رئيس التحرير
عبد الرحيم علي
هيئة الخبراء والمستشارين
رولان جاكار - ريشار لابيفيير - عتمان تزغارت - يان هامل
ad a b
ad ad ad

«داعش» وتكفير المخالفين.. «المرجع» ينفرد باجتماعات «البغدادي» في الأنبار

الأحد 02/سبتمبر/2018 - 09:09 م
المرجع
سارة رشاد
طباعة

كان الإعلان عن تأسيس ما يعرف بـ«تنظيم داعش»، يونيو 2014، صادمًا، الأمر لم يقتصر آنذاك على المستوى الشعبي أو حتى الحكومي فقط؛ بل وصل إلى الساحة الجهادية التي شهدت تصاعد الخلاف بين «داعش» و«القاعدة»، ما أسفر عن لقاءات سرية بين ممثلين عنهما ومحايدين يتبنون الفكر الجهادي، توسطوا لتقريب الآراء.

«المرجع» حصل على تفاصيل أحد هذه اللقاءات التي حضرها زعيم «داعش» بنفسه، أبوبكر البغدادي، وعُقدت بمحافظة الأنبار، غربي العراق، عقب الإعلان عن تأسيس الدولة المزعومة لـ«داعش»، إذ سجلها شخصٌ لم يُكشف عن هويته، إلا أن من بدايتها يتضح إنه مات وأوصى زوجته بنشرها.

تحت عنوان «سلسلة رسائل تنشر لأول مرة من هاتف زوجي رحمه الله تعالى أوصاني بنشرها بعد موته»، «من صحراء الأنبار بين قيادات الدولة والقاعدة»، بدأت شهادة الجهادي التي قسمها في رسائل.


«داعش» وتكفير المخالفين..
الرسالة الأولى

بطل أحداثها هو شخصية جهادية يدعى «أبوعبد الله»، كانت تحظى بمكانة كبيرة حتى أن البغدادي ونائبه العراقي أبوعلي الأنباري، كانا يقفان له احترامًا حين يحضر.

ويفسر كاتب الشهادة ذلك، بأن «أبو عبدالله» كانت تربطه علاقة بجيل أبو مصعب الزرقاوي، مؤسس «تنظيم القاعدة في العراق»، الذي تحول فيما بعد إلى «داعش»، ما يشير إلى مكانة تاريخية يتمتع بها.

وتبدأ وقائع الرسالة من لقاء مقرر عقده بمحافظة الأنبار- لم يذكر الراوي موعده على وجه التحديد- بين «أبو عبدالله» وممثلين عن «داعش»؛ للنقاش حول وضعية التنظيم الجديد ومنهجه.

ويستهل شهادته بخروج «أبو عبدالله» من محبسه ببغداد، ثم توجهه إلى محافظة الأنبار بصحبة ثلاثة من مجلس شورى البغدادي، مضيفًا أن «أبو عبدالله» كان تلقى قبل ذلك الوقت رسالة من «البغدادي» للحضور إليه حيث يختبئ، إلا أن الأول رفض، مصرًا على التوجه للأنبار ويلحقه «البغدادي» باعتبارها المكان المتعارف عليه لمثل هذه الاجتماعات، على حد قول الراوي.

ومثّلت محافظة الأنبار التي تبعد  108 كيلو مترات من العاصمة، أهمية لتنظيم «داعش»؛ إذ بدأ التنظيم بعد تدشين دولته بخمسة أشهر فقط، وتحديدًا في نوفمبر 2014، في معاركه ضد القوات العراقية للاستيلاء على المدينة.

رغم فأن التنظيم وقتها كان متمتعًا بكامل قوته، إن الاستيلاء على المدينة استغرق ستة أشهر، إذ لم تنسحب الدولة العراقية من الأنبار إلا في 17 مايو 2015، تاركة المدينة للتنظيم وتأسيس ما يعرف بـ«ولاية الأنبار».

ويشير مدوّن الشهادة إلى أن المسرح في المحافظة الغربية كان مهيأ لوصول البغدادي، إذ أقيمت الخيام وحضر ممثلون عن «داعش» للتباحث في أسباب الخلاف مع تنظيم «القاعدة» ووضعه بعدما دخل «داعش» في المشهد.

وكان إعلان «داعش» تأسيس دولته أحد أكبر الاختبارات التي أحرجت «القاعدة» في 2014؛ إذ وجد تنظيم القاعدة نفسه أمام منافس تمكن من تحقيق الحلم الذي طالما راود أفرادها به، ولهذا السبب عمل «داعش» على سحب مؤيدي «القاعدة» سواء على مستوى التنظيمات المبايعة لها أو على مستوى الأفراد الحالمين بمشروع «الدولة الإسلامية».

بل تزيد شهادة الجهادي عن طموحات «داعش»، وتشير إلى أن تنظيم«داعش» سعى لانصهار تنظيم«القاعدة» فيه، طالبًا منه مبايعته.

وعلى مدار ثلاثة أيام احتاجها وصول البغدادي، يقول الراوي الجهادي إن «أبو عبدالله» دخل في نقاشات مع ممثلي«داعش» -عددهم 13 قياديًا وعلى رأسهم المقرب من البغدادي، أبومحمد العراقي- بخصوص ما إذا كان «القاعدة» بايع «داعش» فعلًا أم لا.

ويتابع: أن ممثلي «داعش» كانوا يدافعون عن فكرة البيعة، فيما كان لـ«أبو عبدالله» رأيُّ آخر، موضحًا أنه كان يرى أن البيعة لم تكن من تنظيم لآخر، بل كان اجتهادًا فرديًا من قبل القاعدي، أبو أيوب المصري، والمعروف أيضًا بـ«أبوحمزة المهاجر»، وهو زعيم تنظيم القاعدة في العراق، عقب أبومصعب الزرقاوي.

أبومصعب الزرقاوي
أبومصعب الزرقاوي

الخليفة الأول

وتعود الواقعة محل الخلاف إلى فترة ما بعد «أبومصعب الزرقاوي»، إذ رشح أن يأتي من بعده ستة أسماء كان التفوق فيها للمصري «أبوحمزة المهاجر»، وفي أثناء الحديث عن انسحاب الاحتلال الأمريكي من العراق خشي المهاجر من تشرذم الكيانات المحسوبة على القاعدة في العراق وتقاتلها، ففكر في إنشاء «دولة إسلامية».

رغم عدم قبول الفكرة من البداية، لكن المصري أو المهاجر، أصرّ عليها ورشح لتوليها «أبوعمر البغدادي» (يعتبره الدواعش الخليفة الأول لما يعرف بالدولة الإسلامية).

ومن هنا كانت بيعة المهاجر زعيم القاعدة في العراق، لـ«أبوعمر البغدادي»، التي يستشهد بها عناصر «داعش» للتدليل على ضرورة بيعة «القاعدة» لـ«داعش».

وبسبب هذه الرواية القديمة؛ كان لـ«أبوعبد الله» موقفًا؛ إذ قال إن مبايعة «القاعدة» لـ«داعش»، لم تكن مبايعة تنظيم لآخر بل كان اجتهادا فرديا من قبل القاعدي، أبو أيوب المصري، الذي لم يعد في قراره إلى إدارة التنظيم.

ودلل على كلامه بأن تنظيم مثل «جماعة أنصار الإسلام» كان يسمى «داعش» بـ«دولة القاعدة» في إشارة إلى اعتقاد بعض التنظيمات في البداية بأن دولة «داعش»، ما هي إلا نتاج لـ«القاعدة».

ويضيف الراوي، أن هذا الرأي كان سببًا في إثارة بعض الدواعش الحاضرين، حتى هاجم أحدهم أبوعبد الله واتهمه بالعمل لصالح المخابرات الأمريكية والسعي لإحباط مشروع التنظيم، إلا أن هذا الهجوم لم يرض باقي الحضور الذين طالبوا هذا الشخص بمغادرة اللقاء.

ويتابع الشاهد الجهادي، أن «أبوعبد الله» لم يفوِّت الموقف، لكنه سأل عن هوية المهاجم له، فكان الجواب أنه ليس ممثلًا عن «داعش» ولا يعول على كلامه، إلا أن «أبوعبد» الله أشار إلى أنه مسؤول التنظيم في محافظتي «نينوى وصلاح الدين»، ما يعني أنه شخص ذو حيثية.

ويسترسل الجهادي في تحفظاته على تنظيم «داعش»، فقال إن أزمته ليست في الإعلان عن دولة «داعش»؛ ولكن في منهجها، متطرقًا إلى مبدأ رفض الآخر وتكفير المخالفين، ليكون الرد إن هذه المعلومة تروج عن «داعش» لتشويه صورته.

وهنا رد أبوعبد الله يقول: «أنا صحيح كنت في السجن، لكن هذا لا يعني أني لست مطلعا ومتابعا، مضيفًا: «أنتم تكفرون الإنس والجن، إذ كل جماعتكم داخل السجن يكفرون المخالفين لهم ليس على العقيدة، ولكن بسبب مشاكل شخصية».
 البغدادي
البغدادي

الرسالة الثانية

تكمل الرسالة هنا ما بدأ في الأولى، إذ يفتتحها الراوي بوصول البغدادي إلى محافظة الأنبار، مشيرًا إلى أنه عقب وصوله، دخل في اجتماع رباعي حضره نائبه الأنباري وأبو عبدالله إلى جانب كاتب الرسالة.

وأوضح أن البغدادي استهل حديثه في اللقاء بالتطرق إلى ما أثاره أبو عبدالله مع رجالات «داعش» من تكفير التنظيم لمخالفيه، ووجه البغدادي كلامه إلى الجهادي المتحفظ على سلوكيات التنظيم التكفيري، زاعمًا خطأ ما ينسب إليه، قائلًا: «شيخي أبو عبدالله نحن الدولة الإسلامية في العراق والشام دولة سنية لا نكفر أحدًا من المسلمين، وهذه هي عقيدة الدولة، ومنذ تنظيم القاعدة حتى يومنا هذا وما جرى من أحداث وخلافات بيننا وبين غيرنا ما هو صحيح وما هو كاذب».

هنا رد أبو عبدالله على حديث البغدادي، بحسب كاتب الرسالة، قائلًا: إن الأول طالب زعيم «داعش» بحتمية تحديد منهج التنظيم وهدفه وآلية التنفيذ، ثم حذره من أن عدم الوضوح في هذه النقاط يكون عادةً أحد أسباب الفشل.
ولفت إلى أن قضية التكفير تعد إحدى القضايا المحورية التي يتطلب تحديد التنظيم لمعاييرها، متابعًا: «إذا ذهبنا إلى أقصى الأرض وسألنا عن مذهب الدولة الإسلامية لقالوا لنا خوارج تكفيريين».

وبناءً على ذلك، طالب الجهادي المتحفظ، البغدادي بتجديد خطاب تنظيمه وتقويم موقفه من قضية التكفير، إذ ما رغب في البقاء.
البغدادي
البغدادي



«البغدادي» بدوره أعرب في البداية عن موافقته على كلام «أبو عبدالله»، مستدرجًا إلى الفصائل السورية التي تحمل خلفيات إسلامية ومع ذلك دخلت في معارك مع «داعش»، ورأى أن هذه التنظيمات تكرر تجربة الصحوات العراقية (عناصر سنية دشنتها أمريكا عقب غزو العراق لمواجهة تنظيم القاعدة)، ومن ثم وجب تكفيرها.

إلا أن رأي «أبو عبدالله» كان مغايرًا، إذ قال «الأحكام الشرعية لا تبنى على ذلك، وهو أن نحكم على الناس من تجارب سابقة تتشابه فيها الأحداث وتتكرر».
أبوعلي الأنباري
أبوعلي الأنباري
الأنباري وملف«جبهة النصرة»

مداخلة «أبوعلي الأنباري»، كانت ذات خصوصية في هذا النقاش، إذ استشهد بموقف «جبهة النصرة» (هيئة تحرير الشام حاليًّا) من تنظيم «داعش» لتأكيد رأي البغدادي، إذ قال إن الجبهة انقلبت على داعش ومن ثم وجب تكفيرها.

وتعود بداية «جبهة النصرة» إلى خروج الجهادي السوري، «أبومحمد الجولاني» بعفو رئاسي في سوريا، ردًا على الاحتجاجات الشعبية في 2011، وعقب الإفراج عنه، توجه الجولاني إلى العراق، حيث تنظيم «داعش».

هناك وثق التنظيم في الوافد السوري الذي حمل توصيات من شخصيات جهادية اقنعت «داعش» به، حتى أوكل له مهمة تأسيس فرع للتنظيم بسوريا، موفرًا له السلاح والأفراد.

مع الوقت بدأت الخلافات تدب بين «داعش» وممثله في سوريا؛ إذ استشعر التنظيم طموحات انفصالية لدى الجولاني، الذي استعان في ذلك بزعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، لتصبح «جبهة النصرة» منذ ذلك الوقت مقربة من «القاعدة»، وهو ما دفع «داعش» لتكفيرها في إصداراته.

وتدعيمًا لرأي الأنباري تدخّل «البغدادي» متهمًا «النصرة» بتعمد شيطنة التنظيم مع بعض الرموز الجهادية المحسوبة على القاعدة مثل الجهادي المصري، هاني السباعي، وأبو قتادة الفلسطيني، متابعًا: «أصبحنا في ليلة وضحاها خوارج».

من جانبه، كان موقف «أبو عبدالله» الذي قال: إن تصرف «داعش» مع ما اعتبره طموحات أبو محمد الجولاني زعيم «النصرة»، الانفصالية، كان خاطئًا، ورأى أن الأنسب أن يتم نقل الجولاني من موقعه فور ما استشعر التنظيم رغبته في الانفصال.
ولفت إلى أن ذلك التصرف سيضمن لداعش إحباط أي مشروع انفصالي، وفي نفس الوقت لم يتخذ قرار مباشر ضد «الجولاني» الذي لم يثبت عليه شيء، موضحًا أن ذلك التصرف تم من قبل مع الجهادي العراقي، «أبوعمر الكردي»، الذي كان يعمل في صفوف «أبومصعب الزرقاوي»، وخشى التنظيم آنذاك انفصاله، فنقله وبدل صلاحياته.

وتطرق إلى آلية اختيار الجولاني والثقة فيه ليكون ممثل التنظيم في سوريا، قائلًا إن «داعش» كان مفتقدًا لمعايير محددة في تعيين أفراده، وهنا رد البغدادي بحسب كاتب الشهادة، قائلًا: «الرسالة وصلت بعدما وقع الخلاف وكان الأمر منتهيًا».

وتتابع الشهادة: «هنا ضحك الجميع وكان الوقت يقارب أذان الظهر، وطلب الشيخ البغدادي تأجيل الكلام لبعد الصلاة وطعام الغداء».

وتنقل الشهادة زاوية من تعاملات البغدادي الإنسانية وكيف كان ينظر إلى قضية أزمة التنظيم مع الجولاني، إذ يعلق على انشقاقه بضحكات تحمل شيئًا من الاستسلام للأمر الواقع.


في الوقت نفسه نقلت الشهادة إصرار التنظيم على رفض الاعتراف بتورطه في تكفير المخالفين، إذ كان يجتهد رجلاه (البغدادي والأنباري) في البحث عن أسباب تبرر التوسع في التكفير.

ومنذ ظهور تنظيم «داعش» وتأسيسه لدولته في 2014، ويتبنى التنظيم خطابًا تخويفيًا يعتمد على تكفير الغير، وهي الصورة الملتصقة بالتنظيم، حتى أن بيانات الأزهر والمؤسسات الرسمية الدينية حول العالم اجتمعت على اعتبار داعش امتدادًا لطائفة الخوارج.
"