يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad
رشا عمار
رشا عمار

خطبة الأسد العجوز

السبت 18/يناير/2020 - 08:15 م
طباعة

فشلت الشعارات الدينية والرسائل الحماسية الرنانة، التي ظلت بضاعة رائجة على المنابر منذ أربعة عقود، في إنقاذ رجال طهران من فكي الأحداث المتسارعة حولهم، فلم تكن خطبة «خامنئي» الغائب منذ ثماني سنوات محل اهتمام، أو مصدر ثقة تلك المرة، وعلى غير العادة، تسببت في إشعال فوهة البركان بمزيد من الاحتجاجات الشعبية، وعكست رسائل تؤكد قطعًا قرب انتهاء وهم «الجمهورية الإسلامية»، أو بمعنى أدق «دولة المرشد الأعلى».


بوجه عابس وتقاسيم غاضبة، ورسائل مضطربة ومنفصلة، طل علينا، الجمعة، ما يسمى بـ«القائد الأعلى» لإيران، المرشد آية الله على خامنئي بعد أسبوعين من الأحداث الاستثنائية داخل بلاده وخارجها، كان أبرزها مقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري» وما تبعه من عمليات استهدفت مواقع أمريكية في العراق، ثم اعتراف طهران بمسؤوليتها عن حادث الطائرة الأوكرانية المنكوبة، وأخيرًا إعلان بريطانيا حزب الله اللبناني، أحد أهم أذرع إيران بالشرق الأوسط تنظيمًا إرهابيًّا.


كأسد عجوز ظهر مرشد إيران على المنبر، حاملًا بضاعته القديمة، رسائل حماسية، شعارات دينية تستهدف استعراض قوة زائفة، محاولة صناعة أسطورة تسمى «قاسم سليماني»، وأخيرًا التأكيد على السيادة الإيرانية في وجه الضغط الأوروبي والأمريكي وتماسك الأذرع العاملة لصالح إيران بالمنطقة.


حاول أية الله خامنئي جاهدًا تسويق قاسم سليماني باعتباره بطلًا قوميًّا، لكن الشعب الإيراني الذي مزق صورة الجنرال في مظاهرات اجتاحت البلاد عقب مقتله، بات يدرك الدور الحقيقي الذي لعبه قائد فيلق القدس، كان مجرد «وكيل حرب» رجل احترف صنع الحروب بالوكالة، وأنفق أموال الإيرانيين لتمويل عمليات إرهابية في منطقة الشرق الأوسط، لم يكن سليماني رجلًا وطنيًا بل كان مخلصًا لمشروع تفتيت المنطقة.


وصف خامنئي مقتل سليماني بأنه يوم من «أيام الله»، وقال إنه أقوى قائد مقاتل ضد الإرهاب، وأقوى وأشهر قيادي عسكري، وهو ما استقبله الإيرانيون بالسخرية.


فشلت محاولة خامنئي، كما فشلت آلة الإعلام والدعاية الإيرانية في تسويق أسطورة «سليماني» باعتباره البطل الذي لعب دورا قوميًّا خارج الحدود الإيرانية ووضع حد لسياسات التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط وهز أعداء إيران في المنطقة، ووسع قطر النفوذ الإيراني في مساحات جديدة، لأن ذلك ببساطة لم يحدث، والإيرانيون يعلمون ذلك جيدًا. 


هلل خامنئي، بالرد الإيراني على أمريكا، ووصف استهداف القاعدتين بالعراق بأنه ضربة عسكرية مهمة، والأهم أنها ضربة لمكانة أمريكا، وأكد أنها «صفعة صاروخية».


وإذا اعتبرنا أن المرشد الإيراني حاول استعراض قوة زائفة، وتجاهل الحديث عن التسريبات التي تؤكد التنسيق بين إيران وأمريكا بشأن الرد، فإن أمرًا غاية في الأهمية كان يستوجب الرد من خامنئي وهو التهديدات الواضحة من وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، الذي قال خلال ندوة بجامعة ستانفورد العريقة نهار الإثنين، إن بلاده بصدد تدشين إستراتيجية ردع جديدة ضد الجمهورية الإيرانية.


تصريحات «بومبيو»، التي جاءت حاسمة عبرت عن تغيير الموقف الأمريكي تجاه طهران، بمعنى أن الفترة المقبلة ستشهد المزيد من العمليات الأمريكية لدحر نفوذ طهران وتقليم أظافرها، إذا واشنطن ستتبع سياسية "الهجوم وليس الدفاع"، ومع ذلك لم يذكر المرشد أي حديث عن ردع إيراني لإستراتيجية الولايات المتحدة الجديدة.


رسائل خامنئي فيما يتعلق بالردع الإيراني عكست أمرًا غاية في الأهمية وهو أنه بالرغم من محاولة استعراض القوة فإنه يدرك جيدًا تغير معادلة القوة التي فرضتها الولايات المتحدة على بلاده، كما يفهم جيدًا أن مقتل سليماني وما تبعه من أحداث أبرزها سقوط الطائرة الأوكرانية واعتراف الحرس الثوري بالمسؤولية، وهو ما أحدث انقسامًا داخليًّا غير مسبوق داخل أذرع النظام الإيراني، وسيؤثر بشكل مباشر على قوته.


أراد خامنئي خلال الخطبة البائسة استعادة زمن الميليشيات، بوصف المحتجين بـ«الخونة»، وهو ما يعطي إشارة خضراء للأجهزة لبسط مزيد من القمع ضد مواطنيه، كما ركز على قضية الردع أمام التهديدات الأجنبية، باستخدام الميليشيات.


المرشد حاول فرض المزيد من المراوغة السياسية بدعوة الإيرانيين للمشاركة في الانتخابات البرلمانية المزمع انعقادها في فبراير المقبل، متجاهلًا مطالب المحتجين بإجراء استفتاء على «الجمهورية الإسلامية». 


خطبة المرشد التي شكلت معالم السياسة الإيرانية في مرحلة تتسم بالتوتر، حاولت بكل جهد رأب الصدع في الداخل الإيراني، وأعطت إشارة بدء لأجهزة الدولة لممارسة مزيد من القمع ضد المحتجين، لكنها لم تعلن عن أي جديد بشأن إستراتيجية إيران للتعامل مع الموقف الخارجي خاصة ما يتعلق بالصراع المفتوح مع الولايات المتحدة، وهو ما يعدد المآلات بشأن نظام الملالي، ويجعل القوس مفتوحًا لمزيد من التوقعات كلها تمثل نهاية مأسوية لما سموه «الجمهورية الإسلامية».

 

 

 

 

 

 

"