المرجع : «قطر والحوثيون».. السقوط في بئر الخيانة الإيرانية (طباعة)
«قطر والحوثيون».. السقوط في بئر الخيانة الإيرانية
آخر تحديث: الجمعة 27/07/2018 08:43 م تحليل - طه علي أحمد
«قطر والحوثيون»..
لم تأت علاقات قطر بجماعة «الحوثيين» من فراغ، حيث جاءت هذه العلاقات في سياق الدور الذي تحدد للدوحة كـ«رأس حربة» للمشروع الإيراني المُحَاصِر للأمن القومي العربي.


مضيق «باب المندب
مضيق «باب المندب
ومثَّلت منطقة مضيق «باب المندب» ميدانًا محوريًّا للدعم القطري لمخططات إيران، سواء على جبهة الأزمة اليمنية، من خلال التحالف الاستراتيجي بين الدوحة والحوثيين، أو على الجبهة الصومالية من خلال الدعم القطري للتنظيمات المتطرفة في منطقة القرن الأفريقي، كجماعة «شباب المجاهدين» الصومالية، فضلًا عن دعم جماعات القرصنة التي احترفت اختطاف السفن ومقايضة أصحابها للحصول على فيدية كمصدر لتمويلها.

ويرجع الدور القطري في الأزمة اليمنية إلى بدايتها من خلال دور الوساطة الذي اعتادت قطر اتخاذه كغطاء لمخططاتها -التي لم تعد سريَّة- في سياق مساعيها لشق الصف العربي، فاستقبلت الدوحة بعض قيادات الحوثيين في الوقت الذي زار فيه مسؤولون قطريون الحوثيين في صعدة.


الحوثيون
الحوثيون
دعم قطري للحوثيين
بدأت علاقة الحوثيين بالدوحة بعد حرب صعدة التي دامت ما بين 2004 -2009 بين الحوثيين والحكومة اليمنية السابقة، حيث برز دور الدوحة كوسيط بين طرفي الصراع، كما أنه في أعقاب مقتل حسين الحوثي مؤسس الجماعة في 2006، أبرمت الدوحة صفقة بين الحوثيين والحكومة لينتقل بعدها «يحيى» شقيق مؤسس الجماعة، للإقامة في الدوحة. 

ومع اندلاع الأزمة اليمنية خلال ما عرف بـ«الربيع العربي»، وسقوط نظام «علي عبدالله صالح»، وجدت الدوحة الميدان فسيحًا لممارسة مساعيها الرامية إلى زعزعة الاستقرار، والمتسقة مع الرؤية الإيرانية بمنطقة الخليج العربي.

في مواجهة ذلك، تصدت الدول الخليجية للدوحة عام 2013 حيث تم التوصل إلى إبرام «اتفاق الرياض» الذي تعهد فيه أمير قطر السابق حمد بن خليفة «كتابة»، بعدم التدخل في الشؤون اليمنية أو تقديم الدعم لأي من أطراف النزاع بما لا يضر أمن دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن الواقع أثبت خروج قطر على تعهداتها كالعادة، حيث توسطت الدوحة في سبتمبر 2014 للإفراج عن 45 مختطفًا في سوريا، ودفعت عنهم ملايين الدولارات لـ«جبهة النصرة» فيما يمثل دعمًا مباشرًا من الدوحة للجماعة الإرهابية.

ونتيجة للإصرار القطري على ممارسة ذلك الدور، اندلعت الأزمة الخليجية حيث سحب كل من: «السعودية والإمارات ومصر والبحرين» سفراءهم لدى الدوحة، وخلال تلك الأزمة جاء موقف الحوثيين كجزء من الموقف الإيراني الداعم الأول لهم، وهو الموقف الذي سعى لتوفير السند والظهير للدوحة في حالة تأثرها اقتصاديًّا لتنتفع طهران في المقابل بمكاسب استراتيجية تمثلت في الوجود بمنطقة الخليج العربي؛ لتمثل تهديدًا مباشرًا لأمن الدول الخليجية، بل والأمن القومي العربي كافة.

ووفرت طهران بجانب تركيا (الحليف الثالث في محور «قطر - إيران - تركيا»)، ممرًا لتعويض الاقتصاد القطري عن أي أضرار ناتجة عن ضغوط دول الرباعي العربي لإثناء قطر عن سياساتها الداعمة للإرهاب.

وفي هذا السياق، جاء الموقف الحوثي المُعلَن والداعم للدوحة ليزداد عمق العلاقات «القطرية الحوثية» في مواجهة الأمن القومي العربي، وليس الخليجي فحسب.

ووفقًا لموقع «قطريليكس» تواصل النظام القطري مع الزعيم الحوثي «حسين بدرالدين»، حيث تلقى تعليمات بقيادة التمرد على الرئيس اليمني السابق على عبدالله صالح، الأمر الذي فطن إليه الأخير بعد تحالفه مع الحوثيين لعدة شهور، ليعلن راية الحرب على الحوثيين، ولكن انتهى الأمر بمقتله على يد حلفائه الذين غدروا به.


قطر
قطر
زعزعة استقرار الشرق الأوسط
تنوع الدعم القطري للحوثيين ما بين المالي والسياسي والإعلامي والعسكري، فلم يغلب جانب على الآخر، إذ توازت أشكال الدعم القطري للجماعة الخارجة على الشرعية فيما يتسق مع سياسة الدوحة الرامية إلى زعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما أثبته مسار الأحداث خلال ما عرف بـ«الربيع العربي».

واتسم الدعم المالي القطري للحوثيين بالسخاء المفرط، فتعهدت السفارة القطرية لدى صنعاء بتحويل مبالغ شهرية وصلت إلى 50 ألف دولار شهريًّا من خلال المعهد الديني الشيعي التابع لـ«بدرالدين الحوثي» كغطاء لتمرير هذه المبالغ، فضلًا عن الكثير من الامدادات اللوجستية التي قدمتها الدوحة، ومنها 5 سيارات مدرعة وعدد من أجهزة الاتصال التي تعمل من خلال الأقمار الصناعية، والخارجة عن نطاق المراقبة «الثريا»، إضافة إلى المساعدة في نقل خبراء عسكريين من «حزب الله» إلى صعدة؛ للمشاركة في تدريب المتمردين على الأعمال القتالية وحفر الكهوف والتعامل معها. 

لكن الدعم المالي لم يقتصر على التدفقات المنتظمة سالفة الذكر، فمع تعمق الأزمة اليمنية ونشوب الأزمة الخليجية التقت رغبة الدوحة مع الحوثيين في زعزعة أمن واستقرار الدول لمواجهة الإرهاب، خاصة المملكة العربية السعودية، فرصدت الدوحة مبلغ 500 مليون دولار شهريًّا لجماعة الحوثي، مقابل أن تُكثف الأخيرة عملياتها وتخترق الأراضي السعودية، ثم الزحف لاحقًا إلى الأراضي المقدسة. 

بجانب ذلك لعبت قناة «الجزيرة» (الذراع الإعلامية للسياسة القطرية)، دورًا في دعم الحوثيين، حيث كثفت المعالجات الإعلامية التي تصور الحوثيين في موقف صاحب الحق والرسالة، بل واستضافت بشكل متكرر عبدالملك الحوثي الذي اعتاد توجيه خطاباته من خلالها، وصولًا إلى احتفاله بمقتل الرئيس اليمني الأسبق على عبدالله صالح.


السفيرة الأمريكية
السفيرة الأمريكية السابقة لدى الأمم المتحدة «سوزان رايس
القرن الأفريقي 
لم يقتصر التنسيق القطري الإيراني على العبث بأمن مضيق «باب المندب» على الجبهة اليمنية؛ حيث مثلت الساحة الصومالية ميدانًا آخر لتحرك الدوحة في إطار محور «إيراني - تركي» في منطقة القرن الأفريقي، فعمدت -بمساعدة إيران- إلى توسيع نفوذها في منطقة البحر الأحمر، من خلال دعم جماعات القراصنة بمنطقة «باب المندب» والتي احترفت خطف السفن للحصول على فدية مالية للإفراج عنها، كما هو الحال بالنسبة للدعم الواضح لحركة «شباب المجاهدين» الصومالية التي مثلت «إسفينًا» في قلب أمن البحر الأحمر.

ووفقًا لوثيقة مسربة عن موقع «ويكيليكس»، طلبت السفيرة الأمريكية السابقة لدى الأمم المتحدة «سوزان رايس»، عام 2009، من تركيا، الضغط على قطر لكي تكف عن تمويل حركة الشباب، حيث كان الدعم المالي يصل عبر إريتريا، والأمر الذي اعترف به رئيس الحكومة الانتقالية آنذاك «شيخ شريف شيخ أحمد».

ولم يقتصر الدور القطري على دعم الجماعات القائمة كـ«حركة الشباب، وحركة الإصلاح» الصوماليتين، بل اتسع ليشمل محاولات قامت بها الدوحة لخلق جماعة جديدة يقودها «فهد ياسين»، المدير العام السابق للقصر الرئاسي في الصومال. 

بالنظر إلى الدور القطري كعراب للمشاريع الأجنبية التي تطوق الأمن القومي العربي، ما بين إيراني وتركي، فإن كل المؤشرات السابقة لم تكن على عمق وأبعاد ذلك الدور الذي تلعبه الدوحة، كما أنه غير متوقع أن تكتفي مساعي أنقرة على قاعدتها العسكرية في الصومال، أو التنسيق مع السودان على مقربة من الحدود المصرية.

وتلك الأمور تفرض على دول «الرباعي العربي» المناهض للإرهاب، ضرورة تعزيز الضغوط الإقليمية بكل أشكالها على الدوحة؛ بغرض حماية المداخل الاستراتيجية، والتي ليس بآخرها مضيق باب المندب.