يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad
مصطفى حمزة
مصطفى حمزة

الإرهاب وأغاني المهرجانات

السبت 29/فبراير/2020 - 02:34 م
طباعة
لا ينكر أحد رواج ما يُسمى بـ«أغاني المهرجانات»، لا سيما بين فئة الشباب في مصر والوطن العربي، باعتبارها الفئة الأكثر إقبالًا على إنتاجها وسماعها وتداولها، بطريقة أصبحت مدعاة للبحث عن انعكاسات هذا النوع المستحدث من الغناء على الجمهور الشبابي، وما الرسالة التي تريد هذه الأغاني توصيلها ونشرها في المجتمع؛ خاصة أنها أصبحت الأكثر انتشارًا في الأفراح، ووسائل المواصلات، ووسائل الاتصال الحديثة من مواقع إنترنت مسموعة ومرئية، وغيرها.

ما يحدث هو إعادة تشكيل الذوق العام للمجتمع المصري، والغزو الثقافي له، بعد شيوع ثقافة الصوت «الشفهية» والصورة، أكثر من ثقافة الكتاب كما كان في السابق؛ وتعد الأغاني أحد أهم أدوات هذا الغزو، سواء كانت صوتية أو مرئية مثل الفيديو كليب «Video Clips»، التي أصبحت لها قنوات فضائية خاصة بها، وقنوات على موقع اليوتيوب، يحشد ملايين المتابعين خلال ساعات معدودة من بث الأغنية أو ما يسمى «المهرجان».

الخطورة تكمن في أن هذه المهرجانات تقدم من خلال الكلمات والألحان والفيديو كليب مضامين سمعية وبصرية غريبة على مجتمعنا العربي وقيمنا الشرقية، وتبث ثقافة مغايرة لثقافتنا؛ لتُرَسِّخ بين الشباب أنماطًا من السلوك والقيم والاتجاهات الغريبة علينا، كان أشهرها خلال الفترة الماضية، نشر ثقافة البلطجة، وشرب الخمور، والمخدرات، وزنا المحارم، والألفاظ الجنسية الصريحة، وإثارة الغرائز، مع ما يترتب على ذلك من تضييق مساحة «التابو» أو الممنوع أو العيب في مجتمعنا المصري والمجتمعات العربية.

الأخطر من هذا أن «المهرجانات» التي يروج لها في وسائل الإعلام تُعطي انطباعًا بوجود قبول قانوني لها، وتمنح المتطرفين وأنصارهم الفرصة للصيد في الماء العكر؛ باستغلال مشاعر المتدينين غير المنضمين لجماعة الإخوان الإرهابية أو غيرها، وإقناعهم بأن هناك محاولات لتشويه الهوية الإسلامية، واستبدالها بالثقافة المشوهة التي تنشرها هذه الأغاني؛ ما يخلق مشاعر الغضب عند هؤلاء المتدينين ضد مَن يسمح برواج «المهرجانات»، تمهيدًا لاستغلال هذه المشاعر، وترجمتها لأعمال عنف ضد المجتمع الذي يسمح بذلك.

وبقراءة بسيطة في عقل المتطرفين دينيًّا الذين يؤمنون بأن الغناء بكل أشكاله وصوره حرام، وليس محل خلاف بين أهل العلم، نصل بسهولة إلى أن موقفهم من التطور الحاصل الآن فيما يُسمى «أغاني المهرجانات» قد يتحول بسهولة إلى عنف عملي، حينما تسمح لهم الظروف بذلك؛ خاصة أنهم يعتبرون الأغاني وانتشارها أحد مظاهر المجتمع الجاهلي.

والشباب هم أكثر فئة مستهدفة لمحاولات الغزو العولمي؛ حيث يعدون الأغلبية الممتلئة طاقة وحيوية، وتتوقف عليهم قوة أي مجتمع من المجتمعات، وهم الذين يحملون هوية المجتمع وينقلونها للأجيال، وبالتالي فإن نشر أغاني منعدمة الهوية بينهم يؤثر على لغة خطابهم، وأفكارهم، وسلوكهم، وتوجهاتهم تجاه مجتمعهم.

ولأن الفن هو مرآة الشعوب، فإن العولمة الثقافية تسعى جاهدة لتشويه صورة مصر من خلال نشر أنواع من الفنون عديمة الهوية، لتشويه هويتنا المصرية؛ لذا لا بد من إدراك القائمين على الإعلام والفن والثقافة في مصر للأضرار الناتجة عن نشر مثل هذا النوع من الأغاني في المجتمع، مع ضرورة تقديم البدائل المقبولة مجتمعيًّا؛ حفاظًا على الخصوصية الثقافية، والتقاليد الشرقية، والقيم الدينية.

-----------------------------------
* نقلا عن الأهرام المسائي
"