يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad
مصطفى حمزة
مصطفى حمزة

إيران والأمريكان*

الخميس 16/يناير/2020 - 08:02 م
طباعة

العلاقات السياسية بين أمريكا وإيران، تثير الكثير من العجب والدهشة، لمن يتابع مواقف كل منهما تجاه الآخر، في مراحل زمنية مختلفة، وستكون النتيجة، أن إيران والأمريكان ليستا أعداء ألدّة، ولا أصدقاء أحماء، فلا يوجد في علم السياسة عداوة دائمة، ولا محبة دائمة، وإنما فقط مصالح دائمة؛ لذلك أميل لتشبيه هذه العلاقة، بعلاقة القط والفأر، التي جسدتها أفلام الكارتون الشهيرة، التي كنا نشاهدها ونحن صغار؛ لنضحك على كلا الطرفين، وتنتابنا مع ضحكاتنا حالة من عدم فهم طبيعة العلاقة بين القط «توم» والفأر «جيري».

 

بالأمس القريب، وجهت إيران ضربة صاروخية لقاعدتين عسكريتين أمريكيتين بالعراق، إحداهما بمحافظة الأنبار غربًا، تسمى «عين الأسد»، والأخرى في محافظة أربيل شمالًا؛ ردًّا منها على مقتل الجنرال الإيراني، قاسم سليماني، القائد السابق لفيلق القدس، إحدى وحدات القوات الخاصة للحرس الثوري بإيران، دون سقوط جندي أمريكي واحد، على الرغم من وجود نحو 5 آلاف جندي، ومستشار عسكري في العراق، يُوزعون على أكثر من 12 قاعدة عسكرية، أبرزهم «عين الأسد»، التي طالها الهجوم فجر الأربعاء.

 

المصلحة اقتضت ردة فعل إيرانية سريعة؛ حفظًا لماء الوجه الإيراني، والمصلحة أيضًا اقتضت إخبار الولايات المتحدة بتوقيت وحجم الضربة؛ لتكون على استعداد لها، ولا تُفاجأ وتأخذ حذرها، وهو ما حدث بالفعل، نُفذت الضربة دون وقوع أي خسائر بشرية أمريكية تذكر، وهذا ما أكده الرئيس دونالد ترامب، عبر حسابه على «تويتر»، بتغريدة قال فيها: «كل شيء على ما يرام»، وكذلك اعترفت ستيفاني جريشام، المتحدثة باسم البيت الأبيض، في بيان لها، بأن أمريكا كانت على علم بالتقارير الواردة بشأن الهجمات!.

 

وعلى الرغم من أن جواد ظريف، وزير خارجية إيران، قال: إن بلاده ستكتفي بهذا الرد، إلا أن هذا الموقف الرسمي لا يتنافى مع احتمالية وقوع عمليات ثأر أخرى، على يد ميليشيات موالية لإيران في العراق وغيرها؛ لتهديد المصالح الأمريكية في هذه البلدان؛ ما يبشر أيضًا بردود فعل أمريكية، سواء مباشرة أو غير مباشرة، لكن تبقى في النهاية هذه الأفعال وردود الأفعال، تدور داخل نطاق الصراع على المصالح، وتقاسمها في منطقة الشرق الأوسط والعالم.

 

إيران تصنف في علم الاجتماع السياسي، بأنها دولة وظيفية، أي تؤدي دور وظيفي، أو تقوم بوظيفة محددة لصالح الغرب، وتحديدًا الولايات المتحدة الأمريكية، فمن ناحية، قدمت إيران الدعم والمساندة العسكرية والاستخباراتية والسياسية للولايات المتحدة، خلال احتلالها لأفغانستان، ثم العراق، في المقابل عملت أمريكا على دمج ميليشيات إيران الطائفية داخل الجيش العراقي، في مرحلة «ما بعد صدام وحزب البعث»؛ ليصبح جيشًا طائفيًّا بامتياز، ولأن لكل شيء ثمن، فمصالح الدولتين اقتضت دعم إيران المالي المستمر والمتدفق لحركة حماس الإخوانية في قطاع غزة، وهي حركة صنعتها إسرائيل؛ لضرب المقاومة الوطنية، ومنظمة التحرير في فلسطين؛ لأنهم يعرفون أن أقرب طريق لتفتيت الوحدة الوطنية، هو الصراع الطائفي والمذهبي، الذي يفرق أبناء الوطن ولا يجمعهم، وذلك كله؛ للحفاظ على أمن إسرائيل في منطقتنا.

 

ما يحدث في تقديري، لا يعدو أن يكون نوعًا من تقسيم الأدوار وتوزيعها، والتي يترتب عليها بالتبعية، تقسيم المصالح والمكاسب، التي تعود على أطراف هذا الصراع، كل حسب حجمه وقوته، وفق موازين القوى، التي تحكم كل الصراعات التي تدور في عالمنا.

 ----------------------

*نقلًا عن «الأهرام المسائي».

"