يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad
رولاند لومباردي
رولاند لومباردي

التأثيرات الجيوسياسية لوباء كورونا المستجد في العالم

الثلاثاء 21/أبريل/2020 - 10:04 م
طباعة

يحلل رولاند لومباردي ، المؤرخ وعالم الجغرافيا السياسية ، أزمة فيروس كورونا وتأثيرها المحتمل على استقرار الدول الكبري.

 

منذ العصور القديمة ، تتسبب الأوبئة الكبرى التي تضرب البشرية في اضطرابات جيوسياسية ملحوظة. لقد كانت هذه الأوبئة نقاط تحول في مسار التاريخ. كان هذا هو الحال بشكل خاص مع طاعون أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد الذي أودي بحياة بيريكليس العظيم، وكان بداية لتراجع العصر الذهبي الأثيني. ويقال إن الوباء قد تسبب في وفاة ثلث سكان المدينة، والذي كان عددهم وقتذاك حوالي 200،000 نسمة. كان وباء جستنيان، بين القرنين السادس والثامن، أول جائحة طاعون معروفة من عموم اليونانيين، وقد انتشر بين سكان قارة بأكملها أو حتى أكثر. كان اصل هذا الوباء غير معروف وربما بدأ في مصر أو في آسيا الوسطى ثم انتقل عبر طريق الحرير وعلى أي حال، فقد انتشر عبر طرق التجارة الرئيسية. 

وقد تسبب الوباء في موت ما بين 25 و 100 مليون شخص وهو ما يمثل ثلث نصف سكان العالم في ذلك الوقت، كان هناك نحو عشرة آلاف حالة وفاة كل يوم في القسطنطينية، وقد خسرت المدينة في صيف واحد مايقرب من 40 % من سكانها. في بداية الطاعون ، كانت الإمبراطورية البيزنطية قوة عسكرية واقتصادية كبيرة. لكن الوباء أضعفها إلى حد كبير، وكان أحد الأسباب الرئيسية التي حالت دون إعادة بناء إمبراطورية رومانية موحدة. 

أما الطاعون العظيم في العصور الوسطى، فقد بقي محفورًا في الذاكرة الجماعية للأوروبيين. لقد أودى هذا الوباء، الذي تسببه بكتيريا تنتقل إلى البشر عن طريق البراغيث، بحياة ما يقرب من 35 مليون شخص (40 % من السكان !) بين عامي 1347 و 1353 في أوروبا المزدهرة ديموغرافيا واقتصاديًا، كانت الحرب والتجارة من أهم عوامل انتشار هذا الوباء. و كانت القوافل التجارية القادمة من آسيا هي أول من أصيب بالمرض وتأثرت المدن الساحلية الغنية والمزدهرة في حوض البحر الأبيض المتوسط مثل القسطنطينية، ميسينا، جنوة، البندقية ومارسيليا واحدة تلو الأخرى في غضون عام. في هذا الوقت تم إنشاء الحجر الصحي. لكن النتائج الاجتماعية والسياسية والجيوسياسية كانت كبيرة.

 

تسبب المرض في موت العديد من أعضاء الكنيسة الكاثوليكية الذين كانوا أول من تدخل لمواجهة الوباء في ذلك الوقت. كان تجديد الدماء في الكنيسة في الأعوام التالية متسرعًا ولم يكن بالجودة المطلوبة، وهو ما سيكون، بالنسبة لبعض المؤرخين، أحد أسباب الإصلاح البروتستانتي بعد بضعة عقود ... علاوة على ذلك تسبب الوباء الذي كان يطلق عليه الموت الأسود في القضاء علي ما تبقى من الإمبراطورية البيزنطية، التي كانت تحتضر منذ نهاية القرن الحادي عشر، والتي ستسقط في نهاية المطاف علي أيدي الأتراك العثمانيين بعد قرن من الزمان، عام 1453. 


وأخيرًا، تسبب الوباء في تباطؤ حروب الاسترداد الإسبانية وتراجع جمهوريات جنوة والبندقية. وربما بدون المرض، لكان كريستوفر كولومبوس قد حصل على تمويل من بلده الأصلي لرحلته بعد قرن من الزمان، ولكانت أمريكا الجنوبية تتحدث  الإيطالية اليوم !

 

قبل 100 عام من اليوم، أصابت جائحة الإنفلونزا الإسبانية بين عامي 1918 و 1919 ما بين ربع وثلث سكان العالم في ذلك الوقت. وعلى الرغم ان معدل الوفيات كان من 2 إلى 4%  فقط ، كانت الانفلونزا أكثر فتكًا من الحرب العالمية الأولى فقد تسببت في وفاة  25 إلى 100 مليون شخص ! جاء فيروس الأنفلونزا الاسبانية، وكان معروفًا باسم H1N1 ، نتيجة طفرة جينية لسلالات بشرية وجينات طيور حدثت في الصين. على الرغم من أن هذا الوباء كان يلقب بـالإنفلونزا الإسبانية، يبدو أنه تم استيرادة بواسطة الجنود الأمريكيين الذين بقوا في الصين في ذلك الوقت.

 

جسدت الأنفلونزا الإسبانية مثلها مثل الطاعون ذروة الحالة الوبائية في الذاكرة الجماعية، فقد كانت أكثر جائحة مدمرة في التاريخ وأثرت على الكوكب بأكمله. تسببت الأنفلونزا في وفاة أكثر من 400 ألف شخص في فرنسا و 200 ألف في بريطانيا وكاد الوباء أن يقضي علي أوروبا التي كانت قد دمرت بالفعل خلال الحرب العظمى. من أشهر ضحايا هذا المرض: الشاعر الفرنسي غيوم أبولينير والكاتب الفرنسي إدموند روستاند، والاقتصادي وعالم الاجتماع الألماني ماركس ويبر، جد دونالد ترامب،  و الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون الذي توفي خلال مفاوضات معاهدة فرساي عام 1919 وبالتالي لم يمهلة القدر فرصة التخفيف، كما كان يرغب، من العقوبات القاسية والمهينة التي فرضها كليمنصو على ألمانيا المهزومة. والآن نحن نعرف عواقب هذه القصة ...

 

إن تقدم الطب الحديث والوسائل العلمية في مجال الفيروسات والأوبئة جعلنا نعتقد أن البشرية مجهزة بشكل أفضل لمحاربة هذا النوع من الأوبئة. ولكن هذا الفيروس المجهري شل الكوكب بأكمله وقلب التاريخ رأساً على عقب. لقد هبطت الأسواق المالية في بداية العام، مع ظهور فيروس السارس-كوف -2 في الصين. يشير الانخفاض الحاد في أسواق الأسهم العالمية الأسبوع الماضي إلى أن الوباء سوف يتسبب في أزمة مالية أكثر خطورة من أزمة عام 2008. ولسوء الحظ، هذا أمر لا مفر منه فالاقتصاد الصيني معطل وهناك ما يقرب من 80% من المنتجات الصناعية التي يستهلكها العالم مصنعة في الصين أو تصنع بمكونات صينية ! لا عجب أن الدول الأكثر تضررًا من فيروس كورونا هي إيطاليا وإيران فهاتان الدولتان تربطهما علاقات قوية ببكين. من الواضح أن النشاط الاقتصادي الدولي علي حافة التوقف التام فقطاع النقل والنشاط المالي يواجهان عملية اختناق.

 

يتحدث البعض بالفعل عن انهيار غير مسبوق في سوق الأسهم، وأزمة مصرفية واسعة النطاق وركود عالمي. إذا نظرنا إلى الأرقام الرسمية، سنجد أن كوريا واليابان وسنغافورة وتايوان وهونغ كونغ وحتى الصين تمكنت من القضاء على الوباء، ويبدو أنها تغلبت على الأزمة حتى الآن. بفضل انضباطها ومنظماتها المجتمعية وتدابيرها الصارمة مثل الاختبارات واسعة النطاق وتقسيم الأماكن الأكثر حساسية والتطهير الجماعي للأماكن العامة، تمكنت الدول الآسيوية من تحجيم المرض. وقد اتخذت دول أخرى إجراءات فعالة. فقد بينت الدراسات الأولية ، إن الدول الخمس الأكثر فاعلية في التعامل مع الوباء هي: إسرائيل وألمانيا وكوريا الجنوبية وأستراليا والصين. والدول الخمس التالية هي: نيوزيلندا وتايوان وسنغافورة واليابان وهونج كونج، وهو ما يؤكد مرة أخرى ريادة الدول الآسيوية. ليست فرنسا من بين الدول الأربعين الأولي، ولا الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة. إذا كان علينا أن نظل حذرين بشأن نجاح الصين في السيطرة علي الوضع، فإن هذه الأخيرة ، بفضل إمكاناتها البشرية والتقنية، يمكن أن تنتعش وتخرج من هذه المحنة الرهيبة. هذا أمر مرغوب فيه للمستقبل حتي يمكن إحياء النشاط العالمي سريعًا. لا يوجد أي قلق على الجانب الروسي (على الرغم من أن المعلومات لا تزال غير واضحة). سواء أحببنا ذلك أم لا، فإن كل دولة تتفاعل بشكل مستقل عن الأخرى، وفي مواجهة هذا التحدي للأمن العالمي، يتم اتخاذ تدابير الحماية الوطنية.

 

ولذلك، فإن الخلاص سيأتي من الدول القومية القوية والمستقلة فالمؤسسات الدولية الكبرى مثل منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة قد أظهرت عجزها في مواجهة الأزمة.  فيما يتعلق بالولايات المتحدة، القوة العالمية الأولى، فإن إنكار الأزمة والبطء الشديد في اتخاذ التدابير اللازمة قد أثرا بشكل خطير على اقتصادها. هناك ما يقرب من 20 مليون شخص عاطلون عن العمل في الوقت الحالي وهو رقم تاريخي في الولايات المتحدة. سيكون لهذا حتمًا تداعيات على الانتخابات الرئاسية الأمريكية. حتى شهر يناير الماضي، كانت إعادة انتخاب الرئيس دونالد ترامب مضمونة. ولكن الوضع ليس كذلك الآن. ومع ذلك، يملك ترامب و بلاده الموارد اللازمة للخروج من الأزمة. حتى لو كان ذلك سيتطلب وقتًا طويلًا ... أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي فهذه قصة أخرى. سيزيد هذا الوباء من تراجع الاتحاد وانقسامه. نلاحظ إن الصين وروسيا هما أكثر دولتين تقدمان مساعدات لإيطاليا ! تملك أوروبا بطبيعة الحال الامكانيات اللازمة لمواجهة فيروس كورونا ، كما هو واضح من إدارة ألمانيا الجيدة للأزمة. ولكن في دول أخرى مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وأيضًا بريطانيا تم إهمال الخدمات الصحية والتضحية بالقطاعات الاستراتيجية ولم تتخذ النخب المتشبثة بالعولمة والحريات الفردية، التدابير الحقيقية لمواجهة تهديد كورونا، بالضبط كما هو الحال مع الإرهاب الإسلامي وأزمة المهاجرين. لا يجب أن نتوقع أي شيء آخر من أشخاص يخضعون لسطوة التمويل العالي ! أراد هؤلاء تجنب الأزمة المالية، لكنهم في نهاية المطاف منيوا بأزمتين ! وأبرز مثال على ذلك هم السياسيون الفرنسيون الذين أظهروا غطرسة وعدم ترقب. يوم الإثنين، قام الرئيس الفرنسي بتقديم النصيحة للفرنسيين " غير المنضبطين للغاية ". ولكن أليست السلطات الفرنسية هي من قللت من شأن الوباء في بداية الأزمة ؟!

 

منذ فبراير وحتى يوم أمس ، شهدنا سلسلة من التناقضات غير المسؤولة والتردد والارتباك: تصريحات وزيرة الصحة المنفصلة تمامًا عن الواقع، وحظر بعض المسيرات ولكن الإبقاء في خضم الأزمة، علي مباريات كرة القدم مع الفرق الإيطالية، وعدم إلغاء الرحلات الجوية من الصين، و حتى الآن لم يتم إغلاق الحدود (في حين أن مثلهم الأعلى، أنجيلا ميركل، قررت من جانب واحد وفي وقت مبكر جدًا إغلاق الحدود الألمانية!). كذلك دعا المسؤولون في فرنسا المواطنين إلى اتخاذ تدابير البعد الاجتماعي، ولكن في المقابل تم الابقاء على الانتخابات البلدية يوم 15 مارس ... وبالطبع لم يكن هناك يقظة صحية في المطارات! على سبيل المثال، لدى عودتي يوم 12 مارس الماضي (يوم خطاب الرئيس ماكرون حول الانتقال إلى المرحلة الثالثة) من مهمة في سوريا عبر بيروت، لم يتم قياس درجة حرارتي ولم يطلب مني حتى ملء استبيان صحي في مطار رواسي! لا شيء ! بينما عندما كنت في مطار بيروت وعلى الحدود السورية اللبنانية يوم 5 مارس وغادرت، كانت هذه الضوابط موجودة بالفعل! نحن الآن في عجلة من أمرنا ونندفع مرة أخرى. في النهاية، لم يتم اتخاذ تدابير ملموسة وواضحة حتى الآن ويستمر التسويف والرجوع الي الوراء (الاختبارات المعممة، ارتداء الكمامات  للجميع في وجود نقص لها في الأسواق، واختيار علاج في انتظار اللقاح ...) . سرعان ما وجدت خدمات الطوارئ والإنعاش نفسها غير قادرة علي استيعاب الأعداد المتزايدة من المرضي... نظامنا الصحي، الذي حطمته عقود من إعادة التنظيم التكنوقراطي، لا يمكنه استيعاب الصدمة بحزم.

 

لقد علمنا التاريخ والأحداث المأساوية أن خطر الوباء حقيقة واقعة. كم هو مثير للسخرية أن نعتقد أن تقدمنا سيحمينا ! إن إدارة البلاد تعني توقع الأسوأ. إن معدل وفيات فيروس كورونا منخفض (1 إلى 3 %) ولكن نسبة العدوى لا تزال عالية (أعلى بكثير من الأنفلونزا الكلاسيكية) والطفرة المميتة أو ببساطة مخاطر انتكاس الأشخاص الذين تم شفاؤهم ممكنة  في أي وقت. إن التأثيرات على عالمنا المترابط قد تكون شبيهة بسيناريوهات هوليوود الكارثية! ما هو مؤكد حتي الآن هو أن النظام العالمي سيخرج ضعيفًا من هذه المحنة. بعيدًا عن التوترات الجديدة بين الصين والولايات المتحدة، الناتجة عن عواقب الوباء، من المرجح أن تؤدي الأزمة الاجتماعية والاقتصادية العالمية التي تسببها القيود والتوقف التام للأنشطة التجارية والتبادلات إلى إحياء الغضب الشعبي في العالم، وخاصة في الدول التي تواجة صعوبات، كما هو الحال في جنوب البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط وأفريقيا. من الواضح أنه سيكون هناك انتعاش اقتصادي في نهاية الأزمة ، ولكن الدول فقط التي ستتمكن من إدارة هذه الأزمة غير المسبوقة بشكل جيد ستكون هي الأفضل.

"