛ بهدف الاستحواذ على تلك الجاليات وأخونتها، ومن ثم تجنيد مَن يصلح منها، وضمه للجماعة، ومن هذه الوسائل، المساجد والمدارس الإسلامية ومحلات الأكل والزي الإسلامي، وكل ما له علاقة بالإسلام، أشياء كهذه قد تبدو عادية لا خطورة فيها، لكن الخطر يكمن في طريقة استغلالها، والهدف من وراء ذلك؛ إذ إنها تعد أهم الأدوات الناعمة التي يتم من خلالها جذب الجاليات المسلمة نحو عملية الأخونة غير المباشرة.

لذا لا يتعجب أحد من كون المتحدث الرسمي لتلك الجاليات أمام الحكومات والبرلمانات الأوروبية هو المتحدث الرسمي لجماعة الإخوان ذاتها!

وقد نجحوا إلى حدٍّ كبير في لعب مثل هذا الدور في بلدان كبرى، مثل ألمانيا وبريطانيا، وخطورتهم على أوروبا بشكل عام أنهم ينشرون التطرف والتعصب بين المجتمعات، ويحرضون ويروجون خطاب الكراهية، الذي يجد له آلاف الآذان المصغية، المستعدة لتطبيق الفكرة، وتطويرها لعمل تخريبي؛ ما يخلق مشكلات جمة تتعلق بالإرهاب والتطرف في هذه المجتمعات.

* كيف -والوضع بهذه الخطورة- تتعامل الدول الأوروبية مع الإخوان في أراضيها؟ 
أوروبا قارة علمانية بمعنى أن الدساتير والقوانين هنا في البلدان الأوروبية تفصل بين الدين والدولة، وتضمن دساتير وقوانين تلك البلدان الأوروبية حرية ممارسة العقيدة لأي شخص دون أي قيود، وتوفر له حرية بناء دور العبادة اللازمة لذلك دون أي مشكلات، والمؤسسات التابعة للإخوان تتمتع بالمعاملة نفسها، التي يضمنها الدستور والقانون لكل المؤسسات الأخرى، كما أن الاتحاد الأوروبي يوفر بعض الدعم المالي لمؤسسات المجتمع المدني العاملة في الفضاء الأوروبي، وتحصل جمعيات ومؤسسات الإخوان التي ينطبق عليها الشروط على مثل هذه التمويلات.
رامي عزيز لـ«المرجع»:
* إذن علمانية أوروبا تقيدها في مواجهة خطر الإخوان.. أليس كذلك؟
الدول الأوروبية تعاني من مشكلة كبيرة فيما يتعلق بمواجهة الإخوان، فأوروبا لديها تشريعات وقوانين ضامنة للحريات بشكل كبير، وهي الثغرة التي تدخل منها جماعات الإسلام السياسي بشكل عام وعلى رأسها طبعًا جماعة الإخوان، هذه القوانين والتشريعات تقيد أوروبا بالفعل وتضعها في منطقة رمادية لا تستطيع من خلالها منع عمل الإخوان فضلاً عن حظرها أو تقييد حرية نشاطها، ويوجد خلاف حول تصنيفها، فبعض الأجهزة الاستخباراتية الأوروبية ومراكز الأبحاث تصنف الجماعة على أنها جماعة متطرفة ولكن «غير إرهابية» ما يمنعهم من اتخاذ خطوات جدية تجاه حظر أو منع الجماعة من ممارسة أنشطتها.

وفي ظل تلك القوانين والتشريعات والدساتير، قد يكون المستقبل في أوروبا للأسف لصالح الإخوان، وذلك نتيجة لعدد من العوامل المتشابكة كزيادة معدلات الهجرة من الدول الإسلامية والشرق الأوسط، وانخفاض معدلات المواليد الأوروبية، وغياب كيانات إسلامية معتدلة فاعلة في الدول الأوروبية.

* يروج الإخوان خطاب المظلومية عادة فهل تستمع له أوروبا وتصدقه بالفعل؟ وهل انتشرت الإسلاموفوبيا في المجتمعات الأوروبية أم أنها شائعات يروجها الإخوان لأنصارهم؟ 
خطاب المظلومية لدى الإخوان ولعب دور الضحية، من أهم الأدوات التي تستخدمها الجماعة منذ أن حطوا رحالهم على أرض أوروبا في نهاية خمسينيات القرن العشرين، ومازال هذا الخطاب هو الورقة الرابحة لهم، مثال على ذلك عندما فشل الإخوان في اغتيال عبدالناصر في ١٩٥٤، وأدى ذلك لتعرضهم للسجن والتنكيل من قبل عبدالناصر، أتوا إلى أوروبا وادعوا المظلومية حتى يحصلوا على حق اللجوء في هذه الدول، ومنذ ذلك اليوم المشؤوم وحتى يومنا هذا لم يتوقف الإخوان عن ارتكاب الجرائم ولعب دور الضحية لكسب تعاطف الحكومات الغربية.

وتبقى التخوفات تجاه المسلمين أو ما يعرف بالإسلاموفوبيا أمرًا محدودًا، ولكن جماعة الإخوان في أوروبا تحاول التضخيم من هذا الأمر لإخراس وإسكات كل الأصوات التي تحاول مواجهة فكرها المتطرف وتصوير الأمر على أن مواجهة الإخوان هي مواجهة للإسلام كدين. 

* نحن في مصر على يقين بأن الإخوان هي الجماعة الأم لغيرها من الجماعات الإرهابية.. فهل تتبنى أوروبا نظرة مغايرة؟ وما هي؟
- أدركت أوروبا ذلك مؤخرًا، وآمنت برؤية الخطاب المصري ونظرت لتحذيراته بعين الاعتبار، خاصة بعد تزايد العمليات الإرهابية على أراضيها، والتي أعلن تنظيم داعش الإرهابي عن مسؤوليته فيها.

وبدأت لجان تقصي الحقائق تتوصل إلى حقيقة أن كل الجماعات الإرهابية خرجت من رحم الإخوان إلا أن تلك اللجان خلصت إلى الإخوان في حدِّ ذاتها متطرفة لكنها ليست إرهابية.

* هل من الممكن أن يعيد التنظيم الدولي للإخوان الحياة للتنظيم في مصر؟ وهل الإخوان انتهوا؟
في ظلِّ الظروف الراهنة في مصر مع وجود الرئيس السيسي كرئيس لمصر، وفى ظل وجود الرئيس ترامب كرئيس للولايات المتحدة، وحالة الحصار المفروضة على قطر لا أعتقد أن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين سيكون قادرًا على إعادة إحياء التنظيم في مصر، على الرغم من كل الظروف التي تواجهها الجماعة ولكن من الصعب القول بأن التنظيم قد (انتهى)، فجماعة الإخوان قائمة على أفكار، والأفكار قد يقل عدد معتنقيها ولكنها لا تموت، والقضاء على الفكرة في مهدها يتطلب الكثير من الجهود التنويرية والتحذيرية من خطورتها.

*أخيرًا.. ما توصيات الباحث في معهد واشنطن لدرسات الشرق الأدنى للتعامل مع الجماعة؟
توصياتي في هذا الصدد بسيطة ويمكن تنفيذها بسهولة إذا توافرت الإرادة الجادة، فيجب بناء كوادر من الباحثين والخبراء المتخصصين في الإسلام السياسي والعمل مع نظرائهم الأوروبيين في أوروبا والحديث مع الحكومات والبرلمانات والمؤسسات الأوروبية والغربية بشكل عام والتوعية بخطورة الإخوان على مستقبل أوروبا، والتحذير من التعامل مع المؤسسات والاتحادات الإخوانية على أنها الممثل والمتحدث الرسمي باسم مسلمي أوروبا.

كذلك يجب بناء كوادر من رجال الدين المعتدلين قادرين على تقديم نسخة معتدلة من الإسلام وسط المجتمعات المسلمة في أوروبا؛ لإنقاذ تلك المجتمعات المسلمة الموجودة في أوروبا من فخ الأخونة على أيدي أئمة وخطباء ومساجد الإخوان والتيارات الإسلامية الأخرى.
"