يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad
أحمد يوسف
أحمد يوسف

د. أحمد يوسف يكتب: شهادة نابليون على الحملة الفرنسية

الثلاثاء 19/مايو/2020 - 10:42 م
طباعة
- جان تيولار: لو لم يحكم نابليون مصر لما أصبح إمبراطورًا على بلاده
- رسائل حافلة بالأحاسيس لزوجات الجنرالات القتلى بمعارك الشرق
- وثيقة خطيرة من باريس تكشف نية نابليون بعد عودته إرسال أسطول لنجدة الجيش الفرنسي في مصر

مقدمة المترجم
ظل التأريخ للحملة الفرنسية على مصر (١٧٩٨ – ١٨٠١) معتمدًا على مذكرات الساسة والجنرالات الذين عاشوا في عصرها، وكذلك على وثائق وأرشيفات للإدارات والحكومات المختلفة في مصر وتركيا وإنجلترا وفرنسا وغيرها، إلا أن أحدًا لم يفكر في إعطاء الفرصة لقائد الحملة الفرنسية وهو نابليون بونابرت للإدلاء بشهادته أمام محكمة التاريخ، وإلقاء الضوء على مناطق الظل التي ما زالت تحتل مساحات كبيرة من تاريخ الحملة.

وعندما أفرجت وزارة الدفاع الفرنسية قبل نحو عشر سنوات عن الأوامر العسكرية التي وقعها بونابرت في القاهرة طوال فترة إقامته في مصر، والممتدة من يوليو ١٧٩٨ وحتى أغسطس ١٧٩٩ تم هذا بالتنسيق العلمي مع مؤسسة نابليون في باريس، ومع دار النشر الفرنسية الكبيرة فايار من أجل إصدار هذه الأوامر في مجلد واحد، وهو ما شكل حدثًا علميًّا كبيرًا في حد ذاته، إذ تجمعت لدينا ولأول مرة شهادة بونابرت عن الوقائع الحربية، وكشف لنا هذا القائد العسكري الكبير عن مكنونات نفسه ومشاعره تجاه جنرالاته وجنوده وتجاه –وهذا ما يخصنا على نحو أهم– الشعب المصري برجاله وشيوخه ونسائه، ليفتح لنا بذلك الباب على مصراعيه من أجل إعادة النظر في تاريخ هذه الفترة في حياة مصر؛ خاصة أن هذه الفترة تشكل نقطة انطلاق مصر للدخول في العصر الحديث، والتخلص من نحو أربعة قرون من الاحتلال العثماني الذي كان قد حولها إلى مجرد إقليم داخل الإمبراطورية، وحول المصريين إلى مجرد رعايا للسلطان في الباب العالي.

والواقع أن الكتاب الضخم الذي أصدرته دار فايار، ويحوي جميع الأوامر العسكرية تحت اسم «المراسلات»، ما هو إلا جزء من مشروع كبير لنشر كل مراسلات نابليون منذ دخوله في الجيش وحتى وفاته منفيًا في سانت هيلانة عام ١٨٢١، ولم يحتل الجزء المصري فيها سوى المجلد الثالث الذي يبلغ عدد صفحاته نحو ألف وسبعمائة صفحة.

وإنني لمدرك كل الإدراك مدى أهمية هذه الترجمة التي شرعتُ فيها، واستغرقتُ أكثر من عام للقارئ وللباحث العربي في كل مكان في الوطن العربي الكبير، وليس فقط في مصر، ذلك أن هذه الأوامر وإن كانت تخص المصريين فإن جزءًا كبيرًا منها قد وقع خلال الحملة على الشام في أبريل ومايو من عام ١٧٩٩، ورأينا فيها رسائل تم توقيعها في العريش وغزة وصيدا والناصرة وعكا ويافا وغيرها.

كما أن هناك مراسلات وقعها بونابرت في القاهرة إلى شريف مكة، وسلطان عمان، وسلطان المسلمين بالهند وغيرهم.

وأعتقد جازمًا أن هذه الترجمة ستغير ليس فقط من نظرتنا إلى الحملة الفرنسية ككل، وكمشروع استعماري مبكر سيكون نموذجًا فيما بعد لهجمات استعمارية أوروبية أخرى على مصر والعالم العربي، بل ستغير أيضًا نظرتنا إلى شخصية نابليون بونابرت المعقدة والمركبة، والتي يرى الكثيرون –ومنهم المؤرخ الفرنسي الكبير جان تيولار– أن هذا القائد الشاب والذي قد احتفل في القاهرة بعيد ميلاده التاسع والعشرين قد انتابته طموحات الإمبراطورية عندما كان مجرد حاكم على مصر، أنه لو لم يكن حاكمًا على المصريين لما أصبح إمبراطورًا على الفرنسيين.

ومن أشد المراسلات إثارة تلك التي تتبدى فيها وساوسه تجاه جنرالاته، وتتجلى فيها أشد منازع الوحشية في حروبه ومشاعر العطف والإنسانية وعشق الحرية تجاه نفس الشعوب التي مارس ضدها أبشع أنواع البربرية في ميدان القتال، ربما يحتاج هذا إلى بعض الجهد من علماء النفس لمعرفة سر هذا التناقض الخطير في شخصية الرجل القادم من أعماق حواري أجاكسيو بكورسيكا، ليزلزل عروشًا ويبني إمبراطوريات، ولعل ما قاله ليون لوا في كتابه «روح نابليون» «إن النور لا يأتي إلا من النار».

بعض الملاحظات الفنية على منهج الترجمة:
حتى يفهم القارئ اللغة الفرنسية التي استخدمها بونابرت في مراسلاته، وحتى يمسك بصورها وأخيلتها التي تعمد بونابرت استخدامها في أوامره، وحتى يتمكن –وهو الأهم– من فك شفرة المصطلحات العسكرية في ذلك العصر، بل والمصطلحات العربية ذاتها، رأيتُ أنه من الضروري التوسع في الشرح والهوامش، وإضافة مصطلح (المترجم) في كل مرة أضيف فيها من عندي وكل مرة أعطي تفسيرًا لما قد يستغلق على القارئ العربي لبعض شروح الناشر الواردة في الهوامش.

اتبعتُ في هذه الترجمة –بشكل عام– منهج الترجمة الحرفية مع تقديم ذلك في صياغة عربية سلسلة لا تجعل من نصوص الأوامر العسكرية نصوصًا خالية من الحياة ذلك، وإن كانت عسكرية الموضوع والمعنى والأسلوب، إلا أنها قد كتبت تحت وطأة السلاح، وتحت نيران المدافع، وأثناء زحف الجنود تحت قيظ شمس لم يعرفوها طوال حياتهم، وكان بونابرت نفسه يتجاوز الأسلوب الجاف المباشر في الكتابة العسكرية إلى شكل فضفاض يسع المشاعر والأحاسيس الحزينة عند كتابته لزوجات الجنرالات الذين سقطوا في معاركه في الشرق.

قد يلاحظ القارئ بعض الاختلاف في التسلسل التاريخي للمراسلات بل وبعض الإضافات الموجودة برسائل كان قد وقع عليها بونابرت، وقد عنينا في كل مرة إلى لفت نظر القارئ إلى السبب، وهو أنه كانت لديه سكرتارية هائلة من الكتبة والمترجمين، وكان اختلاف الكتبة على الرسالة الواحدة أحيانًا ومعاودته لإضافة ما قد يجد في موضوع الرسالة قبل إرسالها.

عُنينا أيضًا في هذه الترجمة بوضع أغلب المصطلحات العسكرية في لغتها الأصلية بجانب ترجمتها، وكذلك أسماء الأشخاص وبعض الأماكن غير المألوفة في اللغة العربية، وذلك لإتاحة الفرصة للباحثين والمؤرخين لمزيد من البحث والتنقيب عن هذه الشخصيات.

جدير بالذكر، أن هناك مراسلات لم يوقعها بونابرت في مصر، وإنما في باريس عند عودته، واخترنا أن نضيفها إلى المراسلات؛ لأن موضوعاتها تمس مصر بشكل مباشر، ولعلها من أخطر هذه المراسلات؛ لأنها دلت على مدى الاهتمام الذي أولاه بونابرت عند عودته لفرنسا، وقد أصبح قنصلًا عامًا، وعليها تكشف عن خططه لإرسال أسطول جديد لنجدة الجيش الذي كان قد تركه في مصر.

وأخيرًا
إنني لا يمكنني أن أترك القارئ في هذه الرحلة الطويلة والعجيبة مع بونابرت في مصر دون أنوه إلى الجهد الكبير الذي بذله العلامة الدكتور محمد الشرنوبي الأمين العام للمجمع العلمي المصري على مراجعته الوافية لهذا المتن الكبير، وأشكره كل الشكر على دماثة أخلاق العلماء التي تحلى بها، وحلى بها مرارة ومشقة هذا العمل.

كما أشكر معهد الآداب والمخطوطات في باريس برئاسة مسيو جيرار لاريتيه، الذي لولا الجائزة التي منحها للمجمع لتمويل هذه الترجمة لما أمكن القيام بها، وكذلك أشكر كل الشكر الصديق كريستيان جيرو مدير معرض الكتاب بمدينة نيس الذي كان حلقة الوصل بين المجمع العلمي المصري والمعهد الفرنسي للآداب والمخطوطات.

وفي النهاية أشكر ابني محمد صبحي على الجهد الكبير الذي بذله في كتابة الترجمة، رغم صعوبة المكان والزمان، والمثابرة على المتاعب التي قد سببتها له خلال هذه الترجمة الطويلة، بإيقاظه ليلًا، والبحث عنه نهارًا كلما كان الوقت مناسبًا لي من أجل الشروع في الترجمة.

وأخيرًا أريد أن أقول إن هذه الترجمة لن تكون كاملة إلا إذا قام المجمع العلمي بترجمة ثانية لمذكرات الجنرالات كليبر الذي توفي في القاهرة مقتولًا على يد سليمان الحلبي بعد عدة أشهر من توليه الحكم، عقب مغادرة بونابرت مصر، وكذلك البحث عن مذكرات الجنرال مينو آخر جنرالات الجيش الفرنسي في مصر، وذلك حتى تكتمل الحلقة، وتكون المذكرات الثلاث للجنرالات الذين حكموا مصر متاحة باللغة العربية.

يذكر أيضًا أن هناك مشروعًا آخر يقوم به المجمع العلمي المصري بالتعاون مع المركز القومي للترجمة من أجل ترجمة كتاب وصف مصر القديم، الذي قام به القنصل رييه Ryer في القرن السابع عشر، وسمى هذا الكتاب «وصف مصر»، وكانت هذه التسمية هي التسمية التي استخدمها بونابرت عندما طلب من علمائه أن ينشروا مجمل أبحاثه العلمية عن مصر أثناء إقامته بها.

إننى أرجو القارئ المصري، والباحث المصري والعربي في كل مكان أن يستفيد من هذه الترجمة، وأن تفتح له الباب واسعًا من أجل فهم حلقة معروفة وغير معروفة من تاريخنا المصري والعربي الحديث، وأخيرًا أختم بهذه العبارة للكاتب الفرنسي الكبير ستاندال، وهو يعتبر من أوائل الذين كتبوا حياة نابليون بعد وفاته حيث يقول: «Vivant Il a mangé le monde mort il l'obsède» أي أن العالم الذي أكله نابليون حيًّا أصبح مهووسًا به ميتًا.
"