يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad
هشام النجار
هشام النجار

بريطانيا.. إسلام حضاري عربي أم إسلام إخواني حربي؟

الأربعاء 26/فبراير/2020 - 05:42 م
طباعة

ما يلفت الانتباه عقب جلسة مجلس العموم البريطاني، التي دعا فيها مشرعون بريطانيون قبل أيام إلى وضع جماعة الإخوان المسلمين على لائحة الإرهاب، هو تواضع الحضور وتواضع النتائج قياسًا لما تمثله هذه القضية من خطورة وما تعنيه من تحديات لدول أوروبا.

 

بالاستماع لمناقشات النخبة في بريطانيا التي لا ترقى للضغط كمًا وكيفًا باتجاه حظر لندن للجماعة وتصنيفها إرهابية، نكتشف أننا بإزاء خلل ما ناتج عن علاقات قديمة ومتشعبة ممتدة لعقود، لم يُبذل حيالها الجهد المطلوب لتفكيكها.

 

الدعوات المتواضعة ناتجة فحسب عن استشعار بالخطر بعد أن وضح للبعض في مطبخ اتخاذ القرار البريطاني أن جماعة الإخوان هي منبع التطرف وأن احتواءها لا يصرف الإرهاب بعيدًا عن المملكة المتحدة، لكنها ليست مبنية على معرفة منهجية بماهية جماعة الإخوان وطبيعة النسخة الإسلامية التي تعتنقها وتروج لها.

 

لا يكفي التخويف من جماعة الإخوان أمنيًا وطرح بديهيات مثل علاقات جماعة الإخوان بداعش والقاعدة، وإلا ستظل جهود مكافحة الإرهاب في الغرب تمشي على العكاز الأمني وحده وخاضعة لمقتضيات السياسة وتكتيكات الأجهزة الأمنية، وهذا فاشل من المنظور العملي، أما الجهد المطلوب بموازاة ذلك فهو التعريف بالمرجعية الإسلامية الحضارية التي تمثل روح الإسلام وجوهره وتعاليمه ومقاصده الحقيقية.

 

عندما يتعرف البريطانيون على الإسلام الحقيقي ويتم رعاية ودعم نسخته الحضارية، وتثمر نجاحاتها المرجوة في تحقيق مصالح الغرب والعرب، ستسقط الرؤية الأحادية للإخوان، وستندثر أوهام تمثيل الإخوان للإسلام، وسيحرص الأوربيون على التمكين لصيغة الإسلام الحضاري من الحضور بمستوى يرقى شعبيًا ونخبويًا للضغط باتجاه حظر أي تيار عدائي يلوث تلك العلاقات الإنسانية ويضعف الروابط الحضارية بين شعوب العالم.

 

مواصفات الإسلام الحضاري

لا يستوعب البعض حقيقة أن إسلام جماعة الإخوان التي توظفها أجهزة المخابرات مختلف عن الإسلام الأصلي، لأن من يقرأ أدبيات الجماعة يتوهم أنها معبرة عن الإسلام وأنها تطبيق لما هو مسطور في القرآن.

 

خاصة وأن القرآن كما يقول مايكل أنجلو ياكوبتشي "لا يكفي لتبديد الشكوك لأنه يحوي إشارات عديدة للقتال باسم الله يمكن للبعض أن يفسرها بمعنى مجازي بينما آخرون يفهمونها باعتبارها دعوة إلى حرب حقيقية للدفاع عن العقيدة".

 

صب هذا في مصلحة جماعة الإخوان ورعاتها الإقليميون فقط وعصف بمصالح الغرب، من جهة التمكين لمرجعية دينية متشددة لا منتمية للإسلام العقلاني التشاركي، هدفها تحريك جيوش من المتطرفين للقتال بالوكالة عن دول وقعت في فخ الهزيمة سابقًا خارج حدودها، وصار لديها حساسية من إرسال جنودها لساحات الحروب.

 

لا يقل خطر ذلك عن خطر تطبيق أفكار دمرت سابقًا القارة الأوروبية ومزقتها، وبسببها ذبح الأوربيون بعضهم بعضًا على الهوية والمذهب.

 

لم تدخل نسخة الإسلام الإخواني التي تعد مرجعية داعش والقاعدة المرحلة التنويرية ولم تتفكك بنيويًّا على طريقة ديكارت وسبينوزا وفولتير وملبرانش، لتحل الفكرة الديمقراطية والتعايش الإنساني وتكامل الحضارات وفلسفة الدولة المدنية وحقوق الإنسان ودولة العقد الاجتماعي محل الحاكمية الإلهية والحروب الدينية، ومحل الدولة العقائدية وولاية الفقيه -في نموذج الإسلام السياسي الشيعي-.

 

تواجه النسخة الحربية التكفيرية للإسلام نسخة عربية أصيلة، هي تلك التي تشبث بها مفكرون ينتمون للجذور العربية والهوية الإسلامية من منطلق وعي كامل بعد أن درسوا الحضارة والتاريخ والواقع الغربي وتشربوا من ثقافته.

 

بمعنى أنهم توفيقيون معتزون بهويتهم الإسلامية النقية وفي نفس الوقت منفتحون على العالم ومنجزات الحضارة الغربية.

 

للدرجة التي يكتب فيها رأس التيار الليبرالي وزعيم الأحرار الدستوريين محمد حسين هيكل وهو من طليعة المجددين ناقدًا طعن جماعة من المستشرقين على النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم، واضعًا دراسته «في منزل الوحي» في مستوى عودة أوروبا لاكتشاف فلاسفة الإغريق فجر النهضة طامحًا لإحداث نهضة عربية وإسلامية، عبر المزاوجة بين الروح الشرقية المتسامحة المتسامية والعقل الغربي المتقد المتوثب.

 

يخلق هذا الطرح التوفيقي صيغة تصالحية بين التمسك بالعقيدة ومواكبة العصر الحديث، وإذا كانت الحالة الدينية الأوروبية قد مرت بتفكيك بنيوي قبل التركيب والبناء والنهضة، فجهود المفكرين العرب ساعية للانتصار للفهم المستنير للإسلام ليس فقط حرصًا على السير في الطريق الأوحد الموصل للنهضة ولترسيخ التعايش الحضاري السلمي بين البشر، إنما لإنقاذ الإسلام ذاته من مناهج دخيلة عليه توشك أن تحوله لمفخخات تدمر العالم.

 

دليل ذلك أن بدايات إحياء الإسلام الحضاري التشاركي هي كتابات الإمام محمد عبده في الإصلاح الديني ما بين 1900 و1905م وهو الذي تحدث عن الدولة المدنية والتعددية والحريات وعن علاقات حضارية سلمية مع الغرب.

 

تزامن ذلك مع قرب انهيار حقيقي للإسلام، بشهادة اللورد كرومر الذي نشر كتابًا عام 1908م أكد فيه أن الإسلام إذا لم يكن ميتًا فإنه في طور الاحتضار، كنتيجة لتطبيق مماثل للإسلام التكفيري المسلح بجهود السلطنة العثمانية التي تبنت الحروب العقائدية وروجت للنسخة الحربية من الإسلام على مدار قرون.

 

وضع المفكرون والمجددون التوفيقيون العرب مشروعًا تنويريًّا يُضاهي مشروعَ التنوير الغربي، عبر عودة إلى الفهم الأصلي للإسلام وإطلاق قواه الاجتماعية والروحية والأخلاقية الكامنة والخروج برؤية متوازنة تجمع بين الإسلام والعروبة والغرب.

 

وصاغوا خلاصة الخطة التحررية والتقدمية للعرب والمسلمين وهو ما نلمسه حتى في إنتاجهم الفني والأدبي بما يعكس حرصهم على توصيل رسالتهم للأجيال عبر كل ما هو متاح من وسائل، كتلك التي تذخر بها أعمال توفيق الحكيم خاصة «عودة الروح» و«أهل الكهف» و«شهر زاد»؛ فالدين والعلم شيء واحد كلاهما يتلمس نور الله وكلاهما يؤمن بتناسق الوجود ووحدة قوانينه.

 

وأكدوا على وحدة المصريين من مسلمين ومسيحيين ويهود على أهداف مشتركة ومصير مشترك، وجاء في المادة الخامسة من برنامج «الحزب الوطني المصري»، الذي صاغه الإمام محمد عبده "الحزب الوطني حزب سياسي لا ديني؛ فإنه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب وجميع النصارى واليهود وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم لغتها منضم إليه.

 

يحرص الإسلام الحضاري العربي على دعائم الدولة الوطنية من منطلق كونها الوحيدة القادرة على احتواء التنوعات الطائفية والإثنية والعقائدية تحت عنوان المساواة والمواطنة، وعدم السماح باختراقها أو استهدافها بمشاريع أيديولوجية أحادية من شأنها تفجير كيان الدولة وتفتيتها إلى كيانات متصارعة.

 

والإسلام في نسخته الحضارية كباقي الأديان السماوية جاء لنشر الرحمة والسلام والتسامح والمحبة بين البشر بما يقتضيه ذلك من الاعتراف بالآخر واحترام معتقداته وأفكاره والحرص على حياته وممتلكاته.

 

استخلاصات ونتائج:

أولًا: النسخة الحربية للإسلام التي تعتنقها جماعة الإخوان، هي بمثابة إنتاج لكيانات تكفيرية مسلحة تخدم فقط المشروع الأردوغاني التوسعي، ولا تخدم مصالح شعوب ودول العالم.

 

ثانيًا: الصراع الحقيقي ليس بين إسلام وعلمانية ولا بين إسلام وغرب، بل بين هاتين النسختين من الإسلام؛ إسلام عربي تنويري حضاري وآخر قطبي تكفيري حربي، تستدعيه جماعة الإخوان ليظل المسلمون في مواجهة دينية مع الغرب.

 

ثالثًا: حان الوقت لأن يبذل العرب والغربيون الجهد الذي يرقى للتمكين لتصورات دينية تنويرية منسجمة ومتشاركة ومتعايشة، وهو السبيل الناجع لعزل وحظر حقيقي وفعال لنسخة إسلامية دخيلة مزورة تعادي البشرية وتدعو للعنف والإقصاء لأهداف سياسية وتوسعية.

"