المرجع : هل تهرب إيران من العقوبات الأمريكية إلى الحضن الآسيوي؟ (طباعة)
هل تهرب إيران من العقوبات الأمريكية إلى الحضن الآسيوي؟
آخر تحديث: الأربعاء 22/08/2018 05:14 م محمد الدابولي
هل تهرب إيران من
دفع الشك والريبة في تصرفات النظام الإيراني، خاصة في فترة ما بعد توقيع الاتفاق النووي في يوليو 2015، إلى انسحاب الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» من ذاك الاتفاق النووي في مايو 2018، أي بعد 3 سنوات فقط من توقيعه.

ترتب على الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي العديد من التبعات القاسية على الاقتصاد الإيراني؛ الأمر الذي فجر موجة من الغضب الشعبي بعد أقل من شهر من إلغاء الاتفاق النووي، ففي نهاية شهر يونيو 2018 شهدت البلاد احتجاجات ما يعرف بالبازار؛ ما هدد استقرار نظام الولي الفقيه الذي بات يعاني من اختلالات هيكلية جسيمة، متمثلة في العديد من الأزمات الأخرى كأزمة القيادة.
هل تهرب إيران من
أثر العقوبات
فور انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي بدأت تتخذ سياسات أكثر صرامة إزاء النظام الإيراني؛ حيث هدد «ترامب» بفرض عقوبات على بعض الدول التي تتعاون مع النظام الإيراني، ما دفع شركات النفط العالمية إلى الخروج من إيران، مثل شركة النفط الفرنسية «توتال»، التي أعلنت يوم 20 أغسطس 2018 مغادرتها إيران، وتخليها عن مشروع تطوير المرحلة 11 لحقل بارس، رغم أن حصة توتال في المشروع 50.1%، فيما تمتلك شركة البترول الوطنية الصينية (CNPC) نحو 30%، أما شركة بتروباس الإيرانية فتمتلك 19.9%.

إزاء العقوبات الأمريكية على الاقتصاد الإيراني، لم تجد طهران بدًّا من إعادة تفعيل شراكتها مع محيطها الآسيوي، خاصةً شرق آسيا الذي يمثل قوى تنمويةً ضخمةً متمثلةً في الصين والهند ودول القوقاز.

توجه السياسة الخارجية الإيرانية إزاء دول شرق آسيا ومنطقة القوقاز، لم يكن وليد العقوبات الأخيرة؛ حيث انتهجت إيران سياسة تعزيز علاقاتها مع الدول الآسيوية، كتعويض لأزماتها المتتالية مع الغرب وأمريكا والدول العربية على وجه الخصوص.

أطر التعاون بين طهران وجيرانها متعددة ومتشابكة إلى أبعد الحدود، ما بين علاقات ثنائية واتفاقات شراكة واستثمارات انتهاء، بمحاولات ترتيبات إقليمية تضمن تحقيق أعلى معدلات التبادل السلعي بين دول المنطقة؛ لذا سيتم التركيز على أحد أهم ملامح التعاون، وهو دور إيران في تشكيل ممرات الشحن والتبادل التجاري.
هل تهرب إيران من
ممرات الشحن في آسيا الوسطى
تعد منطقة آسيا الوسطى والصين والهند من أكثر المناطق في العالم الواعدة اقتصاديًّا؛ نظرًا لما تمتلكه من مؤهلات تجعلها الرائدة عالميًّا في مجالات التنمية، مثل الوفرة السكانية والموارد الطبيعية والخبرات التكنولوجية المتقدمة، فضلًا عن الموقع الجغرافي، وبناءً على المقومات السابقة انطلقت المبادرات الاقتصادية الكبرى؛  لتعزيز فرص التنمية في دول المنطقة مثل «مشروع طريق الحرير الجديد»، ومشروع إنشاء ممر شحن دولي بين الهند وأفغانستان وإيران؛ لتعزيز أهمية ميناء تشابهار الإيراني.

وفيما يخص مشروع طريق الحرير الجديد، فقد أعلن الرئيس الصيني «شي جينبينغ» في عام 2013 عن مبادرة «الحزام والطريق» التي تهدف لإعادة إحياء طريق الحرير القديم، وتسهيل عملية التواصل والترابط بين دول الشرق ودول الغرب، من خلال إنشاء وتشييد شبكات الطرق الكبرى والسكك الحديدية وأنابيب النفط وخطوط الطاقة الكهربائية بين جميع الدول الواقعة في نطاق المبادرة.

وتعد إيران من الدول الرئيسية والمحورية التي ستشملها المبادرة الصينية الجديدة؛ لذا تولي إيران عنايةً شديدةً بمبادرة «الحزام والطريق»؛ لاعتبارات عدة،  أهمها:
◄تطوير البنية التحتية الإيرانية وتشجيع فرص الاستثمار، خاصة في مجالات الطاقة.
◄تحقيق الانفتاح الاقتصادي لإيران على العالم.
◄الالتفاف على العقوبات الاقتصادية التي تفرضها أمريكا عليها من وقت لآخر تحت دعاوى مختلفة.
◄فرض الهيمنة الاقتصادية الإيرانية على دول المنطقة العربية باعتبارها المحطة الأكثر استراتيجية في المبادرة.

ومن المؤكد أن ثمة سياسات بعينها ستتبعها طهران؛ من أجل إنجاح دورها في مشروع طريق الحرير الجديد، ومنها تخفيف حدة التوتر في العلاقات مع دول الجوار، خاصةً باكستان التي يشملها الطريق الجديد، وتقليل حجم تدخلاتها في بعض الدول.

وأهم عقبتين تواجه الطريق حاليًّا هما التوترات السياسية بين دول المبادرة من ناحية، ومن ناحية أخرى الاضطرابات الأمنية في بعض الدول، خاصةً الدول العربية مثل سوريا والعراق، المتسبب فيهما التدخلات الإيرانية.
 
كما يعد مشروع ممر الشحن الدولي بين الدول الثلاث وتطوير ميناء تشابهار الإيراني من أكثر المشروعات طموحة ومثيرة للجدل في آن واحد؛ حيث يمثل المشروع أهميةً اقتصاديةً كبرى للدول الثلاث، وفي الوقت نفسه يعتبر بمثابة فرض عزلة اقتصادية من الدول الثلاث على باكستان.

وتقوم فكرة المشروع على تجاوز الهند للعقبة الباكستانية، التي تحول دون وصولها لأسواق آسيا الوسطى كأفغانستان وتركمانستان وأوزباكستان، من خلال نقل البضائع والسلع الهندية عبر الممر البحري من ميناء كاندلا الهندي إلى ميناء تشابهار الإيراني، ثم الممر التجاري البري بين إيران وأفغانستان؛ لذا أطلق الميناء شرارة حرب باردة اقتصادية بين إيران وباكستان، ليس فقط لاستئثار «تشابهار» بالسلع والبضائع الهندية المتوجهة لآسيا الوسطى، إنما أيضًا دخول الميناء حيز المنافسة على استقطاب الخطوط الملاحية العالمية في المحيط الهندي مع ميناء جوادر الباكستاني.

وتكمن أهمية ميناء تشابهار والممر التجاري الخاص به، في أنه يسهل عملية استحواذ إيران على الأسواق في آسيا الوسطى، خاصةً أفغانستان، ويخفف من وطأة العقوبات الاقتصادية الأمريكية على طهران، فضلًا عن تنشيطه لحركة التجارة الإيرانية.

ومن ناحية أخرى، يمثل الميناء أهمية كبرى بالنسبة لإيران، فالميناء يقع في منطقة بلوشستان السُّنية أكثر المناطق حرمانًا من الخدمات؛ لذا من المؤكد أن يعمل المشروع الجديد على تطوير وتنمية المنطقة، ومن ثم تخفيف حدة التوترات لدى البلوش السُّنة.

وأخيرًا.. يتضح لنا أن إيران تعمل على تخفيف خلافاتها مع الدول الآسيوية؛ أملًا في خلق التوازن الدولي الذي يسمح لها بالفكاك من أثر العقوبات الدولية؛ ما دفعها أخيرًا إلى توقيع اتفاقية بحر قزوين مع دول القوقاز «روسيا، وكازاخستان، واذربيجان، وتركمنستان»؛ من أجل تنظيم استغلال موارد بحر قزوين بين الدول، كما تحاول إيران أن تلعب دور المايسترو الاقتصادي في آسيا؛ للتوفيق بين معظم خطط التنمية، سواء طريق الحرير أو مشروع تطوير بحر قزوين.