المرجع : فرنسا والإرهاب.. إجراءات صارمة ومواجهات حاسمة (طباعة)
فرنسا والإرهاب.. إجراءات صارمة ومواجهات حاسمة
آخر تحديث: الخميس 26/04/2018 10:32 ص مصطفى صلاح
فرنسا والإرهاب..
اتحاد المنظمات الإسلامية يحمل فكر «الإخوان» إلى فرنسا
«لوبان» توعدت بالعمل على حَلِّه وتفكيكه
الفن والثقافة من آليات المواجهة الفرنسية للإرهاب
صراع «الجامع الكبير» و«الفيدرالية الوطنية» ثغرة التكفيريين للتغلغل في فرنسا


فرنسا والإرهاب..
على مدار السنوات الأخيرة عانت فرنسا كثيرًا من الإرهاب؛ حيث شهدتْ أكثر من مدينة فرنسية عمليات متلاحقة من الجهاديين الذين كان منهم لاجئون أحيانًا، ما ترك آثاره السيئة لدى قطاع كبير من الفرنسيين الذين راحوا ينظرون بألم لجثث مواطنيهم من الضحايا، ويتساءلون: هل أخطأنا حين سمحنا للاجئين بعبور حدودنا؟

وبديهي أن تتضخم حالة الإسلاموفوبيا، وتُصبح قوة الدفع للمجتمع الفرنسي، خاصة بعد اشتداد وزيادة الهجمات الإرهابية على فرنسا؛ حيث باتت المطالبات القانونية التي تسعى في منحنى ثابت وبخطوات سريعة إلى تمرير العديد من الآليات التشريعية التي تتعلق بالحد من وجود هذه الكيانات، بل امتد الأمر لتصوير الإسلام على أنه عنصر يعزز الفرقة، ويهدد الأمن في المجتمع الفرنسي، بما يتسبب في أضرارٍ جسيمةٍ وخطيرةٍ على هوية المجتمع الفرنسي، على العكس مع الديانتين المسيحية واليهودية.

وبين عشية وضحاها وجدتْ الحكومة نفسها مضطرةً إلى إعادة التفكير في إجراءات دخول لاجئين جدد، بل تشديد الرقابة على مَنْ تسمح لهم فرنسا بالعيش على أراضيها، حتى لو كان داخل مخيمات.

جاءت تلك الإجراءات الصارمة ردًا على استغلال الجهاديين الجو الديموقراطي الحاضن للجميع في فرنسا، وكذلك حفاظًا وحماية للأمن القومي الفرنسي، بعد تزايد أعداد الهجمات الإرهابية على فرنسا، وهذا ما فتح الباب أمام محاولة مواجهة الجماعات والتنظيمات التي تُثير الشبهات حول مصادر تمويلها وتوغلها في المجتمع الفرنسي، في ظل الترابط الأيديولوجي بين منفذي العمليات وبعض الجمعيات التي تجد من ديمقراطية فرنسا حاضنة لها للتوسع والتمدد في القارة الأوروبية؛ خاصةً في ظل انحسار هذه الجماعات في دولها الأم.


فرنسا والإرهاب..
اتحاد المنظمات الإسلامية
يُعد "اتحاد المنظمات الإسلامية"، أكبر الكيانات الموجودة في فرنسا والأكثر تأثيرًا في توجهات المسلمين بها، وهو من أكثر المنظمات خضوعًا للرقابة الفرنسية، ومؤخرًا ظهرت حقيقة توجهاته وانخراطه في عمليات مشبوهة عوضًا عن التوجس المتعلق بمصادر تمويله، فمن خلاله يتم تسييس القضايا وتغليفها بغلاف ديني لضمان فاعلية أكثر في التأثير والانتشار، وهو ما دفع الحكومة الفرنسية لاتخاذ تدابير الحذر.

و"اتحاد المنظمات الإسلامية" خرج للنور في فرنسا منذ وقت ليس بالبعيد نسبيًّا، في عام 1983م، على يد العراقي زهير محمود، والتونسي عبدالله بن منصور، المقربَين من جماعة الإخوان، ووصلا إلى فرنسا في مهمة دراسية، وخلالها أسسا "اتحاد المنظمات الإسلامية"، وكانت بدايته مجرد تجمع عائلي لأربع جمعيات ذات تنظيم سري، وظل على سريته حتى أُثيرت قضية "الحجاب الإسلامي" ومنعه في الأماكن العامة في فرنسا، ما دفع الاتحاد للظهور علنًا في أكتوبر 1989.

وضم الاتحاد -فيما بعد- ما يقرب من 200 جمعية تُغطي مختلف ميادين الحياة الاجتماعية، الدعوية والخدمية والإرشادية في فرنسا، لكن وفقًا لفكر ومبادئ جماعة الإخوان، فقد أوجدت العديد من الظروف الداخلية للدول الأم لهذا الكيان وما تبع ذلك من زيادة الحصار والرقابة على أنشطة هذه الجماعة، إلا أن وجودهم في أوروبا أوجد فرصة الحماية المدنية التى توفرها فرنسا لهذه الكيانات؛ حيث تنطلق هذه الجماعة لإقامة نظام سياسي يسترشد بالشريعة الإسلامية في سبل الحكم والحركة. 

ولعل مناخ الحرية والديمقراطية في فرنسا أتاح بالفعل فرصةً ذهبيةً أمام هذه الجماعات للتوغل والتمدد والتجنيد والحشد المتطرف من أجل أفكارهم، إضافة إلى ذلك قام حسن الترابي صاحب نفوذ في السودان بإنشاء رابطة الطلبة الإسلاميين سعيًا منه للسيطرة على الطلبة الوافدين واستمرار تجنيدهم والتشبع بأفكارهم. 

وعلى جانب العلاقات بين اتحاد المنظمات الإسلامية وغيره من المنظمات والكيانات الإسلامية الأخرى، حاول اتحاد المنظمات التغلغل بالسيطرة على منظمة "الجامع الكبير"، أقدم المؤسسات الإسلامية في باريس، و"الجامع الكبير" منظمة تُناصب العداء لتوجهات وفكر اتحاد المنظمات، خاصة أن اتحاد المنظمات يرفع شعارات التقارب بين المنظمات بدعوى اعتدال الفكر، ولكن تأتي الممارسات كاشفةً لحقيقة هذه التوجهات.


فرنسا والإرهاب..
"لوبان" تتوعد.. والصندوق يرد
بالمشاركة والحشد في الاستحقاقات الانتخابية العامة يدعم "اتحاد المنظمات الإسلامية" وجوده جيدًا، كان آخر تلك الاستحقاقات تقديم الدعم لـ"ماكرون" في مواجهة "ماري لوبان"، ممثلة اليمين المتطرف الذي أعلن كثيرًا عن موقفه من وجود المنظمات الإسلامية في فرنسا؛ حيث يشار إلى أن "ماري لوبان" أعلنت أنها في حال فوزها ستقوم بحل "اتحاد المنظمات الاسلامية" التابع فكريًّا لجماعة الإخوان الأم في مصر، وبطرد كل الإسلامويين السلفيين كذلك.

هذا التهديد جاء في ظل وجود العديد من الشبهات حول علاقة "اتحاد المنظمات الإسلامية" بالسلفيين، وأن الاتحاد يوفر لهم ذريعة للتأثير على شباب الأحياء الشعبية، واتضح بعد ذلك أن شباب الأحياء الفقيرة تلك قد غادروا فرنسا للالتحاق بالمنظمات المتطرفة في العراق وسوريا؛ ومن خلال "المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية" -الذي يضم العديد من الطلاب- قام "اتحاد المنظمات الإسلامية" بالتحضير للأُطر الدينية المستقبلية والمتعلقة بالسيطرة على الشارع والمساجد والمنشآت الإسلامية الأخرى.  

تأسست "المنظمة الفيدرالية" عام 1985م كامتداد لرابطة العالم الإسلامي في جدة، وذلك بواسطة بعض الشخصيات الذين انشقوا عن المعهد الإسلامي لـ"الجامع الكبير"، والتي تُعد المنظمة الأولى التي أقيمت في فرنسا تكريمًا للجنود المسلمين الذين قتلوا في الحرب العالمية الأولى.

وكما تتبنى منظمة "الجامع الكبير" في توجهاتها رؤية الدولة الجزائرية، تأتي المنظمة الفيدرالية الوطنية لتقوم على توجهات مغربية، ورؤية خاصة تتعلق بالدعوة للإسلام وشرح مبادئه وتعاليمه وفق المناهج الإسلامية المعتدلة، ومن الواضح أن هذه الصراعات قد أضعفت الدور المنوط بالجامع الكبير والفيدرالية الوطنية في مواجهة الفكر المتشدد، فاستغلت الجماعات التكفيرية صراعات المنظمتين، وتغلغلت في عمق المجتمع الفرنسي.

وهناك تجمع آخر من المنشقين عن الفيدرالية الوطنية لمسلمي فرنسا، تحت مسمى "رابطة العالم الإسلامي"، وهو بمثابة منظمة دينية تتبع الحكومة المغربية، ولا يخرج إطار عملها عن فكرة محاربة النفوذ الجزائري في فرنسا، وهذه الهيئة شبه حكومية، إذ إنها تتبع في توجهاتها وزارة الأوقاف المغربية، وهو ما يُفسر حالة التشرذم الموجودة بين الجمعيات والكيانات الإسلامية في فرنسا في رؤيتها المعتدلة، وبمثابة تراجع لصالح المشروعات الأخرى المتطرفة والتي تعاود الظهور من جديد.


فرنسا والإرهاب..
فرنسا وآلية مواجهة الإرهاب
كانت للأحداث الإرهابية التي هزت فرنسا على وجه الخصوص؛ بوصلة مهمة في فهم حركة التوجهات الفرنسية تجاه الجماعات الإسلامية، فكانت لبنة وضع مشروع لإعادة هيكلة النشاطين الديني والدعوي في فرنسا، خاصةً في ظل ما يتم تمريره من أفكار تحمل بذور التشدد، إضافة إلى ذلك أعلن الرئيس الفرنسي"نيكولا ساركوزي" فكرة إنشاء مجمع موحد يضم في كياناته جميع المنظمات الموجودة، والذي سوف يُطلق عليه مسمى "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية". 

وفيما يتعلق بالهدف من إنشاء هذا المجمع، تَمثَّل كليًّا في محاولة إعادة ضبط وتقنين مختلف التنظيمات الإسلامية بما يتناسب مع متطلبات حماية الأمن القومي للمجتمع الفرنسي، عوضًا عن ذلك سيقوم المكتب المركزي للديانات التابع لوزارة الداخلية الفرنسية بإنشاء معهد الإمام الغزالي، بهدف تدريب وإعداد كوادر محليين من الدعاة والأئمة، في محاولة منهم لمواجهة خطر استجلاب أئمة يحملون توجهات متشددة من الخارج الفرنسي، والذين يضخون سمومهم في المجتمع.

ومؤخرًا صرح رئيس وزراء فرنسا الأسبق مانويل فالس، بـضرورة محاربة خطاب "الإخوان" في فرنسا، وفسر مراقبون هذه التصريحات على أنها موجهة لـ"اتحاد المنظمات الإسلامية"، التابع لـ"الإخوان"، وفي نحو مماثل قامت فرنسا بإنشاء وتمويل معهد الثقافات الإسلامية، والذي من شأنه العمل مع جميع الطوائف الإسلامية وغير الإسلامية، وذلك من أجل تعميق الانتماء للوطن الأم ولأفكار مدنية تساعد على الانفتاح في مواجهة التشدد.

فالمركز في الأساس يُركز على الأبعاد الثقافية للدين الإسلامي في محاولة للتقريب العلماني الذي يدحض أي توجهات متطرفة من ناحية، ودعم أواصر التواصل بينيًّا مع فئات وشرائح المجتمع الفرنسي، ومع تزايد العمليات الإرهابية أصبح لا مناص أمام الحكومة الفرنسية إلا أن تعمل على استراتيجية خاصةً فيما يتعلق بزيادة المخصصات المالية لوزارة الدفاع، وأيضًا تمويل النظام القضائي بهدف تعزيز وإيجاد استراتيجية قانونية لمكافحة الإرهاب، فالحكومة الفرنسية تعمل من خلال اتجاهين، أحدهما ثقافي وحضاري؛ والآخر عسكري لمواجهة التهديدات المتزايدة.