المرجع : عصا واشنطن لتقويض طموحات تركيا.. قراءة في مستقبل التحالف الأمريكي - الكردي (طباعة)
عصا واشنطن لتقويض طموحات تركيا.. قراءة في مستقبل التحالف الأمريكي - الكردي
آخر تحديث: الأحد 18/11/2018 04:53 م رحاب عليوة
عصا واشنطن لتقويض

شهدت العلاقات الأمريكية – التركية تحسنًا ملحوظًا خلال الأسابيع القليلة الماضية، وسط ترقب لما سيسفر عنه هذا التقارب الحذر، من تغيرات في ملف الأكراد في سوريا، والذي يعد ملفًا محوريًّا لدى كليهما.


وفيما تجدد أنقرة دعوتها إلى واشنطن بالتخلي عن دعم أكراد سوريا، متمثلًا في قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، يستبعد خبراء ومراقبون استجابة الولايات المتحدة قريبًا أو كليًّا، لافتين إلى ضغوطات يمكن أن تفرضها واشنطن على الأكراد في مناطق شرق الفرات، مقابل توازنات مع أنقرة، وشددوا على أن ذلك لن يعني فك الرباط كليًّا بين الأمريكان والكرد؛ إذ يُعَدُّ كلاهما «الورقة المتاحة» لدى الآخر وسط خيارات محدودة ومشهد متداخل.

عصا واشنطن لتقويض

بدت مغازلة الولايات المتحدة الأمريكية لتركيا حين أعلنت السفارة الأمريكية في أنقرة 6 نوفمبر الماضي، عن مكافأة بملايين الدولارات مقابل الإدلاء بمعلومات تساعد في القبض على 3 من قيادات حزب العمال الكردستاني (صنفته الولايات المتحدة منظمة إرهابية).


وحزب العمال الكردستاني المؤرق الأول لتركيا، هو الذريعة نفسها التي تستخدمها أنقرة عند تلويحها بشنِّ هجوم على شرق الفرات؛ حيث تتمركز وحدات حماية الشعب الكردية (المكون الرئيسي لقوات سوريا الديمقراطية «قسد» المدعومة من واشنطن)، وتعتبر أنقرة «قسد» الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني، علمًا بأن أنقرة تصنف وحدات الشعب الكردية منظمة إرهابية.


وفُسر الإعلان الأمريكي على أنه نوع من التطمينات لأنقرة حول ملف حزب العمال الكردستاني والموقف الأمريكي منه، قبل أن يأتي الرد التركي غداة الإعلان رابطًا الملف الكردي داخل تركيا، بالملف المتاخم لحدودها حيث سوريا؛ إذ شدد إبراهيم كالين، المتحدث باسم الرئيس التركي على أن تركيا لن تخفف موقفها من وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا؛ لتحقيق تطلعات الولايات المتحدة، وفق رويترز، وزاد: خطوة أمريكا إيجابية لكن متأخرة.


وكانت مؤشرات عدة لفتت إلى تحسن العلاقات الأمريكية – التركية أخيرًا، بداية من إفراج أنقرة في 13 أكتوبر الماضي، عن القس الأمريكي أندرو برانسون، الذي احتجزته على خلفية الانقلاب الفاشل على الرئيس رجب طيب أردوغان في العام 2016، مرورًا ببدء تنفيذ الدوريات الأمريكية – التركية المشتركة في «منبج» مطلع نوفمبر الحالي، بعد نحو 4 شهور من الاتفاق الفعلي على تسيرها، والذي عُرِف آنذاك باتفاق «منبج» (1) في يونيو الماضي، ووصولًا إلى عشاء جمع بين الرئيسين الأمريكي والتركي في باريس 10 نوفمبر الحالي، على هامش مشاركتهم في الاحتفالات الباريسية بانتهاء الحرب العالمية، وبدا التناغم بين الرئيسين خلال العشاء على نحو احتفت به وكالة «الأناضول».


في المقابل وكما أشرنا سابقًا إلى أن ذلك التقارب، والذي استدل به البعض على أنه بداية للتخلي الأمريكي عن الأكراد، لم يكن سوى استمرار للنهج الأمريكي في إمساك العصا من المنتصف، فغداة عشاء «أردوغان - ترامب» فى فرنسا على هامش احتفالات ذكرى الحرب العالمية الأولى، عقدت مأدبة عشاء آخرى ذات دلالة؛ إذ جمعت جنرالات أمريكية ومقاتلين أكراد في الولايات المتحدة في مناسبة الاحتفال بعيد المحاربين القدماء؛ ما استدعى تعليقًا تركيًّا رفيعًا من قِبل وزير الدفاع التركي «خلوصي أكار»، الذي طالب أمريكا بوقف دعم المقاتلين الأكراد كما وعدت، مضيفًا في 17 نوفمبر الحالي، أنه من غير المقبول أن تستمر الولايات المتحدة في تزويد الأكراد بالأسلحة والذخيرة عبر شاحنات وطائرات رغم تحييد تنظيم داعش في سوريا إلى حد كبير.

عصا واشنطن لتقويض

ولم يكن العشاء المؤشر الوحيد للسياسة الأمريكية، ففي الوقت الذي نظمت فيه واشنطن دوريات مشتركة مع الأتراك في منبج، نظمت دوريات مشتركة مع الأكراد على الحدود التركية – السورية مع القصف التركي لمناطق شرق الفرات.


آفاق مستقبلية

وفيما تتداخل المصالح والأفعال في المشهد الحالي، يُطرح تساؤل حول الآفاق المستقبلية، خصوصًا فيما يتعلق بالطموحات التركية شرق الفرات.


وهددت تركيا باجتياح مناطق شرق الفرات، في 26 أكتوبر الماضي، وقال «أردوغان»: إن بلاده تعتزم تركيز عملياتها العسكرية شرق الفرات في سوريا وليس منبج، مشددًا على أن أنقرة لن تسمح بأي أعمال من شأنها تهديد الاستقرار عند الحدود التركية.


كما جدد نائب الرئيس التركي فؤاد أقطاي التهديد ذاته في 16 نوفمبر الحالي؛ إذ لوَّح بتنفيذ بلاده «عملية عسكرية واسعة» شرق الفرات على غرار حملتها في مدينة الباب (شمال سوريا) في العام 2016 (2). 


ويستبعد الباحث في العلاقات الدولية وشؤون الشرق الأوسط، طارق دياب، قدرة تركيا على القيام بعملية شرق الفرات، في ظلِّ السيطرة الأمريكية على المنطقة ودعمها للقوات الكردية، ممثلة في وحدات حماية الشعب الكردي، الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني.


وأضاف لـ«المرجع» أن هذه المنطقة تعتبر ذات أهمية جيوستراتيجية لواشنطن لأسباب عدة، أولها ثراء المنطقة النفطي والزراعي، كما أن المنطقة تمكن الولايات المتحدة من قطع طرق إيران البرية الواصلة من طهران إلى بيروت.


وأضاف أن الأكراد هم الورقة التي تتيح للولايات المتحدة استمرار وجودها وفاعليتها في المشهد السوري، وتركيا لا تملك أوراقًا أخرى يمكن أن تمنحها للولايات المتحدة مقابل تخليها عن دعم الأكراد، فالقوى السورية المسلحة التي تدعمها تركيا لا يمكن أن تدعمها الولايات المتحدة في ظلِّ سياستها لمحاربة الإرهاب.


وتابع قائلًا: إن ورقتي النفط والزراعة (شرق الفرات)، قد تستغلها أمريكا في ملف إعادة الإعمار، وكذلك سيطرتها على 30% من مساحة سوريا، يضع في يدها ورقة ضغط؛ لتحقيق رغباتها ورغبات حلفائها؛ لتحجيم رغبات أنقرة وطهران داخل سوريا؛ لذا لا سبيل لتخلي أمريكا عن دعم الأكراد في المدى المنظور تخليًّا كليًّا.


وهكذا يرى الباحث في العلاقات الدولية وشؤون الشرق الأوسط، أن الدعم الامريكي للأكراد ليس دعمًا للقضية الكردية وإنما لمصالحها، لكن ما موقف الأكراد أنفسهم وإلى أي مدى يطمئنون إلى استمرار الدعم الأمريكي لهم، خصوصًا أن اتهامات سبق ووجهت إلى الولايات المتحدة بالتخلي عن الأكراد في «عفرين»، إبان عملية غصن الزيتوت التي تشنّها تركيا على القوات الكردية منذ يناير الماضي.

عصا واشنطن لتقويض

تخاذل

الأكراد من جهتهم، رغم تخاذل الولايات المتحدة في مواجهة «غصن الزيتون» سابقًا وفق الإعلامي الكردي، أحمد قطمة، ينتظرون مواقف مختلفة من أمريكا شرق الفرات، لافتين إلى اختلافات في شرق الفرات عن عفرين.


ويوضح «قطمة» أن الوضع في عفرين يختلف عن الوضع شرق الفرات، كون عفرين كانت خاضعة للنفوذ الروسي، لكن بالنسبة إلى شرق الفرات فهو خاضع للنفوذ الأمريكي، وهنا يمكن القول بأن الروس هم من منحوا الأتراك والميليشيات المعروفة بمسميات عدة كـ(الجيش الحر، جبهة النصرة، الجيش الوطني)، التي تتبع في مجملها لجماعة الإخوان السورية، الضوء الأخضر لغزو عفرين في الـ20 من يناير المنصرم.


وأضاف لـ«المرجع» أنه في كل الحالات لا يمكن إنكار التخاذل الأمريكي، فعلى سبيل المثال صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بأنه قد سمع بإدلب بالصدفة، وقام بوقف الحرب عليها بتغريدة، ورغم أن ذلك لا يمكن أن يندرج إلا في خانة الدعاية الإعلامية الأمريكية، لكنها في الوقت ذاته تكشف أن الأمريكيين لم يقوموا بأي جهد لوقف الغزو التركي على عفرين، بل على النقيض من ذلك سمعنا تصريحات تتحدث عن مراعاة المخاوف التركية في عفرين، علمًا بأن المنطقة لم تشهد أي عملية عسكرية ضد تركيا، خلال 7 سنوات من سيطرة وحدات حماية الشعب الكردية على المنطقة، وحتى خلال الحرب على عفرين، لم تقع أي مواجهات عسكرية داخل تركيا، وكانت كل العمليات العسكرية ضمن ريف عفرين.


واستبعد قدرة تركيا على شنِّ هجوم شرق الفرات كما عفرين، لكنه قدم المقاومة الكردية على الحماية الأمريكية، قائلًا: «المنطق يقول إنه لا يمكن لتركيا أن تقوم بغزو عسكري للمنطقة تلك، فقد شهد العالم بأسره كيف تمكن المقاتلون الأكراد وحلفاؤهم من باقي المكونات السورية في قوات سوريا الديمقراطية من مواجهة واحدة من أعتى التنظيمات الجهادية التكفيرية العالمية، وهي «داعش»، ويدرك الجميع كيف أن التنظيم الإرهابي كان مجاورًا للأتراك، دون أن ينزعج الأخير أو يبدي أي امتعاض، بعد أن مهد الطريق لالتحاق آلاف الجهاديين بالتنظيم المتشدد؛ حيث رغبت تركيا من خلال التنظيم القضاء على الوجود الكردي».


وأضاف الإعلامي الكردي: «التحالف الدولي قادر على حماية مناطق شرق الفرات في حال كان يرغب بذلك، وهناك حلول عدة قابلة للتطبيق كنشر قوات دائمة في طول الحدود بين الجانبين؛ لسحب الحجة التركية التي تتحدث عن (الإرهاب أو الانفصالية)، وهما تهمتان جاهزتان لأي كُردي يطالب بحقوق شعبه».

عصا واشنطن لتقويض

البدائل الأمريكية للتخلي عن الأكراد

وهكذا يبدو أن الاستجابة الأمريكية للرغبة التركية في التخلي عن الأكراد غير واردة؛ لتعارضها مع المصالح الأمريكية في المشهد السوري، لكن في المقابل، يرى الباحث في العلاقات الدولية طارق دياب سيناريوهات أمريكية عدة؛ للتقرب من تركيا مع احتفاظ الأولى بورقة الأكراد.


وقال دياب: إن أمريكا إذا رغبت في تحسين علاقتها بتركيا وبمقدورها ذلك، عليها الموازنة بين تركيا والأكراد، من خلال سيناريوهات عدة، منها إعادة تشكيل قوات سوريا الديمقراطية «قسد» بإدخال عناصر كردية أخرى غير وحدات حماية الشعب أو وحدات عربية؛ بحيث لا تجعل السيطرة الأكبر لقوات حماية الشعب الكردية (المصنفة إرهابية وفق أنقرة).


وتابع الباحث في العلاقات الدولية: «كذلك يمكن دفع أمريكا الأكراد للابتعاد عن الشريط الحدودي مع تركيا، والانسحاب نحو العمق في المثلث بين دير الزور والحسكة والرقة، خصوصًا أن الهدف التركي من التدخل في سوريا، إبعاد الاكراد عن الشريط، فإذا نجحت أمريكا في ذلك قد يكون هدفًا مُرضيًا لتركيا، لكن هذا يتوقف على الرغبة الأمريكية في تحسين علاقاتها مع تركيا، وقدرتها على إدارة توازنات دقيقة في علاقاتها بين الحليف التركي والكردي».


ويبقى التساؤل الأخير، هل ترغب أمريكا في التقرب من تركيا؟

الإجابة لا تقتصر على المشهد السوري، ولكنه جزء من توازنات عالمية، من بينها تلويح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتكوين جيش أوروبي، وهي الرغبة التي عارضها الرئيس الأمريكي ترامب، مطالبًا دول الاتحاد بتفعيل وجودها داخل حلف «الناتو» والحلف يضم تركيا أيضًا، وختم دياب قائلًا: أمريكا في حاجة إلى تركيا في موضوع حلف الناتو، وملفات أخرى.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اتفاق منبج تم عقده بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا ويقضي بسحب الأسلحة الثقيلة من المقاتلين الأكراد تمهيدًا لانسحابهم في المدينة على أن تتولى قوات أمريكية وتركية حفظ الأمن فيها.. ومنبج تقع في الشمال السوري وتُعد ضمن مدن تمركز الأكراد، وجاء الإتفاق الأمريكي- الكردي بعد تهديدات تركيا اجتياح المدينة.


(2) معركة الباب خاضتها قوات تركية وقوات مسلحة سورية مدعومة من تركيا ضد تنظيم داعش في منطقة الباب في مدينة حلب في الفترة بين نوفمبر 2016 وحتى فبراير 2017.