يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

وهم إلغاء «لوزان».. أردوغان يعترف أمام أتاتورك بأطماعه الاستعمارية «1-4»

الثلاثاء 28/يوليه/2020 - 10:59 ص
المرجع
محمود البتاكوشي
طباعة
وقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، منذ أيام قليلة أمام ضريح مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، ليخبره في فيديو متداول عن مخططه المسبق للسيطرة على ثروات البحر المتوسط من سوريا وحتى ليبيا، قائلًا: «أتاتورك العزيز، نحن أعضاء هذا المجلس نقف أمام ضريحك بمناسبة اجتماع مجلس الشورى العسكري الأعلى لعام 2020. حيث نواصل العمل من أجل تحقيق الأهداف المنشودة لعام 2023 للجمهورية التركية التي أسستموها وأوكلتموها لنا». 


وهم إلغاء «لوزان»..
خارج نطاق الزمن

وأضاف أردوغان، في كلماته التي تبدو خارج نطاق الزمن بالفعل: إن «الإنجازات التاريخية التي حققناها على جبهات مختلفة بدءًا من سوريا وليبيا ووصولًا إلى شرق البحر المتوسط ​​ومكافحة الإرهاب تظهر بوضوح قوة بلدنا وقدرات جيشنا».

وفي اليوم التالي على كلمات أردوغان أمام ضريح أتاتورك صعد رئيس الشؤون الدينية في تركيا، علي أرباش، منبر آيا صوفيا بمدينة إسطنبول، حاملاً سيفًا بيده، وهذه عادة عثمانية ابتدعها السلطان محمد الفاتح في الجامع الكبير بمدينة أدرنة، قبل فتح إسطنبول، واتبعه السلاطين تباعًا وذلك إيذانًا بإحياء الدولة العثمانية من موتها.

وبربط المشهدين معًا تظهر حقيقة الأطماع التركية في دول الجوار، وتؤكد أن أردوغان يحاول تجديد البالي وترميم المتهالك وتصدير نشوة النصر للأتباع لتقبيل اليد التي افتتحت المسجد، ودعم اليد الأخرى في تفتيت المنطقة والوصول لأهداف الدولة التركية في 2023، وتحقيق حلم إلغاء معاهدة لوزان وتطبيق الميثاق الملي، ففي نهاية الحرب العالمية الأولى 1918، تكبدت جيوش الدولة العثمانية الهزيمة أمام الحلفاء (بريطانيا، وفرنسا)، وأجبر قادة إسطنبول على توقيع «هدنة مودروس» مع أعدائهم، وبعد غزو اليونان لمدينة إزمير في 16 مايو 1919، أكد مصطفى كمال أتاتورك أن وحدة تركيا أصبحت على المحك، وأن الحكومة العثمانية في إسطنبول ضعيفة وعاجزة عن الدفاع عن مصالح الشعب التركي.

وترأس المؤتمر الوطني في مدينة أرضروم، واتخذ مجموعة قرارات حاسمة، أهمها تشكيل حكومة جديدة تكون هي المتحدثة باسم تركيا بدلًا عن حكومة إسطنبول العثمانية، في 28 يناير 1920 أعلن عن الميثاق الملي، باعتباره وثيقة ترسم الحدود الجديدة لتركيا بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية. 


وهم إلغاء «لوزان»..
احداث تاريخية متلاحقة

 اعترف «الميثاق الملي» بخسارة الأتراك للولايات العربية، ولكنه استثنى إقليم كردستان بالكامل. إضافة إلى شمال سوريا (وعاصمته حلب)، وشمال العراق (وعاصمته الموصل)، حيث اعتبر الميثاق تلك المناطق جزءًا من الدولة التركية الجديدة، باعتبار أن أغلبية سكانها من الناطقين بالتركية، وهو ما تكرر من قبل «الميثاق الملي»، عندما اعتبر تراقيا الغربية، وجزر بحر إيجة، إضافة إلى جزيرة قبرص بالكامل جزءًا كذلك من تركيا، وللأسباب نفسها. 

أثارت الخريطة المنبثقة عن «الميثاق الملي» غضب الحلفاء، وقامت القوات اليونانية بالهجوم على الخط الغربي من الأناضول في 3 مارس 1920، بينما احتل الحلفاء العاصمة العثمانية إسطنبول في 19 مارس.


ونتيجة لتلك الأحداث المتلاحقة، وقعت الحكومة العثمانية في إسطنبول «معاهدة سيفر» مع الحلفاء في أغسطس 1920، وأصبحت حدود تركيا، لا تتجاوز منطقة الأناضول، وتراقيا الشرقية دون الغربية، مع تقسيم الأقاليم العربية في سوريا والعراق، بما فيها مدن حلب والموصل، وكردستان العراقية والسورية بين بريطانيا وفرنسا.



وهم إلغاء «لوزان»..
معاهدة سيفر

رفض مصطفى كمال ورفاقه من القوميين الأتراك «معاهدة سيفر»، وأعلن من «الجمعية الوطنية التركية» التي كان قد ألفها منذ أبريل 1920، عدم اعترافه بالحكومة العثمانية في إسطنبول متهمًا إياها بخيانة الميثاق الملي، ثم شكل حكومة جديدة في أنقرة، وأعقب ذلك اندلاع حرب الاستقلال التركية اليونانية، التي انتهت في 11 أكتوبر 1922 بانتصار الجيش التركي.

وتوجه وفد برئاسة عصمت إينونو إلى مفاوضات السلام الجديدة في مدينة لوزان جنوب سويسرا، الذي ربط توقيعه على المعاهدة بالموافقة على بنود «الميثاق الملي»، الأمر الذي قوبل بالرفض من قبل الحلفاء فرضخ أتاتورك للأمر الواقع ووقع على اتفاقية لوزان في 24 يوليو 1923، مقابل منح تركيا حكم مدينتي قارص وأردا خان، بينما خرجت باطوم من السيادة التركية.

لكن مصطفى كمال أتاتورك حاول لاحقًا استعادة ما فقده في «لوزان»، ففي عام 1939، أقدم على احتلال لواء الإسكندرونة السوري بعد تسويات سياسية مع حكومة الانتداب الفرنسي في دمشق، ولا يزال اللواء محتلًا من قبل تركيا إلى اليوم تحت اسم يمسخ هويتها الأصلية، وهو هاتاي، وفي عام 1974، قام الجيش التركي باحتلال شمال قبرص، مؤسسًا لما يعرف بجمهورية شمال قبرص التركية، التي لا يعترف بها أحد حتى الآن سوى تركيا نفسها. 

في عام 1990 حاول «تورغوت أوزال» احتلال شمال العراق وضمّه إلى تركيا أثناء حرب الخليج الثانية، كما أطلق شعار «الأدرياتيك إلى سور الصين» عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، مستغلًا تفككه .

وصار على دربه الرئيس التركي السابق عبدالله جول الذي يعد أول من استخدم مصطلح العثمانية الجديدة ومن أهم مؤسّسي حزب العدالة والتنمية إذ قال: أرى أن النقاشات حول مفاهيم مثل الجمهورية الثانية أو العثمانية الجديدة صحية جدًا. 

بدوره أكد أحمد داوود أوغلو، رئيس وزراء تركيا السابق، أن سبب مشكلات السياسة الخارجية التركية هو الفشل في الانسجام مع الإرث العثماني من أجل تشكيل أرضية سياسية خارجية ملائمة لرسم سياسات جديدة، قائلًا نحن لنا إرث باقٍ من العهد العثماني، يقولون عثمانية جديدة، نعم نحن عثمانيون جدد، نحن يتحتم علينا الاهتمام بدول منطقتنا، كما الاهتمام بدول شمال أفريقيا، كما هي إنجلترا زعيمة لكومنولث إنجليزي من مستعمراتها السابقة، فلماذا لا تقيم تركيا من جديد زعامة في الأراضي العثمانية السابقة في البلقان والشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
 
وفي 27 أبريل 2012 أعلن أوغلو في خطاب أمام البرلمان أن تركيا ستقود موجة التغيير في الشرق الأوسط، لتحديد مستقبله.

كما رد أردوغان على منتقدِي تدخّل تركيا في الشأن السوري قائلاً: "يسألوننا عن أسباب انشغالنا بسوريا، الجواب بسيط للغاية لأننا بلد تأسس على بقية الدولة العلية العثمانية. نحن أحفاد السلاجقة. نحن أحفاد العثمانيين، نحن على امتداد التاريخ أحفاد أجدادنا الذين ناضلوا… إنّ حزب العدالة والتنمية هو حزب يحمل في جذوره العميقة روح السلاجقة والعثمانيين، إنّ الشعب السوري أمانة أجدادنا في أعناقنا، وسنصل إلى كل نقطة وصل إليها أجدادنا على ظهور الخيل وسنهتم بها.

لذا تلويح أردوغان باستعادة «الميثاق الملي»، يعتبر امتدادًا لما قام به أسلافه والفارق بينهما أنه وسع عمليات الاستعادة تلك، بالهجوم العسكري على سائر البقاع المفقودة من خريطة «الميثاق الملي» في وقت واحد، حيث تمتلك تركيا القواعد العسكرية في شمال العراق، بينما تنفذ بصورة دورية عمليات عسكرية ضد الشمال السوري تمهد لسلخه تمامًا عند رسم القوى الكبرى لخارطة سوريا المستقبلية، وفي بحر إيجة، لا يتوقف سلاح الجو التركي عن التحرش بالقواعد العسكرية اليونانية فوق الجزر الإيجية. وفي قبرص، تتزايد عمليات التتريك للشمال القبرصي وطمس هويته الإثنية. 

وليس سرًا أن جمعية مركز المدافعين عن العدالة للدراسات الإستراتيجية ASSAM التي يرأسها عدنان تانفيردي، حاولت الترويج لفكرة اتحاد إسلامي بقيادة أردوغان، خلال مؤتمر الاتحاد الإسلامي عام 2019 معترفًا أنه يمهد الطريق للمهدي الذي ينتظره العالم الإسلامي بحلول عام 2023.

وتنفيذًا لهذا المخطط أعد ASSAM ، الذي يعتبر العقل التنظيمي لمشروع أردوغان في توظيف شعارات الإسلام السياسي وتشكيلات الإخوان من أجل الترويج لكونفدرالية إسلامية يرأسها خليفة مقره إسطنبول، دستورًا لدولة كونفدرالية إسلامية عاصمتها إسطنبول ولغتها الرسمية هي العربية، ويحتوى على بند خاص عن رئيس الدولة الكونفيدرالية الذي هو في الحقيقة الخليفة المزعوم.

وتُظهر قائمة الدول التي تحلم القيادة التركية بأن تكون كونفدرالية الخلافة التي يؤمها أردوغان، 61 دولة بينها 12 دولة من الشرق الأوسط هي البحرين والإمارات وفلسطين والعراق وقطر والكويت ولبنان وسوريا والسعودية وعُمان والأردن واليمن، ومن دول شمال أفريقيا تضم القائمة الجزائر وتشاد والمغرب وليبيا ومصر وتونس.
"