يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

ماهر فرغلي يكتب: حركة حسم والسقوط في بئر (معهد الأورام)

السبت 10/أغسطس/2019 - 11:33 ص
المرجع
ماهر فرغلي
طباعة

يتلقّى عبد الرحمن خالد محمود عبد الرحمن، اسمه الحركي (معتصم) أمراً من الحركي (محمد عايش) المقيم بتركيا، بنقل سيارة متفجرات إلى مكان غرب القاهرة، لحين تكليفه بعملية انتحارية، وفي شقة بعيد بمدينة الشروق وأخرى في مركز إطسا بمحافظة الفيوم، يلتقي الأول بعناصر الخلية، وهم حسام عادل محمد (عنصر دعم)، وإبراهيم خالد، وإسلام قرني محمد.

قبل أن يلقى مصرعه بأيام، يذهب بنفس السيارة التي سيحملها فيما بعد بالمتفجرات، ويلتقي والده ووالدته ويودعهما في حديقة الأزهر، وبعدها يقرر تنفيذ المهمة.     

في يوم الأحد الموافق 4 آب (أغسطس) وتحديداً قبل الفجر يسير (معتصم) في في محيط حي المنيل بالقاهرة متجهاً بسيارته لجهة لا يعلمها سوى هو ورفيقه المسؤول عن الرصد والدعم حسام عادل محمد، لكنه يفاجأ بكمين شرطي، فيعود في عكس الاتجاه ويسير أمام معهد الأورام، مخالفاً القواعد المرورية، فيصدم وفق شهود العيان بسائق (ميكروباص) ويحدث انفجار يودي بحياة 20 شخصاً، ويؤدي لإصابة 40 آخرين من المارة ومرضى معهد الأورام، وفق وزارة الصحة المصرية، التي أعلنت عن لسان وزيرتها، العثور على أشلاء المنفذ، وأن مصلحة الطب الشرعي، قامت بتحليل الـDNA  لجميع الأشلاء التي تم إحضارها من موقع الحادث الإرهابي للتفريق بين كل جثة على حدة وتجميع الأشلاء الخاصة بالمتهم، الذي كان يقود السيارة بعد التأكد من الحمض النووى لها، وأن فريقاً من الأطباء الشرعيين وخبراء الأدلة الجنائية كوّنوا ملامح الوجه من خلال تحليل الأنسجة ورسم صورة توضيحية بتقنية الـ3d لشكل الوجه تمهيدا للبحث عن أقرب صورة له عن طريق الأدلة الجنائية وخبراء البصمات، وتم التوصل إلى هوّية المتهم، وتبين أنه عبد الرحمن خالد محمود عبد الرحمن، مقيم بمحافظة الفيوم وهارب من إحدى قضايا "طلائع حسم".

ماهر فرغلي يكتب:

الرواية الأمنية

وفق الرواية الأمنية، التي وردت في بيان وزعته وزارة الداخلية المصرية، يوم.. فإنها استطاعت معرفة خط سير السيارة التي كانت تحمل المتفجرات، عن طريق الكاميرات، وأنها جمعت أشلاء الإرهابي، واستطاعت الوصول لهوية صاحبها، وتبين أن له تاريخاً إرهابياً، وأن شقيقه أيضاً ينتمي لجماعة الإخوان، وبتقنين الإجراءات توصلت للخلية، التي كانت تقيم في الشروق، ومدينة سنورس، وتبادلت معها إطلاق النيران فقتلت 7 عناصر، وألقت القبض على حسام عادل أحمد - حركي "معاذ" فاعترف أنه أحد المتورطين في حادث معهد الأورام، وقال في فيديو بثه التلفزيون المصري: إنه انضم لحركة حسم الإرهابية في عام 2018، وإن عبد الرحمن خالد محمود كان مسؤول الحركة واسمه الحركي "معتصم"، وهو منفذ الهجوم الانتحاري.

أضاف "عادل" في اعترافاته المتلفزة: إنه يتولى مهام الدعم اللوجستي والرصد، مشيراً إلى أن كل عضو بالتنظيم يتلقى تكليفاته من مسؤول التنظيم الإرهابي في تركيا والسودان كل على حدة، وإن "معتصم" أخد تكليفاً بنقل سيارة بها متفجرات لمنطقة بعينها إلى أن يتم التكليف مجدداً لتنفيذ عملية إرهابية بها، منوهاً إلى أنه جهّز قبل حادث معهد الأورام زيارة لأسرة "معتصم" لتوديعه أمام حديقة الأزهر.

الوزارة قالت في بيانها: إنه حال ضبط إبراهيم خالد وحال قيامه بالإرشاد عن مكان اختباء الإرهابي الهارب إسلام محمد قرني محمد، السابق اتهامه في إحدى قضايا تصنيع المتفجرات، وإتلاف محولات كهرباء بمنطقة التبين، وخلال إطلاق إسلام قرني النيران صوب القوات محاولاً الهرب، تمكّن إبراهيم من الهروب برفقته حيث تم التعامل معهما مما أسفر عن مصرعهما، وأمكن ملاحقة باقي الخلية وتحديد الأماكن التي اتخذتها تلك العناصر للاختباء والانطلاق لتنفيذ عملياتهم الإرهابية أحدها في مبنى مهجور بالطريق الصحراوي  بمركز اطسا بالفيوم والآخر كائنة بالإسكان الاجتماعي بمنطقة شرق الشروق 3 بالقاهرة، وعثر بهذه الأماكن على 5 قطع سلاح آلي و2 بندقية خرطوش، و5 عبوات متفجرة معدة للاستخدام، ومواد تصنيع العبوات.

نشرت الداخلية المصرية فيديوهات نقلتها وسائل الإعلام المحلية والعربية يوم الخميس الموافق 8 آب (أغسطس) 2019 للسيارة المستخدمة في التفجير وخط سيرها، ولقائد الخلية معتصم وهو يودع أسرته بحديقة الأزهر، كما اعترافات مسؤول الرصد، وحواراً هاتفياً بينه وبين الحركي محمد عايش المقيم بتركيا.

ماهر فرغلي يكتب:

هل تفعلها حسم؟

حسم المتهمة الرئيسية بالعملية أصدرت في اليوم التالي بياناً نفت فيه مسؤوليتها عن الحادث الإرهابي، مقدمة تعزية للشعب المصري، وقالت إنها لا تستهدف المواطنين!.

في تصريح خاص لمسؤول أمني مصري، رفض ذكر اسمه، قال:  من أول وهلة عرفنا أنها حسم، لأن الدلائل كلها كانت تشير لتورطها، لعدة أسباب أولها محاولاتها المستمرة للقيام بعمليات خلال الفترة الماضية، وآخرها عملية المتحف المصري، وثانيها أن حجم التفجير يدل على أنها إحدى المجموعات الإخوانية، لأن هذا الكم من العمليات والمتفجرات لا يستطيع تمويله سوى جماعة الإخوان، كما أن القاعدة أوقف عملياته بمصر، وفشلت كل مجموعاته التي كانت تستخدم التفجير عن بعد فقط في عمليات موجه للشرطة، مثل جماعة أجناد مصر، وأما داعش فإن مجموعاته بالمحافظات تم تفكيكها، وباقيه الآخر بسيناء محاصر حصاراً كاملاً.

ورأى المسؤول المصري أنه من الطبيعي أن تستنكر حسم العملية، وترفض الإعلان عن المسؤولية عنها، لأنها مشينة للغاية للجماعة بسبب استهداف آمنين، فضلاً أنهم من مرضى الأورام السرطانية.

الإعلام الإخواني، ولجان استقطابه المنتشرة بالعالم الافتراضي يرفضون طوال الوقت الاعتراف بالصلة المباشرة بين مجموعات حسم والإخوان، وفي ذات الوقت يلعبون دوراً كبيراً في نفي مسؤولية المجموعة عن أي فعل إرهابي، لكن في خطابهم المرتبك يصفونها أحياناً بالثورية، أو يبررون أعمالها على أنها ردود أفعال، ولو أضفنا التنظيرات الفكرية لحركة حسم، التي جلها لرموز إخوانية، فسيتبين لنا على الفور تلك العلاقة.

وحين نراجع ما قاله عضو مجلس شورى الإخوان مجدي شلش، وهو متوفر باليوتيوب، حول تشكيلهم مجموعات العمل النوعي المسلح، كما لو ألقينا نظرة على كتاب (أبجديات العمل المقاوم) الذي نشره أحمد المغير على صفحته، وكتاب (فقه المقاومة الشعبية) لاتضح الأمر جملة وتفصيلاً.

الباحث المختص في الإسلام السياسي، أحمد الشوربجي، في تصريح خاص تساءل: منذ متى والإخوان تعلن مسؤوليتها عن الحوادث الإرهابية؟.. إنهم حتى الآن ينفون تاريخياً اغتيالهم  للنقراشي والخازندار، ويدعّون أن عبد الناصر أودع سيد قطب في السجون ظلماً، رغم أنه من المعلوم بالضرورة أن الإخوان دعموا كل جماعات العنف، وأنهم يشكّلون أجنحة عسكرية بأسماء أخرى غير اسم الجماعة.

الشوربجي أكد أن كل جماعات الإسلام السياسي بلا استثناء لا تعتبر المواطنين هدفاً مباشراً لكنها تقتلها سواء بالقصد أو بدونه ويقولون يبعصون على نياتهم، وفق فتوى التترس لابن تيمية.

العمل النوعي المستمر دون جدوى

ادعّت قناة (مكملين) الإخوانية، وكذلك قناة الجزيرة في تقرير لها ضعف حركة حسم، وعدم قدرتها على هذا الفعل التفجيري، مستندة لتقارير لخبراء أمنيين مصريين حول انتهاء التنظيم بفعل الضربات الأمنية.

في الحقيقة إن الذين استنكروا هذا الفعل بحجة ضعف حسم، لا بد وأن يعلموا أنها ليست جسماً واحداً، بل هي تنقسم وفق ما ورد في تحقيقات (طلائع فتح) إلى: عمل جماهيري + عمل دعوى واستقطابي + عمل نوعي، وأن المجموعات تنقسم إلى مجموعات في الشمال، وأخرى في الجنوب، ومجموعات مركزية بالقاهرة وضواحيها، وأما هيكلها فينقسم إلى العمل النوعى المبتدئ، ومجموعات العمل النوعي الحر، ومجموعات العمل النوعي الخاص، والأخيرة كان أحد مسؤوليها هو أحمد عاطف عمار.

العمل النوعي المبتدئ هو الذي يقوم به مبتدئون تم تجنيدهم حديثاً أو تم إدخالهم للتنظيم السري في وقت قريب، وبالتالي فهم يقومون بأعمال ضعيفة، مثل وضع قنبلة أسفل أتوبيس سياحي، كما جرى في منطقة المريوطية بالقاهرة، وهم سيتم ترقيتهم فيما بعد للانتماء لمجموعات العمل النوعي الحر.

أما مجموعات العمل النوعي المختص، فهي وفق خطة أطلق عليها: (القيادة العامة للجان الحراك المسلح)، اعتمدت على المناهج الجهادية، وأخذت نفس الهيكل التنظيمي للحرس الثورى الإيرانى وطبقته حرفياً، في تصنيع المتفجرات، والتعامل مع المحققين، وتكنولوجيا المعلومات، مثل  (التزوير، الطباعة، التنكر، المونتاج، مقاومة التحقيقات)، وقسمت مصر لعدة قطاعات جغرافية رئيسية تتكون من مجموعه من الوحدات، والخطوط العملياتية وتضم عناصر حركية تختص بـ(الرصد، التنفيذ، التصنيع، التنكر).

تم تكليف عدد من قيادات المكاتب الإدارية ومنهم الهارب لتركيا يحيي موسى أو محمد عبد الرؤوف بقيادة حسم، التي أصبحت عبارة عن مجموعة من الغرف، كل واحدة منها، تتكون من 3 وحدات، كل وحدة تتكون من 3 خطوط، وكل خط يتكون من مجموعات للرصد، وتصنيع المتفجرات والتنفيذ، وهذه هي الصعوبة التي تواجه الأجهزة الأمنية لملاحقتها، إذ إن هذه الغرف تتشكل عبر مواقع التوصل، ولا يقبلون بها أي عنصر إلا بتزكية من عضو إخواني.

أما خطة مجموعات العمل النوعي المختص فهي عبارة عن ثلاث مراحل: أولها تأهيل عناصر مجموعات العمل النوعي وتدريبها خارج البلاد، وثانيها تشكيل تيار سياسي معلن من القوى السياسية الرافضة لما أسموه بـ «الانقلاب العسكري» لإحداث حالة من الحشد الشعبي ليؤدي إلى ثورة شعبية تصل إلى إسقاط النظام الحاكم، وثالثها السيطرة الأمنية والإدارية على إحدى مناطق الجمهورية.

فشلت الخطة السابقة في تحقيق مآربها، وسقط من مجموعات حسم أكثر من 400 عنصر، ويبدو أنها ستلحق بمثيلاتها التي تم تفكيكها تماماً (حركة العقاب الثوري – المقاومة الشعبية – ولع – لواء الثورة – كتائب حلوان) وكلها حركات إخوانية.

يرى الكاتب في الإسلام السياسي محمد الفقي في تصريح خاص، أن مسارات الهروب الإخوانية إلى الخارج وتحديداً تركيا أدت إلى ارتباط كبير مع أنقرة، وأن ذلك أعطى حماية كبيرة لقيادات الحركة، ومكّنهم من التمويل، إلا أن الهجوم على مصر من المركز غالباً ما يفشل تاريخياً، لذا فإن هذه الرحكة سيصيبها الفشل وسيؤدي ما فعلوه أمام معهد الأورام إلى نقاشات داخلية حول جدوى هذه الأفعال للتنظيم، وهي بالفعل نقاشات حادة حدثت مرات عديدة وأدت إلى وجود فريقين متباينين بالجماعة.

سار عبد الرحمن خالد محمود عبد الرحمن بسيارته المحملة بالمتفجرات ليخبئها ليوم تفجير انتحاري موعود، إلا أن القدر كان أسبق وأسرع منه، وذهب ليلقى ربه، بينما من خططوا له قابعون هناك يتفرجون، ولا يستطيعوا أن يفخروا بفعلتهم، لنهم بعرفون أنهم سقطوا في بئر الخيانة أمام معهد الفقراء والمرضى والموجوعين، الذين حوصروا بمرضي السرطان والإرهاب.

"