يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«إطلاق اللاجئين».. فزاعة تركيا في وجه الاتحاد الأوروبي

الخميس 12/سبتمبر/2019 - 10:40 م
المرجع
مصطفى صلاح
طباعة

شكل تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 5 سبتمبر 2019، المتعلق بسماح بلاده بفتح الأبواب أمام اللاجئين للدخول إلى دول الاتحاد الأوروبي في حال عدم تقديم الدعم المالي اللازم لها، في ظل العديد من الأزمات السياسية والاقتصادية التي أضحت تعيشها تركيا، متهمًا الاتحاد الأوروبي بعدم الوفاء بصورة كاملة بوعده بشأن المساعدات المالية، لكن الاتحاد الأوروبي نفى هذه الاتهامات.


أردوغان
أردوغان
يذكر أن الاتحاد الأوروبي كان قد تعهد خلال القمة التركية – الأوروبية، المنعقدة في 29 أكتوبر 2015، بتقديم حزمة مساعدات مالية أولية من 3 مليارات يورو لدعم السوريين في تركيا حتى نهاية 2017، وخلال القمة الثانية في 18 مارس 2016، تقرر تقديم حزمة إضافية من 3 مليارات يورو حتى نهاية عام 2018، في حال انتهاء الحزمة الأولى.

وتستهدف تلك المساعدات تنفيذ العديد من المشاريع الهادفة إلى تلبية احتياجات اللاجئين السوريين في تركيا وتقديم الخدمات الأساسية من تعليم وغذاء وبنى تحتية، وبموجب هذه الاتفاقيات تعهدت تركيا بأن تكون دولة مقر بالنسبة للاجئين وأن تُوقف عمليات تدفق اللاجئين إلى الجانب الأوروبي عبر بحر إيجة، وأن يتم إرسال كافة اللاجئين الذين تمكنوا من العبور إلى اليونان، وتحتضن تركيا داخل أراضيها حوالي 3.5 مليون لاجئ سوري وتعد الدولة الأكثر استضافة للاجئين السوريين في العالم.(1)
«إطلاق اللاجئين»..
أزمات متداخلة

استقبلت تركيا في السنوات الماضية ملايين اللاجئين من دول مختلفة على رأسها سوريا التي قدم منها منذ اندلاع الأزمة في البلاد عام 2011 نحو 3.5 مليون شخص، حسب معطيات أنقرة، كما أن قيمة مساعدات اللاجئين التي قدمها الاتحاد الأوروبي حتى الآن إلى تركيا بلغت 467 مليون يورو من أصل ثلاثة مليارات يورو وعد التكتل بتقديمها لحكومة أنقرة على مدار العامين 2016 و2017، وأوضحت المفوضية أن هذا الدعم جزء من إجمالي بقيمة 1,252 مليار يورو تم الاتفاق على تخصيصه لصالح 34 مشروعًا محددًا. يذكر أن الاتحاد الأوروبي يساعد في تمويل إيواء اللاجئين في تركيا وذلك في مقابل تعاون أنقرة في جهود حل أزمة اللاجئين.

ولم يكن هذا الملف فقط هو السبب في توتر العلاقات التركية الأوروبية بصورة منفصلة ولكن تعددت القضايا الخلافية بين الجانبين، خاصة ملف غاز منطقة شرق المتوسط، وأن الاتحاد الأوروبي أعلن في 09 يوليو 2019، إمكانية تعليق الاتصالات رفيعة المستوى مع تركيا ووقف المساعدات المالية لها احتجاجًا على أنشطة التنقيب غير المشروعة عن الغاز الطبيعي بالقرب من السواحل القبرصية.

وتضمنت مقترحات المفوضية الأوروبية للضغط على تركيا من أجل وقف أعمال التنقيب عن الغاز بالقرب من سواحل قبرص (العضو في الاتحاد الأوروبي) تعليق أي اجتماعات على مستوى الوزراء أو على مستوى القمة مع تركيا، إلى جانب وقف المحادثات الحالية بين الجانبين بشأن اتفاقية للطيران.
«إطلاق اللاجئين»..
كما أعلن الاتحاد الأوروبي من قبل خلال قمة بروكسل في 21 يونيو 2019، تهديد تركيا بالعقوبات إن لم توقف توقف عملياتها غير الشرعية للتنقيب عن الغاز قبالة سواحل قبرص، وذلك بعد ساعات على إرسال أنقرة سفينة تنقيب ثانية إلى هناك، وعملت دول الاتحاد على اتخاذ تدابير مناسبة في خياراتها تجاه التصعيد التركي في منطقة شرق المتوسط، وصلت حد التهديد بفرض العقوبات الاقتصادية على خلفية سلوكها التصعيدي تجاه اليونان وقبرص على الغاز في منطقة شرق المتوسط، وتكمن أهميتها كونها تأتي في ظل الضغوط الاقتصادية التي تشهدها تركيا بالأساس، ومن ثم تتزايد نتائجها في التأثير على الداخل التركي ووضع حزب العدالة والتنمية في وضعية سلبية.(2)
توظيف اللاجئين

يمثل ملف اللاجئين أحد القضايا المحورية التي يتم توظيفها من جانب أنقرة في تحقيق أهداف سياساتها الخارجية خاصة فيما يتعلق بمحورين أساسيين؛ الأول يتمثل في ضمان التأثير بصورة مباشرة في مجريات ومخرجات الأزمة السورية، والثاني يتعلق بتوظيف الجهود الدولية في ضمان استمرار الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري لتركيا خاصة من جانب الدول الأوروبية، وبالتالي فإن هناك العديد من الأهداف التي تسعى تركيا إلى تحقيقها بانتهاج سياسات الضغط بورقة اللاجئين.

وعلى الرغم من أهمية هذا الملف بالنسبة لتركيا فإن هناك العديد من الأزمات التي ظهرت على خلفية هذا الملف؛ حيث ظهرت مشكلة اللاجئين بعدما تزايدت الضغوط الشعبية التركية تجاه سياسة العدالة والتنمية الذي حاول توظيف موجات التدفق العالية من جانب اللاجئين في ممارسة دور خارجي فاعل في الأزمة السورية بالمشاركة في عمليات التسوية السياسية المستقبلية والمتعلقة في المقام الأول بالمكون الكردي ومواجهته عسكريًّا، أو من خلال استغلال اللاجئين للحصول على التمويلات الأوروبية الخاصة بصناديق الدعم الموجهة لهم، وفي هذا الإطار شهدت تركيا حالة من الاضطرابات الداخلية فيما يتعلق بوضعية اللاجئين الداخلية بفعل الضغوط الاقتصادية التي تشهدها تركيا، ومع تزايد الضغوط الداخلية تم ترحيل العديد من اللاجئين السوريين إلى إدلب وبعض المدن السورية، بالإضافة إلى تلويح أنقرة بورقة اللاجئين في تهديد الأمن الأوروبي مقابل الحصول على الأموال والدعم السياسي في مساندة الدور التركي في المنطقة وخاصة في الداخل السوري.(3)
المنطقة الآمنة الهدف الاستراتيجي

تعتزم تركيا بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية إقامة «منطقة آمنة» في شمال شرق سوريا بحلول نهاية سبتمبر 2019؛ لكنها مستعدة للتحرك منفردة إذا اقتضى الأمر، وفي حال ذلك تحتاج تركيا مساعدات مالية كافية ودعم لإقامة منطقة آمنة في شمال سوريا، بمساعدة الاتحاد الأوروبي، وأوضحت أنقرة بأن هدفها بلاده توطين مالا يقل عن مليون شخص من اللاجئين السوريين في المنطقة الآمنة، التي سيتم تشكيلها على طول 450 كم من الحدود مع سوريا.

ومن زاوية أخرى فإن ملف اللاجئين يمثل أحد الأوراق ذات الأهمية الكبرى فيما يتعلق باتساع مساحة الضغط على النظام التركي لترحيلهم، ما يمكن لأردوغان أن يبرر الضغوط التي يتعرض لها داخليًّا بالسعي لتوفير مكان آمن لترحيل اللاجئين السوريين من تركيا إلى شمال شرق سوريا، أو في منطقة إدلب، أو للضغط على الاتحاد الأوروبي لزيادة مستوى الدعم المقدم خاصة وأن تركيا تعاني العديد من المشكلات من الأزمات الاقتصادية التي تؤثر بصورة سلبية على شعبية حزب العدالة والتنمية الحاكم، خاصة في ظل ارتفاع معدلات التضخم، وزيادة معدلات البطالة، وتراجع الاحتياطي النقدي من العملة الصعبة في ظل العقوبات الاقتصادية المحتملة عليها من جانب الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، ومن ثم فإن هذا الملف يعد ورقة ضغط كبرى لتحقيق مصلحة الحزب وأردوغان ومن ثم الالتفاف على هذه الضغوط وتبرير موقفه.

وفي 7 أغسطس 2019، توصلت أنقرة وواشنطن لاتفاق يقضي بإنشاء «مركز عمليات مشتركة" في تركيا لتنسيق وإدارة إنشاء المنطقة الآمنة شمالي سوريا، وذلك كانعكاس لما شهدته مدينة إدلب السورية من تحركات عسكرية برية وجوية من جانب الجيش السوري، وإحراز تقدم للقوات الحكومية وانسحاب فصائل من المعارضة المسلحة من بلدة خان شيخون، إضافة لذلك  أعلنت وزارة الدفاع التركية، في 19 أغسطس 2019، بأن رتل عسكري تابع لها يتكون من 25 من الآليات والمعدات والشاحنات دخل من معبر باب الهوى الحدودي إلى الأراضي السورية، تعرض لقصف جوي خلال توجهه إلى نقطة المراقبة التاسعة في إدلب، وذلك بعد ساعات من تحذير النظام السوري لنظيره التركي من دعم الإرهابيين مناطق ريف إدلب، وذلك غداة دخول قوات النظام السوري إلى خان شيخون للمرة الأولى منذ عام 2014.

إن معركة إدلب والتهديدات التركية بتوظيف ملف اللاجئين لا ينفصلا عن التطورات في الشمال السوري، ومن المؤكد أن تركيا تبحث عن مشاركة مع قوات أمريكية على الشريط الحدودي، دون إلحاق أذى بقوات سوريا الديمقراطية والادارات الذاتية في المنطقة، خاصة وأن تركيا تحاول الوصول مع الولايات المتحدة إلى صيغة اتفاق بينهما حول المنطقة الآمنة، خاصة وأنه بحسب شروط الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين أنقرة وواشنطن، فإن السلطات ستستخدم مركز التنسيق الذي سيكون مقره في تركيا من أجل الإعداد لمنطقة آمنة في شمال سوريا، بهدف إنشاء منطقة عازلة بين الحدود التركية والمناطق التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية، القوات المدعومة من واشنطن والتي تصنفها أنقرة إرهابية.(4)

إن ملف اللاجئين بات الآن الورقة الأكثر تأثيرًا فيما يتعلق بضمان استمرار السياسة التركية في المنطقة وخاصة في سوريا، بعدما تعرضت أنقرة للعديد من الضغوط الإقليمية والدولية وتزايد احتمالات فرض العقوبات الاقتصادية والسياسية عليها، وبالتالي فليس من المستبعد أن يكون هامش الحركة التركي الآن في هذا الاتجاه خاصة وأن ملف اللاجئين يتشارك اهتمام العديد من الدول الإقليمية والدولية ومن خلاله يمكن أن تحفظ لنفسها قدر من التأثير على الجانب الأوروبي الطرف الذي يمثل الطرف الأهم في هذه المعادلة من حيث التأثيرات السلبية لحركة اللاجئين تجاهه، أو في استمرار المبررات لدور تركي في سوريا.
المراجع:

1) أردوغان: لا يمكن لتركيا أن تتحمل موجة نزوح أخرى من سوريا، على الرابط 
2) الاتحاد الأوروبي يدرس خفض المساعدات المالية لتركيا بسبب «أزمة الغاز»، على الرابط
3) "غارديان" تكشف تفاصيل المساعدات التي تقدمها أوروبا للسوريين في تركيا، على الرابط
4) مصطفى صلاح، تحركات ضاغطة .. تركيا وسيناريوهات ما بعد معركة إدلب، على الرابط

 
"