يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad
اللواء محمد عبد الواحد
اللواء محمد عبد الواحد

الصومال وتطور الحركات السياسية الدينية (1)

الثلاثاء 11/فبراير/2020 - 05:28 م
طباعة

عقب الإطاحة بنظام "سياد برى" في الصومال، تحولت الصراعات إلى صراعات داخلية بين المجموعات المسلحة نفسها التي أطاحت به طمعًا في السلطة والثروة، ثم تطورت إلى أن أضحت حربًا أهلية برزت خلالها النعرة القبلية، ولكنها في النهاية أدت إلى تدمير كافة أشكال الدولة، وقد سيطر على الصومال فترة التسعينيات أمراء الحرب والميليشيات المسلحة الذين آثروا المصالح الشخصية على المصالح الوطنية، وبالتالي فقدت الصومال السُلطة المركزية القادرة على بسط نفوذها في الأقاليم كافة، ما أدى إلى فرض وضع اجتماعي مُتدهور ومُعقد للغاية أفرز عن تدنى لمستوى المعيشة، وارتفاع مُعدلات البطالة، وانهيار القيم الأخلاقية، وفقدان الأمل في المُستقبل، وانعدام فرص الكسب الشريف تقريبًا، بجانب موجات الجفاف التي اجتاحت المنطقة، وخلفت بدورها كوارث إنسانية كانت الأعظم على مر التاريخ.


وأضحى الشعب الصومالي يعيش على المساعدات الإنسانية التي تُقدمها مُنظمات الإغاثة الدولية، وما يحصل عليه بعض المواطنين من تحويلات نقدية زهيدة للغاية من أقاربهم وذويهم العاملين بالخارج، مما ساعد في تهيئة الأجواء لانتشار كافة أشكال الجريمة بما فيها خطف الأجانب وانتشار جرائم القرصنة أمام الساحل الصومالي للحصول على فدية مالية؛ فضلًا عن تصاعد النعرات الانفصالية التي تطالب بانفصال الإقليم (صومالي لاند، بونت لاند، جوبا لاند ...إلخ) .

 

كما شجعت حالة الفوضى والحرب الأهلية وغياب مؤسسات الدولة؛ خاصة العسكرية والأمنية على خلق بيئة خصبة وحاضنة  للجماعات الجهادية التكفيرية، التي استغلت حالات الفقر والمجاعات لتنتشر داخل المُجتمعات الصومالية، حتى الجماعات والحركات الدعوية السلمية مثل "الاتحاد الإسلامي" تحولت إلى حركات مُسلحة شاركت في الإطاحة بنظام سياد برى، وعقب سقوط النظام كثفت من نشاطها داخل المجتمع الصومالي، وروج "الاتحاد الإسلامي" لأفكاره التي كانت تجمع ما بين السلفية وتعاليم الإخوان المُسلمين، كما سيطر عليها فكرة إقامة إمارة إسلامية في الصومال وتوسيعها لتشمل بقية دول شرق أفريقيا وإحياء حلم "الصومال الكبير" بمفهومه التاريخي والجغرافي.

 

ظهرت بالصومال حركات إسلامية عديدة مثل وحدة الشباب الإسلامي التي أُسست عام 1969 عملت كمنظمة دعوية تنتهج منهج الإخوان المسلمين في الطرح والتنظيم وقد اندمجت مع الجماعة الإسلامية عام 1983 لتشكيل الاتحاد الإسلامي، كما كانت هناك حركة الإصلاح الصومالية ( الحركة الإسلامية الصومالية) وحركة الاعتصام بالكتاب والسنة والتي انشقت عن الاتحاد الإسلامي عقب تفككه .

 

وقد أقام الاتحاد الإسلامي علاقات مع حركات سياسية دينية متشددة خارج الصومال كان أهمها علاقته الوثيقة بتنظيم القاعدة في أفغانستان، واتسع نشاطه فترة التسعينيات مما أثر على مظاهر الحياة بالكامل، كما ركز نشاطه في إقليم "الأوجادين" الأمر الذى أزعج "إثيوبيا "وأدى إلى تصاعد المواجهات المُسلحة مع الحكومة الإثيوبية نجحت الأخيرة في طرد معسكراته من الإقليم وتدمير قواعده في الصومال، واتهامه بزعزعة الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، كما ساند تنظيم القاعدة في تنفيذ عمليتي تفجير سفارتي الولايات المتحدة في "نيروبي" و"دار السلام "في سبتمبر 1998، إلا أنه تفكك عقب أحداث 11 سبتمبر بسبب حدوث انشقاقات داخله بين الجيل القديم الذى تخوف من استهداف عناصره لاسيما وتورط القاعدة في تلك الأحداث وتفضيل البعض الانخراط في الحياة المدنية والتخلي عن العمل المسلح، وبين جيل الشباب خاصة  العائدين من أفغانستان، وشكل تنظيمًا جديدًا تحت اسم "شباب المجاهدين "حيث انفصلوا عن الاتحاد واقتصر عملهم في البداية على التدريب والتجنيد لعناصر جديدة ولم يتورطوا في أي عمليات إرهابية حتى سطع نجمهم عام 2005 فترة حكم المحاكم الإسلامية.

 

وبدراسة متأنية للشخصية الصومالية وتركيبة المجتمع الصومالي الذى يضم في تركيبته مجتمعًا رعويًّا وآخر زراعيا وآخر تجاريا، تجد ثمة نزعات تغلب علية مثل بقية المجتمعات الأفريقية، يأتي في مقدمتها المصالح الشخصية ثم النزعة القبلية والعشائرية ثم يأتي الدين في المرتبة الثالثة، ولذلك نجد أن الإسلام لم ينجح تاريخيًّا في أن يكون عنصرا حاشدا للمجتمع الصومالي، ولم يستطع أن يتغلب على النزعات الأخرى، ولذا نجد أن عملية تجنيد عناصر جديدة للحركات الإسلامية يغلب عليها الانتماء القبلي قبل الايديولوجي، كما أن أغلب الخلافات والانشقاقات التي تحدث داخل تلك الحركات  يمكن ردها إلى خلافات شخصية لللاستئثار بالنفوذ وتحقيق مصالح شخصية، يحركها أيضًا دوافع قبلية، وبالتالي فإن البيئة الصومالية رافضة تماما لتبنى أي أفكار تكفيرية متشددة كما انها رافضة ايضا لجذب أي عناصر أجنبية ارهابية على أراضيها كما حدث في أفغانستان وسوريا وليبيا .

------------------------
*نقلًا عن الأهرام المسائي

"