يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad
عبدالرحيم علي
عبدالرحيم علي

على هامش سجال الخشت والشيخ الطيب.. عبدالرحيم علي يكتب: حرية الرأي والتعبير في الإسلام «2»

الإثنين 03/فبراير/2020 - 06:11 م
طباعة
 *القرآن دستور المسلمين في الحرية والاختلاف
*الله سبحانه وتعالى أعلى من قيمة حرية الإنسان في القرآن
* أعطاه الخيار بين أن يؤمن أو يكفر ومنحه العقل الذي يقرر به
* وبعض الفقهاء فعلوا العكس: أغلقوا باب الاجتهاد واستخدموا أدوات تحليل تؤدي إلى الجبرية 
* آن الأوان لاستخدام أدوات تحليل جديدة لاستنباط أحكام تتصالح مع عصرنا

أثار السجال بين الدكتور أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر، والدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة، جدلًا واسعًا بعد أن فهم من طريقة رد الإمام أن قضية التجديد لا تخص أحدًا إلا الأزاهرة، وبدا أمام الجمهور أن فضيلته يغلق باب الاجتهاد على المفكرين والمثقفين من غير خريجي الأزهر، فى وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل صاحب فكر، وكل من يؤمن بضرورة إعمال العقل. وقد فتح هذا السجال الباب لحوار مخلص وصادق وأمين يبتغي خير هذه الأمة، ورصد كل ما يحقق إعلاء شأن العقل ويمنح للفكر حريته وللإنسان كرامته.. وقد بدأنا هذه السلسلة منذ عدد الثلاثاء، تحت عنوان «حرية الرأي والتعبير».. ونواصل ما بدأناه على مدى عدة أيام مقبلة، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

كتب الإمام محمد عبده، قرب نهاية القرن التاسع عشر(1)، مؤكدًا أن المنهج الإسلامي لا يعتمد إلا على الدليل العقلي، ولا يعرف الخوارق والمعجزات، وأعلن الإمام الرائد أن الإيمان بالله سابق الاعتقاد في الرسل والإيمان بما أنزل عليهم من الكتاب والحكمة، وبذلك أعلى محمد عبده من شأن العقل، وجعله هاديًا ومرشدًا. الإيمان لا ينبع من القهر والإجبار، فهو وليد المعاناة والتأمل والنظر، وحصيلة منطقية لإجهاد الذهن فى إطار من الحرية والاتكاء على الإرادة الواعية.

الخطاب الذي يقدمه محمد عبده يبدو مختلفًا عن السائد في عقود عديدة، بل في قرون طويلة، سابقة له، ولا يعني هذا أنه يضيف إلى الإسلام ما ليس فيه، بل إنه -في حقيقة الأمر- يحاول إزالة الكثير من الصدأ المتراكم عبر عصور الانحطاط والانغلاق والتزمت، حيث إيثار السلامة والكسل العقلي باختيار الإيمان الموروث، دون اعتماد على الدليل العقلي والتأمل الحر، من هنا يتسم محمد عبده بريادة التجديد، الذي استمرت مسيرته، خلال عقود متتالية من القرن العشرين، وهو تجديد يقابله تعنت وجمود من قبل المحافظين، ممن يقدمون خطابًا مضادًا أكثر سهولة، وأقل إرهاقًا، ومن ثم فهو الأوفر فى شعبيته وقدرته على التأثير في عوام المسلمين، ومن هنا جاء نجاح الخطاب الذي تبنته كل جماعات الإسلام السياسي، والذي خط مبادئه كلٌ من مدرس الابتدائي، حسن البنا، والناقد الأدبي، سيد قطب، بينما فشل خطاب العالم الجليل محمد عبده وأقرانه في الوصول إلى الناس؛ لأنهم بلا رافعة اجتماعية تتمثل في جماعة دينية تروج لأفكارهم وتدافع عنها وتنشرها.

ينتمى محمد عبده إلى تلك الطائفة من الأئمة المستنيرين، الذين يؤمنون بأن النظر العقلي هو الأصل في الإسلام، والعقل عنده مقدم على ظاهر الشرع عند التعارض، يقول الشيخ: إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله في علمه، وطريق تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل». (2).

التصالح مع العقل هو الأصل الثاني من أصول المنهج الإسلامي في الدعوة والحياة، وكل تعارض معه يصبح بمثابة العقبة التي ينبغي العمل على إزالتها، وانطلاقا من هذين الأصلين المتكاملين والمتشابكين، يمكننا أن نصل إلى الأصل الثالث الذي ننشغل به في مقالتنا هذه، وبلغة الإمام محمد عبده: «البعد عن التكفير»، «فإذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد حمل على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر».(3)

الاختلاف بين البشر هو القاعدة السائدة والغالبة، وليس لأحد من المختلفين في الرأي أو الرؤية أن يدعي احتكار اليقين أو امتلاك الحقيقة المطلقة. وفي هذا السياق يمكن لنا أن نقرأ القرآن الكريم لنرى كيف أن كثيرًا من آياته تحتم حرية الرأي وتبيح الحق في التعبير دون قيد.

الحرية أساس الوجود الإنساني

إن الحرية هي الأساس في وجود الإنسان في هذه الدنيا، بل هي الأساس في خلق الله تعالى الكون، وهي الأساس في فكرة اليوم الآخر.

الإنسان مأمور بالتفكر في الحكمة من خلق السماوات والأرض:
«الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»، «آل عمران : 191».

فالله تعالى لم يخلق السماوات والأرض عبثًا، لقد خلقهما لهدف حق وجعل لهما أجلًا معينًا يلحقهما التدمير بعده: «مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ»، «الأحقاف: 3».

وكل إنسان له اختباره حين يوجد على هذه الأرض، ويعيش فيها فترة عمره المقدرة له سلفًا، وبعد هذه الحياة يموت ويعود إلى البرزخ الذي منه جاء، مطلوب من الإنسان في تلك الحياة أن يعرف أن الله أوجده في الدنيا لاختبار موعده في الحياة الأخرى: «الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ»، «الملك : 2».

اللافت للنظر أن الله تعالى قد جعل عناصر الاختبار متوازنة وعادلة، فقد خلق الإنسان على الفطرة النقية، أي الميزان الحساس الداخلي الذي يميز بين الخير والشر، والذي يؤمن بالله وحده، وفي مقابل هذه الفطرة، سلط عليه الشيطان للغواية، وأرسل له الرسل وأنزل معهم الكتب السماوية، وفوق ذلك كله، خلقه حرًا في أن يطيع وأن يعصي، وفي أن يؤمن وأن يكفر، وجعل له سريرة يحتفظ فيها بكل أسراره ونوازعه ومشاعره وهواجسه وأفكاره بعيدة عن متناول كل مخلوق سواه؛ لتكون له ذاتيته المستقلة، فإذا أراد أن يكون حرًا كان حرًا، وإذا أراد بمحض اختياره أن يكون عبدًا لغيره من البشر ومن الأفكار كان كذلك، المهم أن الاختيار في يده هو، وعن طريق هذا الاختيار يستعمل الإنسان حريته كما يشاء، فإذا تسلط الآخرون عليه بقوانين غير إلهية وصادروا حقه في الكفر اختار هو في سريرته أن يكفر؛ بل ينكر الفطرة في داخله، وينكر وجود الله الذي خلقه. إلى هذا الحد خلق الله تعالى الإنسان حر الإرادة، إلى الدرجة التى يصل فيها بتفكيره الحر إلى إنكار وجود الخالق ذاته. (4).

لقد أعطانا الله تعالى حرية الإرادة في الدنيا ليختبرنا، وأنزل الدين الذي أمرنا باتباعه، وأنزل مع ذلك الدين كتبًا سماوية، ولم ينزل معها سيفًا وملائكة تأمر الناس باتباع ذلك الدين، ولم يجعل الجحيم في هذه الدنيا، حتى إن من يكفر ويعصي يؤتى به ليلقى في الجحيم أمام أعين البقية من البشر، ولو فعل ذلك ما كان هناك اختبار أو امتحان، والله تعالى لم يعط سلطته في الدنيا لبعض الناس ليعاقبوا باسمه من اختلف معهم في الرأي، أو من كفر بالله. والذين يدعون لأنفسهم هذا الحق المزعوم، إنما يفسدون القضية من جذورها، ويتقمصون دور الإله، حيث لا إله إلا الله، ويتحكمون فيما رغب التحكم فيه رب العزة حين ترك العقل الإنساني حرًا بلا قيد، يفكر بلا حدود ويؤمن إذا شاء ويكفر إذا أراد، ويعلن ذلك بجوارحه كيف أراد، هذه الفئة من البشر، علاوة على أنها تزيف دين الله وتغتصب سلطاته التي ادخرها لذاته يوم الدين، فإنها أيضًا تعطي الحجة لمن ينكر حساب الآخرة وعذاب النار، وحجتهم أنه إذا كان هناك إرغام على الإيمان، وإذا كان هناك إكراه في الدين، فلا مجال حينئذٍ لأن يكون هناك حساب وعقاب يوم الدين. بل إنهم يعطون دين الله تعالى وجهًا قبيحًا متشددًا دمويًّا متحجرًا متأخرًا، ويسهمون فى إبعاد أغلبية الناس عنه، وهذا الوجه القبيح لا علاقة له بدين الله تعالى، بل هو وجههم هم، وهو دينهم هم، الذي يناقض دين الله تعالى جملة وتفصيلًا. (5).

إن الإسلام لا يغلق باب التفكر الحر في وجه الإنسان، بل يفتحه أمامه على مصراعيه، والمجتهد في الدين الإسلامي لا إثم عليه فيما اجتهد فيه، ولو أخطأ طريق الصواب، بل من اجتهد عنده وأصاب فله أجران، ومن اجتهد عنده وأخطأ فله أجر واحد، فالمصيب يأخذ أجرين على اجتهاده وصوابه، والمخطئ يأخذ أجرًا واحدًا فقط على اجتهاده، ولا يثاب على خطئه، بل يعذر فيه فقط.

وهناك فريق، على رأسه الجاحظ والعنبري من أئمة المعتزلة، يرى أنه لا إثم على المجتهد مطلقًا، إنما الإثم على المعاند فقط، وهو الذي يعرف الحق ولا يؤمن به عنادًا واستكبارًا، فالمجتهد المخطئ عند هذا الفريق غير آثم، ولو أداه اجتهاده إلى الكفر الصريح، لأن تكليفه عندهم بنقيض اجتهاده تكليف بما لا يطاق، والتكاليف بما لا يطاق ممتنع شرعًا وعقلًا.

وكل آيات القتال في القرآن ظاهرة في أن قتالنا الكفار مسوق بقتالهم لنا، فنحن نقاتلهم على قتالهم لنا، لا على كفرهم. (6).

ويذهب الشيخ محمود شلتوت، إلى أن من لم يؤمن بالله ولا برسله ولا بنحو ذلك لا يكون كافرًا عند الله يخلد في النار، إنما لا تجرى عليه فى الدنيا أحكام الإسلام، فلا يطالب بما فرضه الله على المسلمين من العبادات، ولا يمنع ما حرمه الإسلام كشرب الخمر وأكل الخنزير والاتجار بهما، ولا يغسله المسلمون إذا مات ولا يصلون عليه، ولا يرثه قريبه المسلم في ماله، كما لا يرث هو قريبه المسلم إذا مات. (7).

أما الحكم بكفره عند الله فهو يتوقف عند إنكاره تلك العقائد أو شيئًا منها، بعد أن بلغته الدعوة على وجهها الصحيح، واقتنع بها فيما بينه وبين نفسه، ولكنه أبى أن يعتنقها ويشهد بها عنادًا واستكبارًا، أو طمعًا في مال زائل أو جاه زائف، أو خوفًا من لوم فاسد، فإذا لم تبلغه تلك العقائد، أو بلغته بصورة منفرة، أو صورة صحيحة ولم يكن من أهل النظر، أو كان من أهل النظر ولكن لم يوفق إليها، وظل ينظر ويفكر طلبًا للحق، حتى أدركه الموت أثناء نظره، فإنه لا يكون كافرًا يستحق الخلود فى النار عند الله. (8).

وعلينا، في ضوء هذا الفهم، أن نعيد النظر في جميع الآيات الواردة في القتال في القرآن، والآيات الواردة فى الحرية الدينية، لنعي أن القتال لم يشرع لإكراه الناس على اعتناق الإسلام، كما يذهب البعض ممن أساءوا فهم آيات هذا الدين الحنيف، وإنما شرع لحماية الدعوة ومنع الفتنة في الدين، كما قرر الجمع الأكبر من علماء المسلمين الثقات.

الأزمة الحقيقية أن بعض الدعاة يرددون -بلا تبصر- المفاهيم الفقهية التي تصادفهم في كتب أسلافنا العظماء دون أن يتبينوا أن لهذه المفاهيم أصولًا تاريخية تعود إليها، وظروفًا موضوعية سببت نشأتها، وسوغت وجودها، وأدت في ظلها وظيفتها.

يتضمن القرآن الكريم عشرات الآيات الدالة، بشكل صريح مباشر، على أن الإسلام يناصر حرية الرأي وحق التعبير وضرورة الاجتهاد وأهمية إعمال العقل، وغني عن البيان أن الأمر في حاجة إلى قراءة واعية مسلحة بروح العصر ومتمكنة من الإدراك الصحيح لجوهر الدرس القرآني.

يقرر القرآن أن الله تعالى لو شاء لجعل الناس جميعًا أمة واحدة، أي خلقهم بلا اختيار منهم، يولدون مهتدين كالآلات المبرمجة على الطاعة المطلقة، ولكن الله تعالى شاء أن يجعلهم أحرارًا مختلفي الرأي، منهم المؤمن ومنهم الكافر، منهم المهتدي ومنهم الضال، وكل منهم حسب اختياره وحسب مشيئته. (9)

يقول تعالى:  «وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ»، «الأنعام : 35».

ويقول تعالى: «قل فلله الحجة البالغة، فلو شاء لهداكم أجمعين» «الأنعام : 149».

أى إن مشيئته تعالى تتدخل لحمل الناس على الإيمان، ولو شاء لكان الناس جميعًا مؤمنين، إذ لا يقف أمام مشيئته أحد، والدليل على عدم تدخلها هو اختلاف الناس وحريتهم فى الإيمان والكفر، وسيظلون مختلفين، لأنها مشيئته تعالى التي لا يعوقها شيء. يقول تعالى: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، «هود : 118 - 119».

أمام البشر خيارات مختلفة، والله تعالى ينزل الكتاب ويبعث الأنبياء لتوضيح الحق من الباطل والعدل من الجور، ويترك للبشر حرية الاختيار بين هذا وذاك.

يقول تعالى: «وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ»، «النحل : 9».

والله تعالى، حيث يدعو للحق ويذكر الناس به، فإنه يقرر حريتهم في الاختيار ويسميها «مشيئة» أيضًا، أي يعلي من قدر هذه الحرية.

يقول تعالى في سورتين في القرآن: «إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا»، «المزمل : 19 - الإنسان : 29».

إذن، فالهداية أمام الجميع، ومن شاء فليهتدي ومن شاء فليكفر. وفي النهاية، فكل نفس تهتدي لنفسها وتضل على نفسها: «كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ» «المدثر: 38».

هل بعد هذا تأكيد على حرية البشر في الإيمان وحريتهم في الكفر؟ 

حرية الاعتقاد في وجود الله هي قمة حرية الرأي في الإسلام. وإذا كان للإنسان في نصوص القرآن الحرية فى أن يكفر بالله، فإن له بالتالي الحرية في أن يكفر بالحاكم أو بأي سلطة دينية أو مدنية أو بأي فكرة إنسانية مهما كان مصدرها.. (10).

وهنا، ينبغي التوقف طويلًا أمام قوله تعالي: «لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ». البقرة 256. 

قاعدة كبرى من قواعد دين الإسلام، وركن عظيم من أركان سياسته، فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه، ولا يسمح لأحد أن يكره أحدًا من أهله على الخروج منه، حتى عندما يتنطع البعض ويتحدث عن قتل المرتد عن الإسلام، واحد من أعتى من وصفوا بالتطرف والتشدد من فقهاء المسلمين، وهو الفقيه الحنبلى ابن تيمية، ليقرر أن المرتد في الإسلام لا يقتل لارتداده عن دين الإسلام، وإنما لمحاربته المسلمين، ويستند ابن تيمية في فتواه تلك على حديث عائشة الذي أورده البخاري في صحيحه «لا يحل دم امرئ مسلم إلا لثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» وحمل ابن تيمية مفارقة الجماعة في الحديث على محاربتها، وسار على نهجه كل علماء الشرع من بعده، خاصة الحنابلة منهم.

لقد أُمرنا أن ندعو إلى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن نجادل المخالفين بالتي هي أحسن، معتمدين على أن تبين الرشد من الغي هو الطريق المستقيم إلى الإيمان، مع حرية الدعوة، وأمن الفتنة، فالجهاد من الدين بهذا الاعتبار، أي أنه ليس من جوهره ومقاصده، وإنما هو سياج له وجنة، فهو أمر سياسي لازم له للضرورة، ولا التفات لما يهذي به العوام ومعلموهم، إذ يزعمون أن الدين قام بالسيف، وأن الجهاد مطلوب لذاته، فالقرآن في جملته وتفصيله حجة عليهم. (11).

لقد نزلت الآية السابقة في سورة مدنية، حين كان للإسلام دولة وقوة. ولكن هذا المبدأ نزل في مكة من قبل، حين أخذت النبي عليه السلام نوبة حماس، فكان يبالغ في الإلحاح على الناس كي يؤمنوا فقال له تعالى يذكره بمشيئة الرحمن: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ». «يونس- 99». 

وأمره الله تعالى بالإعراض عن الذي يتمسك بعقيدته المشركة، لأن الله تعالى بعثه مجرد نذير يبلغ الرسالة وليس عليهم بمسيطر: «إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ»، «الغاشية/25: 26».

للنبي حقه في أن يخلص دينه لله وحده، وعليه أن يحترم حق خصومه في أن يعبدوا غير الله، أمره الله أن يقول هذا: «قُلِ اللهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي، فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ». «الزمر/14: 15».

أى جعل لهم مشيئة، ونزلت سورة كاملة تقول: «قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون..» وفى آخرها «لكم دينكم ولى دين».

ويأمره الله تعالى بأن يعلن أنه يقول الحق من الله ثم لهم المشيئة الكاملة في الإيمان أو في الكفر، وعليهم تحمل المسؤولية إذا كفروا: «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا»، «الكهف/29».

ويقول عن القرآن: «قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا»، «الإسراء/107».

أى لكم الحرية في أن تؤمنوا بالقرآن أو لا تؤمنوا به.

في الوقت الذي ترفض فيه المؤسسات الكهنوتية إجراء حوار، وتكتفى بإصدار قرارات التكفير والردة والحرمان ضد من يخالفونها في الرأي، نرى رب العزة وهو قيوم السماوات والأرض يجري حوارًا مع عباده، أبناء آدم، ليقنعهم بأنه هو الله الواحد الذي لا شريك له. (12).

الهوامش:
1. محمد عبده: الإسلام بين العلم والمدنية ص 74.
2. المرجع السابق ص 76.
3. نفسه 77.
4. أحمد صبحى منصور: حرية الرأى بين الإسلام والمسلمين ص 43.
5. المرجع السابق 44.
6. عبد المتعال الصعيدي: حرية الفكر في الإسلام ص 18.
7. محمود شلتوت: الإسلام عقيدة وشريعة ص 112.
8. المرجع السابق ص 20.
9. أحمد صبحى منصور مرجع سابق 45.
10. نفسه ص 46.
11. عبد المتعال الصعيدي: حرية الفكر في الإسلام ص 18.
12. أحمد صبحى منصور مرجع سابق ص 52.
"