رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

«فقه الانتظار».. كتاب يوثق انقلاب الخميني على التراث الشيعي

السبت 29/سبتمبر/2018 - 11:50 م
فقه الانتظار
فقه الانتظار
إسلام محمد
طباعة
صدر حديثًا عن المعهد الدولي للدراسات الإيرانية كتاب: «فقه الانتظار.. التيارات الدينية الإيرانية والصراع على الحق المطلق للفقيه في الولاية»، للباحث محمد الصياد، مسؤول وحدة الدراسات الفكرية والأيدلوجية بالمعهد، ويتضمن الكتاب شرحًا تفصيليًّا لموقف المدارس الشيعية المختلفة من السياسة وتحولاتها عبر التاريخ.


وتناول المؤلف في مقدمة الكتاب، تاريخ الفكر السياسي الشيعي منذ عهد الأئمة ونشوء المرجعية الشيعية، ومرورًا بعهد الصفويين والقاجاريين والبهلويين، وحتى ظهور نظرية «ولاية الفقيه» على يد «روح الله الخميني»، وتطبيقها على أرض الواقع في الدستور الإيراني الصادر عام 1979، والذي كرس هيمنة المرشد الأعلى على السلطة.


وأوضح «الصياد»، أن منهج «فقه الانتظار» ظل معتمدًا لدى الطائفة الشيعية، حتى تمّ تغييره والقفز عليه على يد «الخميني»، و«محمد الشيرازيّ»، مبينًا أن ذلك شكل انقلابًا في الفكر السياسي الشيعي المتوارث تاريخيًّا، مسلطًا الضوء على أبرز مدرستين تاريخيتين تبنتا فكرة الانتظار السلبي ورفض الانخراط بالعمل السياسي، وهما المدرسة الإخبارية، والمدرسة الأصولية الانتظارية، واللتان اتفقتا على ضرورة تجنب رجال الدين مسالك السياسة.


وأكد الكاتب، أن  المدرسة الإخبارية تؤمن بالفقه التقليدي الشيعي، المتوارث منذ نشأة الحوزة، وهو الفكر السياسي الشيعي المعتمد؛ فلا يؤمن الإخباريون بالسياسة ولا يملكون طرحًا سياسيًّا، بل يعتقدون أنّ الشيعة غير مكلفين بإقامة دولة طيلة غياب الإمام المعصوم (الإمام المهدي)، وأنه المكلّف بإقامة الدولة وحده، لأنه منصب من الله بالاسم والتعيين، ومن ثمّ سيعدل بين الرعية ولن يمارس ظلمًا وجورًا.


وتتشارك الأصولية الانتظارية مع المدرسة الإخبارية في ذات الطرح، والأمر المشترك بين الفريقين يكمن في الناحية السياسية فقط، لأنهم في الدرس الفقهي والحوزوي مختلفون غاية الاختلاف، وخاصة في أصول الاستنباط وموارده.


وتنقسم الأصولية الانتظارية بدورها إلى فريقين: الفريق الأول هو الأصولية التقليدية الانتظارية، وهي التي تمثلها حوزة النجف، وجناح من حوزة قم، وبعض فقهاء الشيعة في مواطن مختلفة، وهذا الفريق لا يؤمن بالعمل السياسي مطلقًا، وهو ما يتوافق مع المدرسة الأخبارية الأمّ.


أما الفريق الثاني، فتمثله الأصولية الانتظارية الإيجابية، وهي التي تمردت على الأصوليتين: التقليدية الانتظارية، والتقليدية الحركية الممثلة في «ولاية الفقيه»، وقرأت الانتظار قراءة إيجابية، فسعت إلى قيام دولة في ظل غياب «الإمام المعصوم»؛ لكن الدولة وفقًا لرؤيتهم ليست دينية، بل هي مدنية دستورية تحفظ حقوق الجميع، حتى ظهور «المهدي»، وهي بهذا الطرح تعادي أصحاب نظرية «ولاية الفقيه»، وأتباع الحوزة التقليدية الانتظارية بشقيها الأصولي والإخباري.


ويمثل الأصولية الانتظارية الإيجابية، منظرو الثورة الدستورية التي قامت عام 1906، وروافدهم حتى اليوم، بدء من الميرزا النائيني، ومرورًا بموسى الصدر، وشريعتمداري، وحتى حسين فضل الله، ومهدي شمس الدين، وتيار العلمانية المؤمنة.


وأشار «الصياد»، إلى أن هناك قطاعًا من الأصوليين، قفز على أطروحات الحوزة التقليدية وصار يؤمن بإقامة الدولة والعمل السياسي وفقًا للقراءة الخمينية؛ مبينًا أن الأصوليين الذين يرفضون العمل السياسي اليوم (والذين تمثلهم حوزة النجف وجناح من حوزة قم) هم الكثرة والأغلبية، إلا أنهم لا يملكون موارد كالتي يملكها الأصوليون الحركيون.

خلافت التيار الحركي

ويتطرق مؤلف الكتاب، إلى الخلافات بين أتباع التيار الحركي الذين رفضوا فكرة الانتظار، بسبب الخلاف على المرجعية العليا؛ ففي حين يعتنق «الخمينيون» نظرية «الولي الفقيه» الذي يمسك بمقاليد الحكم وحده، يقتنع «الشيرازيون» بضرورة اشتراك مجلس من الفقهاء في القيادة بدلًا من استئثار شخص واحد بها، وبالرغم من أن المدرسة الشيرازية انبثقت من المدرسة الإخبارية الأمّ، فإنها كانت «حركية لا تقليدية، وثورية لا انتظارية».


وركز «الصياد»، على النظرية السياسية لـ«الشيرازية»، موضحًا سبب ابتعادها عن ولاية الفقيه الخمينية، وتأسيسها لنظرية «شورى الفقهاء» التي تقلق السلطة الإيرانية حتى اليوم.


وألقت الفصول الأربعة الأولى من الكتاب، الضوء على الخلافات بين الفرق الشيعية، واقتصر الفصل الخامس على مناقشة فكرة «المهدوية» كعقيدة يتجاذبها الشيعة، ويوظفونها دينيًّا أو سياسيًّا، وكيف أثَّر ذلك على البيئة الدينية والسياسية الإيرانية؟ وتناول الفصل السادس موقف النظام الإيراني من تلك التيارات، وموقفه من المراجع المعارضين للنظرية الخمينية كافة، ليطرح في النهاية تساؤلات عن مدى قدرة تلك التيارات على إحداث تغيير جوهري في الحياة الدينية والسياسية الإيرانية.


وأكد «الصياد»، في تصريحات خاصة لـ«المرجع»، أن الجماعات التي تتبنى «فقه الانتظار» اليوم كبيرة ومنتشرة وقوية جدًا في الساحة الشيعية، خاصة بعد خفوت وفشل النموذج الإيراني في الحكم، واجتراره المتاعب على الداخل سياسيًّا واقتصاديًّا؛ فالشعب الإيراني شعب يحب الجمال والرفاهية وفجأة وجد نفسه محاطًا بحصار دولي وعقوبات اقتصادية بسبب حكومة متعجرفة غير رشيدة، فبدأ الناس يعيدون النظر في الحكم باسم الله وباسم الحق الإلهي، ما وسع دوائر تيارات فقه الانتظار، وأكسبهم شعبية جارفة، لكن تبقى الحقيقة أنّ الذي يملك السلاح والقوة وتحريكها، هو من يمسك بزمام السلطة.
"