يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad
مصطفى حمزة
مصطفى حمزة

معركة التراث*

الخميس 30/يناير/2020 - 03:54 م
طباعة
تتجدد معركة التراث عند الحديث عن تجديد الخطاب الديني، وتتعدد أطراف هذه المعركة، فلم تعد كما كانت في السابق بين تيارين، يمثل أحدهما علماء الدين المتمسكون بالتراث.. المقدسون له.. الخائفون على المساس به، والتيار الآخر يمثله العلمانيون الذي ينادون بفصل الدين عن السياسة، كتمهيد لفصله عن المجتمع والحياة بأسرها، وحصره في دور العبادة، كما هو الحال عند بعض غلاة العلمانية في الوطن العربي.

امتد الصراع إلى أبناء التيار الواحد، فعلى سبيل المثال المدافعون عن التراث انقسموا على أنفسهم، فمنهم من يرى عدم المساس به مطلقًا، ومنهم من ينادي باعتباره ماضيًا لا فائدة منه في حاضر الأمة ومستقبلها، ومنهم من يرى أن النظر في التراث الديني ضرورة لبقائه والحفاظ عليه، وهو أمر أصبح ضروريًّا وفق مقتضيات العصر.

وعلى الرغم من هذا الصراع فإن جميع أطرافه متفقون فيما بينهم على ضرورة تجديد الفكر الديني، ولكن محل الخلاف يكمن في عدة أمور، أولًا: المراد بالتجديد، ثانيًا: المقصود بالفكر الديني، ثالثًا: علاقة الفكر بالتراث الديني، أو موقع التراث من الفكر، رابعًا: من المنوط به عملية التجديد، وهل هي مقصورة على علماء الدين والشريعة فحسب، أم يشاركهم فيها غيرهم من غير المتخصصين في العلوم الشرعية؟، خامسًا: من أين نبدأ وكيف؟.

فإذا نظرنا للتجديد فلا يمكن أن يكون المراد به تجديد النص الديني المقدس، كالقرآن والسنة؛ لأن النص ثابت لا يتغير ولا يتجدد، وبالتالي يكون المراد التجديد في فهم النص؛ لأن الأفهام تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال؛ ما يعني أن الثوابت لا تجديد بشأنها، فلن تصبح صلاة العشاء ركعتين بدلًا من أربع؛ تيسيرًا على المسلمين في عصر السرعة، بحجة التجديد، ولن يقبل بهذا لا علماء الإسلام ولا عوامهم.

وكذلك الحال ينطبق على الحج على سبيل المثال، فلن ينتقل من البيت الحرام إلى أي مكان من أرض الله، تحت أي زعم، أو بأي حجة مهما كانت؛ لأن المساس بالثوابت لن يلقى رفضًا من علماء الشريعة ورجال الدين فحسب، وإنما يلقى غضبًا شعبيًا بين جموع المسلمين في العالم كله، باعتبار الدين مكونًا من مكونات المجتمع، فأي خلل أو مساس غير مقبول بهذا المكون يكون له تأثير على باقي المكونات.

أما المتغيرات فهي باب واسع لاجتهاد العلماء، فالخلافة على سبيل المثال كأحد أشكال الحكم في الدول الإسلامية قديمًا، قد تغير إلى أشكال أخرى، وقابل للتغير لأشكال جديدة مستقبلًا دون أي حرج، والفقه الإسلامي مليء بالمتغيرات التي تطرأ على واقع المسلمين، وتحتاج اجتهادات موسعة من علمائنا في المجامع الفقهية العالمية، مثل عمليات نقل الأعضاء، وودائع البنوك، وما يسمى بالاقتصاد الإسلامي وعملياته... إلخ.

وربما يشمل التجديد الفكر الديني أو الفقه الإسلامي أو الخطاب الديني، فكل هذه المصطلحات هي جهود بشرية في فهم النصوص الشرعية، وهذه الجهود اجتهادية، قابلة للصواب والخطأ، والأخذ والرد، والقبول والرفض، وهي ليست مقدسة كالقرآن والأحاديث الصحيحة الثابتة، فالتراث يشمل جميع ما سبق، فمنه ما هي ثوابت لا تقبل المساس بها كالنصوص الإلهية المقدسة، ومنه ما هي متغيرات تقبل الاجتهاد.

ولا بد أن يكون الاجتهاد لأهل الاجتهاد، الذين يملكون أدواته، فمن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب، ولا يعني ذلك عدم السماح لغير المتخصصين بالحديث عن تجديد الخطاب الديني والمطالبة الدائمة به، ولكن يقتصر دورهم على إلقاء الضوء على ما يحتاج إلى تجديد، ويتركون لأهل العلم والاختصاص فرصة النظر والبحث والاجتهاد.

الأزهر رفع راية التجديد، وحمل على عاتقه هذه المهمة بإنشاء مركز للتراث والتجديد، وهذه هي البداية؛ ولأنه مرجعية دينية في الأساس، فهو يعمل على تقديم فهم صحيح للنصوص الدينية، وهذا يتعارض مع من ينادون بإلغاء النصوص من أساسها بحجة أن العقل لا يقبلها، والصحيح أن عقله هو الذي لا يقبلها، وعليه أن يستمع للمتخصصين لفهمها فهمًا صحيحًا.

الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان، لكن هذا لا يعني أن كل نصوصه قابلة للتطبيق بعد عصر النبوة، ومن يحدد مدى صلاحية النصوص لعصرنا، هم المتخصصون، فهناك نصوص تاريخية، نزلت في وقائع معينة، حكت قصصًا بعينها، ولا يمكن أخذ هذه النصوص وتطبيقها على زمن لا تصلح للتطبيق فيه، كما أن هناك بعض الأحاديث التي نسختها أحاديث أخرى، ووقف العمل بها حتى عند الصحابة الذين عاصروا هذه الأحاديث، والإنسان العادي قد لا يعرف هذا، لذلك فإن الأمر يجب أن يوكل لأهله.

-----------------
نقلًا عن الأهرام المسائي
"