يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad
رشا عمار
رشا عمار

قطر التي لن تتعلم الدرس!

الأربعاء 29/يناير/2020 - 12:38 م
طباعة

فجر الرابع عشر من يناير الجاري، لم تبزغ شمس الشروق في صباح باكر كعادتها في السودان، بل جاءت محملةً بالرسائل، التي رسمت ملامح المؤامرة على الشعب، واضحةً كالشمس الحارقة في سماء العاصمة، بعد ليلة عصيبة، شهدت لأول مرة، إطلاق نار كثيف، داخل مقرين لجهاز المخابرات، بقلب الخرطوم. 


وفي خضم الأحداث المشتعلة، كانت طائرة قطرية تهبط على أرض السودان، قالت الدوحة: إنها محملة بالدواء والمساعدات الطبية، لكن مصادر سودانية من داخل جهاز الأمن، أكدت للصحافة المحلية، أنها كانت محملة بالسلاح.


الساعات التي تبعت «أحداث الليل»، لا يمكن وصفها إلا بالعصيبة، الفاعل مجهول في ذلك الوقت، لكن الهدف معلوم علم اليقين، إنها محاولة للانقلاب على إرادة الشعب المنتصر بثورته، على الفاشية الدينية، ليلة خَلفت العشرات من الأسئلة، حول أيادي الشر العابثة بالسودان، ووضعت عشرات العلامات، حول المستفيد من إثارة الفوضى، ليس في السودان وحده، لكن في المنطقة العربية جميعها.

 

في أبريل عام 2019، نجحت رياح التغيير التي اجتاحت السودان بهتافات مليونية غاضبة، في رسم خريطة جديدة للبلاد، شُطب منها اسم جماعة الإخوان وحكمهم للأبد.


ولم تنجح جهود دويلة قطر، التي دعمت نظام البشير الإخواني، ووقفت في وجه الثورة بالميليشيات والإرهاب في تثبيت أقدامه، وذهبت جميعها هباءً، واقتلع الشعب الغاضب جراء الظلم والفساد والفاشية باسم الدين جذور الإخوان.


وتبع سقوط البشير إجراءات موسعة؛ لتحسين مناخ السياسة والحريات، ودعم الاستقرار ونمو الاقتصاد والانفتاح وتمكين المرأة، والأهم توطيد العلاقات الدبلوماسية، المتوترة، مع دول الجوار؛ بسبب دعم نظام البشير للإرهاب.


ذلك بالتوازي مع تنفيذ إستراتيجية متكاملة؛ لتطهير المؤسسات من عناصر تنظيم الإخوان الإرهابي، بدأت بقرار المجلس السيادي السوداني بحل ميليشيا الإخوان الإرهابية المعروفة بـ«الوحدات الجهادية»، داخل الجامعات، مرورًا بتطهير المنابر من العناصر الإخوانية المتطرفة، وطرد قيادات التنظيم من المناصب السيادية، وإعلان إجراءات صارمة؛ لترحيل إخوان مصر الهاربين بعد 30 يونيو، وأخيرًا إعادة هيكلة منظومة الصناعات الدفاعية «التصنيع الحربي»؛ تحقيقًا لأهداف الثورة الشعبية، وتطهيرها من عناصر الإخوان وفلول نظام الرئيس المخلوع عمر البشير.


إجراءات كلها لم تكن على هوى النظام القطري، ذي النفوذ الكبير الاقتصادي والسياسي داخل الدولة؛ بفضل حكم الإخواني عمر البشير.


الخرطوم التي كانت الوجهة الأولى للإخوان، الهاربين من مصر، عقب ثورة شعبية، أطاحت بحكمهم، منتصف عام 2013، ومثلت الضلع الأقوى في مثلث الملاذ الآمن لقيادات التنظيم إلى جوار أنقرة والدوحة، باتت طاردة لكل ما هو إخواني، تسعى لتحقيق الاستقرار والازدهار واقتلاع جذور الإخوان.


الخرطوم التي حضرت حضورًا قويًّا لأجندة المشروع القطري التركي، أو ما سموه المشروع الإسلامي، منذ صعود البشير للحكم، إبان الانقلاب في العام 1989، أصبحت تشكل عقبة أمام نظام الحمدين في تحقيق أجندته التخريبية بالمنطقة.


الثورة السودانية التي لم تكد تؤتي ثمارها بعد الاستقرار النسبي الذي شهدته البلاد في ظل توافق القوى السياسية، تحت راية المجلس السيادي، وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع قوى الشر، الميليشيات والإرهاب، أدوات قطر المثلى في إدارة المعارك خارج حدودها الصغيرة.  


قطر التي استقبلت البشير المغضوب عليه في أوج الثورة السودانية في 21 يناير العام الماضي، وأعلنت دعمًا كاملًا له، ووجهت إعلامها؛ لإجهاض حراك الشعب السوداني بكل قوة وخبث، تعود اليوم للمشهد؛ لتفرض وجودها بالإرهاب، تلك سياستها التي تحترفها ونحفظها عن ظهر قلب، تلك قطر الشر، صاحبة الأدوار المشبوهة والمنبوذة في محيطنا العربي، تلك قطر القريبة إلى العرب جغرافيًّا، البعيدة كل البعد في الأهداف والنوايا، وهي العضو الفاسد في الجسد العربي، أحد أهم أدوات المشروع التخريبي.


ولا تختلف أدوات قطر في السودان، عن غيرها من البلاد التي تحاول ضرب أمنها واستقرارها، ويعد العمل الخيري، الغطاء الأمثل الذي استخدمته الدوحة في تمويل المسلحين، والعناصر الإرهابية، في المنطقة على مدار عقود.


وتأتي مؤسستي قطر الخيرية و«راف»، المصنفة كمنظمة إرهابية في مصر والسعودية والإمارات والبحرين، بعد ثبوت أدلة قاطعة ووثائق، تؤكد تورطها في دعم التنظيمات المسلحة والنزاعات العرقية والقبلية، فضلًا عن «منظمة الكرامة»، التي أسسها عبد الرحمن بن عمير النعيمي، أكبر ممول للجماعات الإرهابية، والمصنف على قوائم الإرهاب، لدى وزارة الخزانة الأمريكية.


المخطط في السودان واضحًا، قطر التي خسرت أهم ممرات مشروعها التخريبي بالمنطقة؛ بسبب سقوط البشير، تحاول هدم الاستقرار في السودان، بإسقاط حكومة عبد الله حمدوك، متسلحًا بأدواتها التقليدية، الإرهاب والفوضى، لكن ما تغفله قطر، أن الأدوات أصبحت مكشوفة، والشعوب العربية تعلمت الدرس جيدًا، لكن نظام الحمدين البليد لن يتعلم الدرس. 

"