يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

إيهاب يونس: الإنشاد يواجه التطرف ويصلح ما دَمَّره «داعش»

الخميس 24/مايو/2018 - 07:25 م
إيهاب يونس
إيهاب يونس
سارة رشاد
طباعة

بينما انشغل العالم بكيفية معالجة الدمار الذي خلفته همجية «داعش»، كان شيخ أزهري يتقدم إلى المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، في قلب العاصمة القاهرة، منشدًا بصوت أوبرالي راسخ: «يا مالكًا قدري وقدرك لا يدركه سواك.. إن جئتُ بابك عاجزًا أنا لست أملك إلا ذاك».

والإنشاد فن ديني عربي ارتبط بالإسلام والصوفية، يُسمى من يقدمه بـ«المُنشد»، وتُقدم فيه قصائد دينية، بعضها مدح في الذات الإلهية والأخرى حبٌّ في الرسول، يصنّف الإنشاد كفنٍّ غنائي يعتمد على حلاوة الصوت وحسن الكلمة والمعنى؛ ما يفسر توفيره لثراء روحي، يجعل مستمعه يسبح في أنهار من الرقة والعذوبة الدينية.


والمقصود والمرجو من هذا الفن أن يتخلص المستمع من همومه، ولو بشكل مؤقت؛ ليشعر بالراحة في قلبه، والطاقة الإيجابية تسري في روحه؛ ربما لهذا السبب تناولت دراسات بحثية دوره التاريخي في مواجهة الفتن، لتطرح سؤالًا: «هل يكون الإنشاد فاعلًا في إصلاح ما خلفه إرهاب «داعش» من دمار؟».


موقع «المرجع» حاور المنشد الشيخ إيهاب يونس، وتَبَيَّنَ حقائق أسراره وذكرياته عن هذا الفن القديم بجذوره وتاريخه، والحديث بدوره وأهميته وتأثيره في شريحة جديدة من الجمهور.


يعود يونس معنا بذكرياته إلى يناير 2017، حين ظهر على جمهور عربي وغير عربي، ضمن حفل للفريق الألماني المصري «كايرو ستيبس»، ملقيًا قصيدة من التراث الصوفي.


ولم يكن غريبًا أن يترك الحفل أثرًا في نفوس العرب العارفين بفن الإنشاد الديني والصوفية، لكن الغريب كان تأثيره في غير العرب، «يونس» يعترف بذلك، قائلًا: "دمعت أعينهم؛ فهم تأثروا بالإنشاد رغم عدم معرفتهم عنه، بل بعضهم أصلًا حضر لمجرد التعرف عليه".

 

«داعش» والإنشاد

«الإنشاد ليس فقط وسيلة لمواجهة التطرف، بل هو الوسيلة الأسهل لذلك»، هذا ما يعتقده «يونس»، ويفسره بأن الإنشاد فن، والفنون دائمًا ما تكون قادرةً على اختراق الروح، مشيرًا إلى أنه سبيل للتسلل إلى حياة الشباب العربي المتعاطف مع التنظيمات الجهادية، وينتظر فرصةً للانضمام، قائلًا: «نشغل لهم الفراغ الروحي».


هذا الفراغ الذي شغله «داعش» من قبل، عندما غنى أناشيد حماسية جهادية، وليست دينية بالمرة، وهناك فارق بين الإنشاد الديني والجهادي، ويُلاحظ أن التنظيمات الجهادية بشكل عام استعانت بالإنشاد في فترة من الفترات؛ لجذب أعداد كبيرة إليها، وهو ما نجح داعش فيه للأسف.


طوال الفترة الماضية عكف رجال دين من العالم الإسلامي على تحضير خطب دينية تنفي عن المسلمين «التطرف»، قال المنشد المصري: إن الإنشاد أبلغ من أي خطبة، «فالحديث السردي المستعين بالآيات والأحاديث عن وسطية الإسلام يمكن توصيله في قصيدة جيدة، ولحن متقن، وصوت جميل»، ولفت إلى أن هذا الأمر تم بالفعل منذ بدأ المنشدون العرب يجدون طريقًا لهم إلى القارة الأوروبية، مطربين لجمهور غير عربي عن الإسلام وسماحة رسوله؛ ليبدأ الجمهور في البحث عن ترجمة الكلمات التي تكون في الغالب بداية تعرفه بالإسلام.


واتفق هنا مع الرأي القائل: إن المنشدين العرب مطالبون باختيار القصائد، التي يقدمونها للجمهور الغربي؛ بحيث لا تكون مركزة على شكل الرسول، بقدر تركيزها على خلقه ورسالته، إضافةً إلى اختيارهم قصائد تتحدث عن تلك القواسم المشتركة بين المسلمين وغيرهم من الأديان الأخرى، مثل الحب الإلهي.

 

الإنشاد المصري على الخريطة

وعن تقييمه لوضع الإنشاد العربي والمصري تحديدًا قال، إنه يشهد تحسنًا ملحوظًا، سواء على مستوى الكلمات والألحان أو حتى الجمهور، وهنا أشار إلى تحول دخل على قائمة اهتمامات الشباب العربي في الفترة الأخيرة، موضحًا: «فبعدما كان أغلبه منشغلًا بالأغاني، عرف قطاع منه مؤخرًا الإنشاد، واعتاد التردد على حفلاته».


ويقول، إن أغلب جمهوره من الشباب، مبررًا ذلك بأن الإنشاد في مصر تَمَكَّنَ من تقديم نموذج شبابي، يعتبره امتدادًا للإنشاد الكلاسيكي (إنشاد الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي)، ويضيف أنهم تمكنوا من تطوير الألحان؛ بحيث سمحت لهم باستحضار التراث بصورة لاقت انبهارًا من قِبَل الشباب.


واعتبر «يونس» ذلك مكسبًا؛ إذ لم يعد الإنشاد مقتصرًا على موالد الصوفية (احتفالات شعبية تُلقى فيها الأشعار الدينية بشكل غنائي)، بل امتد إلى أبناء الطبقة المتوسطة والغنية وأصحاب الأعمار الصغيرة، بعدما كان مقصورًا على كبار السن فقط.


وعلى الرغم من التقدم الذي حققه الإنشاد فإن «يونس» اشتكى من عدم اهتمام الدولة في مصر به كفنٍّ، قائلًا: «يتذكرونه في المناسبات فقط»، مطالبًا بتوفير مهرجان سنوي للإنشاد.


وبعدما حققت فرق الإنشاد السورية التي قدمت إلى مصر مع بداية الحرب السورية في 2011 -مثل فرقة «المرعشلي» وفرقة «الإخوة أبو شعر»- نجاحًا، تردد حديث عن تراجع الإنشاد المصري في مقابل الإنشاد العربي، وهو ما رفضه المُنشد المصري، قائلًا: «تطور الإنشاد العربي في مصر، ومنها خرجت أسماء كبيرة، واعتقد أنها ما زالت قادرةً على تقديم فن وإبداع يكفي لسنوات قادمة». 

وتابع: إن الإعجاب بما تقدمه الفرق السورية هو حب المصريين للمستورد، مؤكدًا أن هذه الفرق عندما جاءت إلى مصر حرصت على التعلم في مدرسة الإنشاد المصري.


وللحفاظ على هذه المكانة قال «يونس»: إنه أشرف بالتعاون مع نقابة المنشدين المصريين على تأسيس مدرسة لتعليم المنشدين المصريين، وجذبهم إلى الدراسة؛ بحيث يكونون مصقلين بالموهبة والعلم، ويدرسون فيها اللغة العربية، ومخارج الحروف والمقامات الموسيقية.


هذا الجهد الذي يبذله «يونس» في تعليم المنشدين، أو في الحفلات خارج مصر، لم يشفع له عندما ظهر في ديسمبر الماضي بأحد البرامج التليفزيونية، مطربًا بإحدى أغنيات أم كلثوم وهو يرتدي زيًّا أزهريًّا (عمامة وقفطان)؛ ما دفع وزارة الأوقاف المصرية نفسها لمعاقبته بالمنع من الخطابة، وكان مبررها في ذلك أنه أهان الزي الأزهري.


وفي تعقيبه على الواقعة، قال المنشد المصري إيهاب يونس: «إنها استخدمت من قِبَل المختلفين مع الأزهر للإساءة له؛ لذا فهو لن يقدم على الغناء مجددًا لاحترامه للأزهر الشريف، ولأنه يفعل شيئًا أرقى من الغناء، هو «المديح».

"