المرجع : صناعة الموت من خناجر «الحشاشين» إلى رصاص «الإخوان» (طباعة)
صناعة الموت من خناجر «الحشاشين» إلى رصاص «الإخوان»
آخر تحديث: الثلاثاء 21/08/2018 01:42 م حور سامح
صناعة الموت من خناجر
طبقًا لقواعد برنارد لويس المستشرق البريطاني، الذي ألف كتابًا عن الحشاشين، فإن الحشاشين هم جماعة شيعية تتبع الطائفة الإسماعيلية، انشقت عن الفاطميين، لتدعو لإمام جديد، أسسها حسن الصباح الملقب بشيخ الجبل.
 
فى سجلات الصليبيين، عنت كلمة حشاشين فرقة إسلامية غريبة في الشرق، تتزعمها شخصية غامضة تعرف بشيخ الجبل، وتُعد فرقة مكروهة عند المسلمين والمسيحيين على السواء بسبب عقائدهم وأفعالهم.
 
اسم حشّاش (Assassin) يعني «القاتل المأجور» في اللغات اللاتينيّة، ولكن كلمة حشاش كانت تطلق على هذه الفرقة بسبب تناولهم لمخدر الحشيش.
 
عند ذكر الحشاشين يقترن بها قلعة آلموت، كما يطلق عليها المستشرقون الأجانب، وذكر برنارد لويس حكاية الفردوس التي صنعها شيخ الجبل، عندما أغلق واديًا بين جبلين، وحوله إلى حديقة فيحاء هي أكبر حديقة يمكن أن تقع عليها عين، وأجملها على الإطلاق: وقد حاكى الصباح الجنّة التي وصفها النبي محمد لأتباعه، فجعل فيها جداول تفيض بالخمر واللبن والعسل والماء، وأقام على خدمة الحديقة فاتنات من أجمل نساء العالم، يجدن العزف على مختلف الآلات الموسيقيّة. 

ولا يسمح لأحد بدخول الحديقة إلا لهؤلاء الذين يراد لهم أن يكونوا حشاشين، وذلك بعد أن يجعلهم يشربون مخدرًا يسلمهم إلى نعاس عميق، ثم يأمر برفعهم وحملهم إلى هناك.. وعندما يستيقظون يجدون أنفسهم في جنة آلموت، لذلك عندما يريد الشيخ قتل خصم من خصومه يأمر أحدهم بالتنفيذ، واعدًا إياه بالفردوس حيًّا أو ميتًّا، وبالتالي يروى عن حسن الصباح شدة الذكاء والدهاء السياسي اللذين تمتع بهما.
 
كان حسن الصباح عادة ما يختبر ولاءهم من خلال نهيهم عن الصيام والصلاة، ويرى من يلبي منهم ليضمه لطائفة الحشاشين، لذلك كانت الطائفة لا تتبع سوى حسن الصباح، ولا تستمع ولا تنفذ أمرًا إلا لشيخ الجبل، وربما يفسر هذا سر خوف الناس من طائفة الحشاشين، لذلك حاربوا الصليبين والفاطميين، فكانوا أعداء للجميع، حتى إنهم حاولوا قتل صلاح الدين الأيوبي مرتين للتخلص منه بسبب نجاحه في السيطرة على عدد من الأقطار، لم يكسر شوكتهم ويقلص من دورهم سوى المغول، وقضى عليهم بعد ذلك الظاهر بيبرس.
صناعة الموت من خناجر
الجانب التاريخي لفرقة الحشاشين 
الثابت أن انقسام الشيعة بين أتباع موسى الكاظم الذي خلف الإمام السادس واتباع إسماعيل الابن الأكبر لجعفر الصادق، الذي يقول، إن أباه ولاه الإمامة قبل موته، ويعد الانقسام الأشهر للشيعة، إذ تكونت «الإسماعيلية» من أتباع إسماعيل، الذين اختاروا العمل السري لمدة قرن بعد وفاة الإمام إسماعيل، تمكنوا خلال تلك الفترة من السيطرة على أجزاء من الجزيرة العربية، واكتسحوا شمال إفريقيا، عندها استطاع الإمام المستتر عبيد الله أن يعلن عن تشكيل أول دولة شيعية في العالم العربي، وهي الدولة الفاطمية، إلا أن تلك الهيمنة ضعفت في عهد الخليفة المستنصر بالله (1036م -1094م). 

بعدها، تمكنت الإسماعيلية في عصر مضطرب من تكوين فرقة متماسكة تنظيميًّا، تمتلك جذور بقائها في داخلها، وسعت للانقلاب على نظام الحكم القائم، ولم يسبقهم أحد في استعمال «الرعب» سلاحًا سياسيًّا، فلا الخناقون في العراق، ولا السفاحون في الهند، ولا الاغتيالات السياسية السابقة في العصور الإسلامية الأولى، الدولة الإسلامية الممزقة التي تفتقر إلى صفات الريادة، وتتمركز فيها السلطة الأوتوقراطية حول شخص بعينه ترتبط به ولاءات مؤقتة زائلة، فقد كانت غير حصينة أمام هجمات الحشاشين.
 
كشف حسن الصباح عن عبقرية سياسية بإدراكه نقطة الضعف هذه في الممالك الإسلامية، كما كشف عن مواهب إدارية واستراتيجية كبيرة باستغلالها في هجمات إرهابية.
 
وتفنن الحشاشون في عمليات الاغتيال، لذلك لقبهم برنارد لويس بأنهم «الإرهابيون الأوائل» في العالم الإسلامي، واستطاعوا تطويع نظرية الإرهاب لتحقيق مصالحهم السياسية، وكان حسن الصباح يدرك خطورة وصعوبة مواجهة الدولة السلجوقية وأهدافها الاستعمارية، لذلك ابتعد عن الطرق التقليدية، وابتكر طريقة جديدة، لذلك استطاع بفرقته الصغيرة أن يربك الدولة ويزعزع أركانها، ممارسًا الإرهاب بأبسط صوره. 
صناعة الموت من خناجر
الاغتيالات التي نفذها الحشاشون 
عام 1092، اتجه عابر سبيل صوفي نحو هودج نظام المُلك؛ وكون الأخير معروفًا بتدينه، فطلب من الرجل أن يقترب، وفي الحقيقة لم يكن الرجل سوى قاتل من الحشاشين طعن نظام المُلك بخنجر كان يُخفيه، كانت حادثة الاغتيال الأولى، وتوالت بعدها حوادث الاغتيال فقتل فخر الملك وزيرًا بالدولة، عندما كان في طريقه إلى صلاة المغرب، واستوقفه شاب يبكي عندها أخرج الشاب خنجرًا وطعنه حتى الموت، وقتل الأمير أحمد بن إبراهيم الكردي، وقتل الحشاشون قاضي أصفهان الشرعي عبيد الله الخطيب، كما قتلوا الوزير أبوطالب السميرمي، ويعتقد أن الحشاشين وراء مقتل الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله.
 
اعتمد الحشاشون على استخدام الخناجر فى القتل، فلم يستخدموا السم أو السهام لتسهل عليهم الهرب، ولكنهم كانوا يسلمون أنفسهم، طلبًا للجنة التي وعدهم بها حسن الصباح، وهو ما رسخه في أذهان اتباعه عقيدة الفدائية (الانتحارية) في سبيل الجنة.
صناعة الموت من خناجر
الإخوان والحشاشون 
كان حسن البنا (مؤسس جماعة الإخوان) يلقب نفسه بداية بالإمام، وهو لقب شيعي الأصل، بالنسبة للقب المرشد العام، فهو يتماهى مع معتنقي المذهب الشيعي؛ حيث المرجعيات الدينية السياسية، ونظام ولاية الفقيه، كما في دولة إيران، ويقترب من فكرة الخلافة التي تقوم على عدم وجود حدود بين الدول، ولا وجود لفكرة الانتماء للوطن وإنما الانتماء للدين، وهو ما صرح به حسن البنا أكثر من مرة في مذكراته.
 
وقام حسن البنا بتنفيذ تعاليم حسن الصباح من خلال تكوين أعضاء بالجماعة تسمع وتُطيع وتبايع حسن البنا، وهى أولى استراتيجيات الولاء، الصبغة بالصبغة الدينية كما فعل حسن الصباح. 

وكانت تلك الفكرة هي النواة الأساسية التى قام عليها وتأسس التنظيم الخاص عام 1940م على يد حسن البنا، ليقوم بالجهاد في سبيل الله، كما زعم، ويعلي من قيمة الفدائية والتضحية بالروح للفوز بالفردوس تمامًا كما فعل شيخ الجبل وإمام الحشاشين حسن الصباح، يقول حسن البنا في رسالة الجهاد في للشباب: «إن الأمة التي تحسن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الميتة الشريفة، يهب لها الله الحياة العزيزة والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهن الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت، فأعدوا أنفسكم لعمل عظيم، واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة». 

كما نشر البنا مقالًا بعنوان صناعة الموت في مجلة الإخوان عام 1934، ليعيد نشرها مع بداية التنظيم الخاص لتصبح فن الموت، وبالتالي هو اتبع طريقة الصباح في صناعة الموت. 

الاغتيالات التي نفذها الإخوان في مصر لم تتوقف منذ وجودهم على الساحة السياسية، أشهرها محمود فهمي النقراشي عام 1948م، بالإضافة لأحمد الخاندار، وسليم ذكي، وسيد فايز، إضافة لحوادث التفجير التي قامت بها، فأصبحت تعادي جميع الطوائف، لذلك تشباهت فرقة الحشاشين كثيرًا بالإخوان المسلمين، كل منهم كان في عصر، ولكنهم نفذوا نفس الأيديولوجية للوصول للحكم، والدين لتكوين جماعات لها ولاء خاص.