يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

تصاعد الضغوط الداخلية.. الأحزاب التركية ومستقبل «العدالة والتنمية» الحاكم

الأحد 08/مارس/2020 - 01:33 م
المرجع
مصطفى صلاح
طباعة

شهدت تركيا خلال المرحلة الماضية، الكثير من التحولات الداخلية على مستوى الأحزاب السياسية، خاصةً مع إعلان كل من أحمد داوود أوغلو وعلي باباجان،اعتزامهما تأسيس حزبين جديدين؛ لمواجهة حزب العدالة والتنمية، اللذين كانا من المؤسسين له، وتمثل هذه التحولات بدايةً للتأثير في الساحة السياسية التركية في الانتخابات المقبلة؛ بسبب التحركات المعلنة وغير المعلنة بين اطراف سياسية فاعلة، تسعى للدخول إلى مسار المنافسة ضد الحزب الحاكم وقياداته.


وتأتي هذه التحولات الداخلية، بالتوازي مع مجموعة من الضغوط الإقليمية والدولية، التي تتعرض لها تركيا، وهو ما يمكن أن يساهم في زيادة مستوى تأثيرها على حزب العدالة والتنمية الحاكم، ويجب الإشارة هنا إلى أن هذه التحركات من جانب الأحزاب المعارضة والشخصيات البارزة المنشقة عن حزب العدالة والتنمية، جاءت للتحضير للانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة.

تصاعد الضغوط الداخلية..
ضغوط متزايدة
أعلن حزب الشعوب الديموقراطي الكردي في 24 فبراير 2020، من خلال  مؤتمره الاعتيادي، والّذي عُقد في أنقرة بمشاركة الآلاف من أنصاره وقيادييه ونوابه في البرلمان التركي، إضافةً إلى وفود من عشرات الدول العربية والأوروبية والآسيوية وشخصياتٍ كردية من كُردستان العراق وإيران، وتم انتخاب متهات سانجار، وهو عضو في البرلمان التركي منذ عام 2015، رئيسًا مشتركًا جديدًا للحزب خلفًا للرئيس المشترك السابق سيزاي تميلي، وتزامنًا مع ذلك أعلن علي باباجان عن إطلاق حزبه الجديد فى تركيا 10 مارس 2020، وأن الحزب سوف يحمل رقم 11 بين الأحزاب المشاركة فى البرلمان.

وبرزت التحضيرات لتأسيس تحالف سياسي جديد يضم حزب المستقبل بقيادة أحمد داوود أوغلو والحزب المزمع تأسيسه من قبل علي باباجان، إضافةً إلى حزب أو حزبين آخرين، وذلك إزاء «تحالف الجمهور» المكوّن من حزبي العدالة والتنمية الحاكم وحزب الحركة القومية، و«تحالف الشعب» المكوّن من أحزاب الشعب الجمهوري و«الصالح» و«السعادة» والحزب الديمقراطي، وتزيد خطوات المعارضة من أزمات إردوغان الداخلية، والخارجية؛ حيث تراجعت أسهم حزب «العدالة والتنمية» في تركيا خلال الانتخابات الأخيرة، كما تورطت تركيا في صراعات إقليمية ودولية عدة، لم تجد حتى الآن طريقة للخروج منها، وضمن نفس السياق، فإن هناك العديد من العوامل الداخلية والخارجية التي من الممكن أن تدعم هذه التحركات من أهمها:

1) أظهرت نتائج الانتخابات البلدية المنعقدة في مارس 2019 تراجعًا كبيرًا في حجم التأييد الذي كان يستحوذ عليه حزب العدالة والتنمية الحاكم، والتي تمكنت المعارضة التركية وتحالفها «تحالف الأمة» من مواجهة سياسات الرئيس التركي أردوغان، بعدما سيطرت على الكثير من المدن الكبرى في إسطنبول وأنقرة وأزمير وغيرها من المدن، ومن ثم فإن ذلك يؤشر على توجهات المعارضة المضي في مواجهة حزب العدالة والتنمية الحاكم في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة.

2)  شهد حزب العدالة والتنمية الحاكم العديد من الانشقاقات الداخلية التي من شأنها أن تؤثر على قواعده التصويتية، خاصةً أن بعضًا من هؤلاء المنشقين يمثلون قوة كبيرة في الحزب؛ حيث يعد علي باباجان مهندس الاقتصاد التركي وتطويره، كما يعد أحمد داوود أوغلو مهندس السياسة الخارجية التركية ورائدها الذي أسس لفكرة العمق الإستراتيجي، والتي سمحت لتركيا بتعزيز نفوذها، كما أن الاثنين يتمتعان بالصفات الكاريزيمية التي من الممكن أن تكون عاملًا مهمًا في مواجهة الرئيس التركي أردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

3) من خلال توظيف الضغوط الاقتصادية التي تواجهها تركيا؛ بسبب سياستها الإقليمية والدولية، والتي أثرت على سياسة حزب العدالة والتنمية الداخلية والخارجية، فيما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية، من خلال الولايات المتحدة والدول الأوروبية، أو من خلال تراجع نمو الاقتصاد التركي وزيادة مستوى البطالة وارتفاع نسبة التضخم وتراجع سعر صرف الليرة، يمكن للأحزاب الجديدة أو أحزاب المعارضة مواجهة السياسات التي ينتهجها حزب العدالة والتنمية، خاصةً أنها تمثل العامل المهم في زيادة هذه الضغوط.

4) تنخرط تركيا في الكثير من أزمات المنطقة العربية بصورة مباشرة من دون أن تحقق نجاحًا في سياستها الخارجية، وهو ما انعكس على تراجع الدور الإقليمي التركي ونفوذه، وامتد الأمر ليؤثر على السياسة الداخلية، بعدما حاول الرئيس أردوغان تدويل بعض الأزمات الداخلية بتوجيه الرأي العام التركي نحو المخاطر الخارجية، مثل الأزمة السورية والليبية وعلاقاتها المتوترة مع دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة؛ بسبب العديد من الملفات، من أهمها ملف اللاجئين والتقارب مع الجانب الروسي.

انعكاسات سلبية

من المحتمل، أن تتسبب هذه الملفات تجاه تعزيز الزخم للحراك الداخلي من جانب الأحزاب التركية المعارضة أو تلك الوليدة في التأثير على شعبية حزب العدالة والتنمية، خاصةً أن كل الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة شهدت تراجعًا كبيرًا في النسب التي حصل عليها الحزب، بداية من الاستفتاء على التعديلات الدستورية في 16 أبريل 2017، مرورًا بالانتخابات البلدية في مارس 2019، ومن ثم، فإن توجهات الأحزاب الجديدة تتجه نحو تغيير المعادلة السياسية الداخلية، من خلال التحالف بين الأحزاب الجديدة والأحزاب المعارضة أو العمل على التحرك بصورة منفردة؛ للضغط على حزب العدالة التنمية، وضمن هذا السياق، فمن الممكن أن تأتي التحالفات الانتخابية الجديدة على غرار الانتخابات البرلمانية والرئاسية في يونيو 2018؛ حيث خاض حزب العدالة والتنمية الانتخابات بالتحالف مع حزب الحركة القومية، وتحالف الأمة بين حزب الشعب الجمهوري (CHP)، وحزب الجيد (İP)، والحزب الديمقراطي الشعبي (HDP) وحزب السعادة (SP)، بينما خاضت باقي الأحزاب المعركة الانتخابية بصورة منفردة.

وعلى الرغم من الانتقادات الداخلية للسياسات التي ينتهجها الرئيس التركي أردوغان، وتكاتف المعارضة لمواجهته، فإنه عمل على مواجهة هذه الضغوط؛ حيث قام بعزل 30 من رؤساء البلديات الفائزين بالانتخابات المحليّة، واعتقل عددًا منهم، أبرزهم رئيس بلدية ديار بكر المعزول عدنان سلجوك مزراكلي والرئيسة السابقة لبلدية ديار بكر، غولتن كشناك في 19 أغسطس 2019، وضمن السياق نفسه يستغل أردوغان صلاحياته الدستورية التي أقرها في ظروف استثنائية، من خلال التعديلات الدستورية في أبريل 2017؛ لتوسيع صلاحياته، والتي من بينها المواد رقم 123 و126 و127 من الدستور، والتي تمنح الحكومة صلاحية الوصاية الإدارية أي أن هذه المواد من الصرامة بحيث لا تترك للإدارات المحلية «رؤساء البلديات» مجالًا للتحرك بحرية من دون موافقة الحكومة وموظفيها المحليين الممثلين بالمحافظ أو من ينوب عنه، كما تمثل هذه القرارات من وجهة نظر المعارضة انتصارًا إضافيًّا لهم، بعد انتصارهم في عدد من كبرى المدن التركية، وخاصةً إسطنبول وأنقرة وإزمير، وتأكيدًا على صواب رؤيتهم بخصوص مسار حركة العدالة والتنمية الذي يشهد تراجعًا في الفترة الأخيرة.

وفي إطار سياسة المعارضة الهادفة إلى مواجهة نفوذ أردوغان المتزايد، التقى رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في مدينة ديار بكر نهاية شهر أغسطس، وتحديدًا في 31 أغسطس 2019، برؤساء البلديات الثلاثة المقالين، وتوجه «أوغلو» إلى ضريح طاهر التشي، رئيس نقابة المحامين في «ديار بكر» والناشط من أجل الحقوق الكردية، الذي اغتيل عام 2015، كبداية لتعضيد الجهود بين الأحزاب وبناء جسور الثقة لمواجهة حزب العدالة والتنمية، ومن المحتمل أن تنتهج نفس النهج الأحزب الجديدة المنشقة عن حزب العدالة والتنمية بقيادة أحمد داوود أوغلو وعلي باباجان؛ لمحاولة بناء قاعدة شعبية في مواجهة السياسات التي يتبناها أردوغان داخليًا وخارجيًا.

ختامًا: على الرغم من أن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا دأب منذ وصوله إلى الحكم في عام 2002 على إجراء استطلاعات الرأي؛ لجسّ نبض الناخبين وتوجهاتهم، فإن الرئيس رجب طيب أردوغان لم يعد يولي اهتمامًا كبيرًا لهذه الأدوات بعدما انخفض عدد مؤيديه، وهذا ما يؤشر بصورة كبيرة على تراجع نفوذه على المستوى الداخلي في مواجهة نجاحات المعارضة التي ظهرت بصورة كبيرة في المرحلة الماضية، والتي ستمتد تأثيراتها على مستقبل حزب العدالة والتنمية السياسي.


المراجع:

1) حزب الشعوب الديمقراطي يتحدى أردوغان ويخطط لقيادة تركيا، على الرابط
2) باباجان يعتزم تدشين حزبه المناهض لأردوغان 10 مارس، على الرابط
3) تحركات سياسية في الداخل التركي قد تطيح بإردوغان، على الرابط
4) 'Babacan'lı, Davutoğlu'lu üçüncü bir ittifak yolda' iddiaları, at: https://ahvalnews.com/tr/ali-babacan/babacanli-davutoglulu-ucuncu-bir-ittifak-yolda-iddialari

 
"