يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad
عبدالرحيم علي
عبدالرحيم علي

انقلاب أردوغان.. وانهيار حلم الدخول للاتحاد الأوروبي

السبت 09/نوفمبر/2019 - 02:17 م
طباعة
ترجع العلاقة بين تنظيم الإخوان وأنقرة إلى أوائل ستينيات القرن الماضي، حينما نشر القيادي الإخواني التركي والأب الروحي للإخوان الأتراك «نجم الدين أربكان» البيان (المانيفستو) الخاص بتأسيس فرع للجماعة في تركيا، والذي أطلق عليه آنذاك «ميللي جوروش» وهي كلمة تركية تعني «الرؤية الوطنية»، هذا البيان الذي تأثر فيه أربكان بقيادي تنظيم الإخوان المصري سيد قطب.

عقب ذلك البيان (المانيفستو) مباشرة أنشأ أربكان في ألمانيا حركة تحمل نفس الاسم، والتي تحول اسمها عام 1995 ليصبح «المجتمع الإسلامي مللي جوروش» (IGMG).

وعقب تلك البداية في ألمانيا، انتشرت حركة المجتمع الإسلامي «مللي جوروش» في جميع أنحاء أوروبا، وبات لها العديد من الأفرع في هولندا وبلجيكا وفرنسا والنمسا والمملكة المتحدة، وفي كل تلك الدول تمتلك حركة المللي جوروش وتسيطر على مئات المساجد.

بداية اكتشاف أردوغان:
عام 1970، نظمت حركة الندوة العالمية للشباب الإسلامي (WAMY)، التي يسيطر عليها تنظيم الإخوان، أول معسكر شباب لها في شمال قبرص.

كان أحد المسؤولين في حركة الندوة العالمية حينها، عضو تنظيم الإخوان المصري كمال الهلباوي، وكان أحد المشرفين على معسكر قبرص، وكتب الهلباوي تقريرًا سريًّا حول المعسكر، قال فيه إنه رأى اثنين من الشباب الأتراك يستشرف فيهما روح القيادة، كان هذان الرجلان التركيان اللذان تحدث عنهما الهلباوي هما رجب طيب أردوغان وعبدالله جول.

من الحركة للحزب:
منذ أن أسس أربكان حركة الميللي جوروش، بدأ في تهيئة الأرضية المناسبة في تركيا لتمكين الإسلام السياسي، ففي عام 1970 أسس حزب النظام الوطني (MNP) الذي لم يلبث وأن تم حله عام 1971، ومن ثم بدأ أربكان في تأسيس حزبه الثاني عام 1972 الذي عُرف باسم حزب السلام الوطني (MSP)، الذي كان مصيره الحل أيضا عام 1980، عندما استولى الجيش التركي على مقاليد الأمور في البلاد.

ولكن أربكان لم ييأس فقد عاد مرة أخرى عام 1983 بحزب جديد أسماه حزب الرفاه (RF) الذي حظرته المحكمة الدستورية العليا في تركيا  بسبب انتهاكه لبنود الدستور التي تفصل بين الدين والدولة.

وحينما كان أربكان وأردوغان وجول، محظورين من ممارسة السياسة، قام أعضاء آخرون في حزب الرفاه بتأسيس حزب الفضيلة (FP)، وذلك في أواخر عام 1997، الذي تم حظره أيضًا عام 2001 عن طريق المحكمة الدستورية التركية.

انشقاق أربكان- أردوغان:
حينما تم السماح لأربكان وأردوغان وجول بالعودة إلى الحياة السياسية مرة أخرى، كان هناك انشقاق واضح بين الجيل القديم بزعامة أربكان والجيل الأحدث في الحركة مثل أردوغان وجول، لذا أصبح أربكان زعيم حزب السعادة عام 2001، بينما بدأ كل من أردوغان وجول في تأسيس حزبهما العدالة والتنمية (AK) في العام نفسه.

مانيفستو اربكان:
توفي أربكان عام 2011 ولكننا نستطيع أن نقول إن الفكر الإسلامي الذي كتبه أربكان في ستينيات القرن الماضي في بيانه الخاص (المانيفستو) هو القاعدة الأساسية لحزب العدالة والتنمية الذي أنشأه وترأسه أردوغان فيما بعد، وهو ذاته الفكرة والأيديولوجية التي تستند إليها الحركة الإسلامية التي تحمل اسم «الميللي جروش» والتي أنشئت أساسًا في أوروبا، إلا أنها توسعت ونشطت في الولايات المتحدة وأستراليا.

خرج كل من أردوغان وجول من رحم الميللي جوروش (MG)، إلا أنهما انفصلا عنها بسبب صراعات الدائرة الداخلية لأربكان التي كانت تركز على المكاسب المادية لحركة الميللي جروش في أوروبا؛ حيث بلغ دخلهم من الحركة مليون يورو شهريا من ألمانيا فقط.

أردوغان الوسطى آنذاك:
في إحدى برقيات السفارة الأمريكية في أنقرة عام 2004 وصفت المنتمين لحركة «ميللي جوروش» بالصلف، وأنهم يعرضون الإسلام في مواجهة الديمقراطية، ويتعاملون مع العالم باعتباره متآمرًا ضد الدين الإسلامي.

وفي نفس البرقية أشارت السفارة أن فرع الميللي جوروش المنتمي لحزب العدالة والتنمية يعتبر أقلية لا تأثير لهم بدون الحزب، إلا أنهم يظلون مؤثرين على المستوى الإقليمي داخل تركيا، أما بخصوص الدائرة الداخلية للعدالة والتنمية فقد رصدت المخابرات الأمريكية أن عبد الله جول هو المقرب من الميللي جوروش بأفكاره وأيديولوجيته، بينما يبتعد رجب طيب أردوغان أكثر إلى منطقة الوسط.

أولويات أردوغان:
كانت إحدى أهم أولويات أردوغان هي إلحاق تركيا بالاتحاد الأوروبي، وقال في حديث له عام 2004 أمام أكثر من 3 ملايين تركي أن تركيا بالفعل داخل أوروبا، مشيرًا إلى أن التقديرات تقول «آنذاك» إن حوالي 7 -10 ملايين تركي يعيشون بالفعل في أوروبا.

وبدأ أردوغان في ذلك الوقت الدفع بالفعل بتركيا إلى داخل أوروبا، وبالتزامن مع ذلك قام القائد العام للقوات المسلحة باتخاذ قرار عدم تدخل القوات المسلحة، بعد ذلك، في السياسة التركية، وكررها في كلمات واضحة وصريحة عام 2002 حينما أكد أنه «لن تحدث انقلابات عسكرية في تركيا مرة أخرى» إذا كان ذلك ما تريده أوروبا لكي نلتحق بالاتحاد الأوروبي.

كان العسكريون يؤكدون للجميع أننا لن نتدخل مرة أخرى في السياسة التركية في مقابل إدخال تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وإلا سيسيطر الإسلاميون على السلطة، ولكن يبدو أن أوروبا وأمريكا كانت لهم رؤية أخرى.

أردوغان والانقلاب الكبير:
خلع أردوغان قناع الوسطية عندما وجد أن أحدًا من القادة الأوروبيين لا يريد الاقتناع به، وسرعان ما انقلب الرجل 180 درجة على مبادئه الوسطية التي ظل يروج لها في صفوف مؤسسات صناعة القرار الأوروبية، وأظهر حقيقته الإخوانية المحضة كأحد أعضاء التنظيم الدولي للإخوان -الفرع التركي- المسمى «مييلي جروش».

فقد أحدث أردوغان تغييرًا كبيرًا في المسار داخل وخارج تركيا عام 2007، عندما أصبح حزب العدالة والتنمية هو الحزب الحاكم، وأصبح أردوغان رئيسًا للوزراء وزميله عبد الله جول رئيسًا لتركيا.

أرسل الرجل تعليمات وتوجيهات جديدة إلى السفارات التركية تقضي ببدء عملية أسلمة المؤسسات التركية، وعلى مستوى أقل، حصل أعضاء الميللي جوروش على وظائف شبه حكومية، وامتلكوا الشركات في الغرب مثل شركة الخطوط الجوية التركية، كما تم توجيه السفارات بالتعامل والتنسيق مع الميللي جوروش في دول مثل ألمانيا وهولندا والنمسا وبلجيكا وفرنسا، لم يقبل بعض السفراء تلك التوجيهات والقرارات الجديدة وقدموا استقالاتهم، وطلب البعض الآخر بحق اللجوء السياسي في الدول التي كانوا يمثلون بلادهم بها.

أما على الجانب الدعوي، فكانت رئاسة الشؤون الدينية والمعروفة باسم ديانت، هي المعقل الأساسي ضد الإسلام السياسي داخل تركيا، لكن منذ عام 2007 وبسبب التدفق الهائل لأعضاء حزب العدالة والتنمية وأعضاء الميللي جوروش داخل ديانت، بات شبه مؤكد تغير مؤشر البوصلة فيها، وأصبحت حتى خطب الجمعة في المساجد التي تسيطر عليها رئاسة الشؤون الدينية والمساجد التي تسيطر عليها الميللي جوروش واحدة، نفس النمط ونفس الأسلوب بل ونفس الأفكار، لم تعد ديانت هي الحصن والمعقل ضد الإسلام السياسي، بل أصبحت المنطلق والركيزة الأساسية في أدوات الإسلام السياسي للسيطرة على مساجد تركيا وعلى الأتراك الموجودين في المهجر أيضًا، وكانت المشكلة الوحيدة أن الحكومات الغربية ليس لديها حل لما حدث، واستمروا في التعامل مع ديانت، ولم يتعاملوا مع الميللي جوروش، لكن النتيجة واحدة فكلهم أصبحوا سواء.

الإخوان المصريون وتركيا:
حينما وصل الإخوان إلى سدة الحكم في مصر عقب أحداث يناير 2011، سافر العديد من الأعضاء البرلمانيين للإخوان المصريين والمسؤولين الحكوميين للتدريب في تركيا، وأعطى ما سمي بالربيع العربي لأردوغان الأمل في أن تركيا سوف تلعب دورًا مهمًّا في الشرق الأوسط، فبدأ في تحويل إسطنبول لكعبة التنظيم الدولي في جميع أنحاء العالم.

فنظم العديد من التنظيمات التابعة للتنظيم الدولي العديد من الفعاليات والاتفاقيات في إسطنبول:

ومن بين تلك المنظمات:

• المركز الأوروبي للفتوى والأبحاث
• الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين
• اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا.

منحت تلك الاجتماعات التي عقدت في إسطنبول التنظيم الدولي للإخوان حرية واسعة في التعبير والحديث بما يجول في صدورهم دون حرج من شيء؛ حيث إن اجتماعات أوروبا كانت دائمًا ما تكون مراقبة من الحكومات هناك، بينما في تركيا لا شيء يضغط عليهم، ويضطرهم لإستخدام لغة ثنائية وبراجماتية كما اعتادوا على ذلك في أوروبا.

وعلى صعيد آخر، بدأ التخطيط للاستيلاء على مصر ضمن الخلافة الكبرى لأردوغان، وتوافد رجال الأعمال الأتراك إلى مصر، آملين في مستقبل مشرق، إلا أن طموحاتهم وآمالهم راحت أدراج الرياح بعد عام واحد، حينما قامت ثورة ٣٠ يونيو، وانحاز الجيش المصري لمطالب الجماهير الغفيرة، وتم إنهاء حكم الإخوان بعد عام واحد فقط من حكمهم.

سوريا بديل لمصر:
بعد ذلك دخلت تركيا على خط الأزمة السورية في محاولة لإيجاد موضع قدم بعد فقدانها الأمل في مصر؛ حيث يمتلك الإخوان السوريون مقرًّا لهم في إسطنبول، وبدا أعضاء الإخوان السوريين في ترتيب أوضاع دخول أردوغان لسوريا، وأصبح بعض من قيادات الجماعة زعماء لتنظيمات إرهابية في حماة وحلب وحمص ورتبوا الأوضاع لاستقبال الأسلحة التي اشتروها من البلقان، والتي كانت تشحن لهم عن طريق سوريا، وجدير بالذكر أن الأسلحة الموجودة في ليبيا دخلت أيضا من تركيا.

لم يكتف أردوغان بذلك، وإنما حول تركيا إلى ملاذ آمن للإخوان المصريين، الذين فروا من مصر عقب سقوط حكمهم، على الرغم من وجود مقر لهم في لندن، إلا أن السواد الأعظم توجه إلى إسطنبول؛ حيث أتيح لهم الإمكانات اللازمة لإنشاء العديد من المنافذ الإعلامية وحسابات مواقع التواصل الاجتماعي لاستخدامها في الهجوم المستمر على النظام المصري، الذي تحول إلى شوكة في ظهر أحلام أردوغان للسيطرة على المنطقة.

كما أصبحت تركيا هي ملتقى المنظمات التابعة للتنظيم الدولي للتنسيق فيما بينهم، والتخطيط لغزو أوروبا.
"