المرجع : «النفط».. في معادلة العلاقات الإيرانية الغربية (طباعة)
«النفط».. في معادلة العلاقات الإيرانية الغربية
آخر تحديث: الجمعة 20/07/2018 10:07 ص علي عاطف حسّان
«النفط».. في معادلة
تمثل جغرافيا وحدود إيران البحرية أهمية خاصة لدى النظام الإيراني الذي سيطر على مقاليد السلطة منذ عام 1979؛ فوقوع إيران على الخليج العربي غربًا بحدود تصل إلى أكثر من ألفي كيلو متر يقع أهمها على مضيق هرمز، جعل من حدودها الغربية سلاح تهديد في يدها، على الرغم من أن إمكان استخدام هذا السلاح مقيد بعوامل إقليمية ودولية متعددة تجعل منه في أغلب الأحيان ما يشبه سلاحًا غير مفعل.

وبين الفينة والأخرى، تحاول طهران الاستفادة سياسيًّا من هذا الموقع الجغرافي على الخليج العربي من خلال إطلاق تصريحات تهديدية من وقت لآخر حول إمكانها إغلاق مضيق هرمز الحيوي والفعّال أمام حركة النفط والتجارة العالمية؛ فعندما تتصاعد التوترات ما بين إيران، وبين الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، يلجأ قادة الحرس الثوري الإيراني إلى التهديد بإيقاف حركة السفن الأجنبية في الخليج العربي.

وكان آخر هذه التهديدات، ما صرّح به الرئيس الإيراني حسن روحاني في 3 من يوليو الجاري خلال زيارته إلى سويسرا في إطار جولة أوروبية شملت سويسرا والنمسا تهدف في مجملها إلى محاولة الحصول على ضمانات من الدول الأوروبية تخص الاتفاق النووي لعام 2015.

إلا أن الأسئلة التي تطرح نفسها الآن: هل تستطيع إيران عمليًا إغلاق مضيق هرمز في وجه حركة التجارة العالمية؟ وهل يستطيع الرئيس الإيراني حسن روحاني الإيفاء بوعده الذي أطلقه في سويسرا؟


«النفط».. في معادلة
معادلة نفط الخليج العربي في الصراع الإيراني الغربي 

يمثل الخليج العربي أهمية استراتيجية كبرى لحركة التجارة سواء النفطية أو السلعية للعالم كله، ولذا، فإن توقف الحركة فيه يعني ضربة شديدة لهذه الحركة؛ فمساحة الخليج تبلغ حوالي 239 ألف كيلومتر مربع وعرضه ما بين 47 كيلومترا إلى 280 كيلومترا في المنطقة الأكثر اتساعًا به، أما عمقه فليس كبيرًا؛ حيث يبلغ في أقصاه 100 متر.(1) 

وإذا مثل الخليج العربي أهمية لحركة التجارة العالمية، فإن أهم منطقة في الخليج هي مضيق هرمز، التي تمثل الأهمية الاستراتيجية للخليج، حيث يبلغ عرض هذا المضيق حوالي 50 كيلومترًا وطوله أكثر من 200 كيلومتر، وتبع الأهمية الخاصة لهذا المضيق الاستراتيجي في عبور حوالي 17 مليون برميل نفط خام منه يوميًا، أي ما يعادل 40% من كل النفط العابر بحرًا وحوالي 25% من كل نفط العالم.(2) 

ويذهب هذا النفط إلى الدول الأوروبية أو يعبر من الدول الآسيوية إليها، لذا فإن محاولة الإضرار بحركة النفط في هذا الممر المائي يعني تهديدًا جديًا للعالم. كما تنبع الأهمية الإقليمية تحديدًا لهذا الممر المائي في عبور أغلبية نفط دول الخليج العربي من هذا الممر، حيث يمر 88% من صادرات نفط المملكة العربية السعودية من هذا الممر، و98% من النفط العراقي، و99% من نفط الإمارات العربية المتحدة وتقريبًا كل النفط الكويتي.


«النفط».. في معادلة
وفي ظل الصراع القائم بين النظام الإيراني الذي وصل إلى السلطة عام 1979، تعمل إيران بين الفينة والأخرى على إطلاق التصريحات التهديدية حول إمكان إغلاق مضيق هرمز، أي إيقاف حركة التجارة الدولية في الخليج العربي، إذا ما تعرضت لهجوم عسكري.

وكان أول هذه التهديدات خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، حيث هدد الإيرانيون آنذاك بإغلاق الممر المائي أمام حركة التجارة الدولية. 

وتصاعدت اللهجة لاحقًا في عهد الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، الذي تصاعدت في فترة رئاسته حدة الصراع اللفظي ما بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية. حيث تستخدمها طهران كورقة ضغط سياسي حينما تشعر بضعف موقفها أو أنها مهددة من قِبل القوى الغربية.


«النفط».. في معادلة
ثم هدأت هذه التهديدات شيئًا ما منذ التوصل إلى الاتفاقية النووية في يوليو 2015 ما بين إيران وبعض القوى الغربية؛ إلا أن الموقف تغير كثيرًا حينما جاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة عام 2017؛ حيث تصاعدت التهديدات مرة أخرى، واشتعلت أكثر منذ خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في مايو الماضي، وباتت إيران تعود مرة أخرى إلى التهديد بإيقاف حركة التجارة الدولية في الخليج العربي عن طريق إغلاق مضيق هرمز. 

إذًا إيران تعمل على توظيف مرور حركة النفط في الخليج العربي ومن مضيق هرمز الدولي لتحقيق مكاسب سياسية تساندها في العملية التفاوضية، إلا أن الأهم من ذلك هو الإشارة إلى أن طهران لا تلوح بذلك إلا عندما تشعر حقًا بتهديد جدي وحقيقي.

وانطلاقًا مما سبق، يجدر بنا هنا أن نتساءل: هل تستطيع إيران عمليًا وبالنظر إلى المتغيرات والفواعل الإقليميين والدوليين إغلاق مضيق هرمز في وجه التجارة الدولية؟ وللإجابة على هذا السؤال نقول:
«النفط».. في معادلة
إذا ما نظرنا إلى الأهمية الاستراتيجية للخليج العربي، عبر ما ذُكر مسبقًا من حجم النفط الذي يمر عبره ومن خلال مضيق هرمز، وإذا ما ألقينا نظرة على الفواعل الدوليين سواء من الشركات العملاقة أو الدول الكبرى التي يهمها استمرار عمل هذا الممر، سنجد أن إيران من الصعب عمليًا عليها أن تقوم بإغلاق هذا المضيق، إلا في حالة واحدة وهي تعرضها لهجوم عسكري مباشر أو تهديد وجودي للنظام الإيراني نفسه، وذلك للعديد من الأسباب، التي من أهمها:

(1) الأهمية النفطية الاستراتيجية للممر المائي، وذلك كما سلف ذكره.

(2) حشد دول المنطقة لكل إمكاناتها في سبيل التصدي لمحاولة إغلاق المضيق من قِبل إيران؛ حيث إن إغلاقه سيهدد تجارتها بنسبة كبيرة للغاية؛ لأن أغلب نفط المنطقة يمر من الخليج العربي.

(3) الدعم العسكري الأمريكي لمياه الخليج العربي كممر دولي لحماية الممر المائي من أي تهديد محتمل، وخاصة التهديد الإيراني. فلطالما هددت إيران في السابق بإغلاق مضيق هرمز، إلا أن البحرية الأمريكية عملت في السابق على التصدي لذلك.

(4) إدراك النظام الإيراني لخطورة التهديد بالأساس بإغلاق المضيق، فماذا في حالة إغلاقه بالفعل؟


«النفط».. في معادلة
يدرك الساسة والعسكريون الإيرانيون أن إغلاق مضيق هرمز في ظل التطورات الأخيرة على الساحة الدولية وبعد خروج الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي في شهر مايو المنصرم وبروز العديد من الساسة والعسكريين الأمريكيين المعادين لإيران على الساحة السياسية الأمريكية وداخل الإدارة، مثل وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون وغيرهما، من الممكن أن يعجل بخيارين:

الخيار الأول: توجيه ضربة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية، أو ربما مشتركة كذلك ما بين الأخيرتين والدول الأوروبية، مباشرة إلى إيران، وإلى المنشآت النووية الإيرانية المشتبه بها؛ حيث إنه إذا كان أحد الأسباب التي لم تدفع الأمريكيين إلى توجيه حملة عسكرية إلى إيران هو محاولتهم عدم الإضرار بمسيرة التجارة النفطية الدولية في الخليج العربي، فإن إغلاق المضيق نفسه من قِبل إيران سيعطي دافعًا قويًا لواشنطن وإسرائيل، التي تريد بالفعل توجيه ضربة عسكرية إلى طهران، وربما إلى الدول الأوروبية كذلك على الرغم من حالة التوافق أو التناغم الظاهري بينهم وبين طهران، لضرب إيران لأن «ما كان يُخشى منه قد وقع بالفعل».

الخيار الثاني: تكثيف الجهود العربية والأمريكية دوليًا من أجل معاقبة النظام الإيراني على قيامه بإغلاق الممر المائي الدولي، مما يمكن أن يرفع القضية إلى مجلس الأمن الدولي الذي يمكن له أن يدرج القضية تحت بنود الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يتخذ في البداية إجراءات عقابية ثم بعد ذلك يصل في النهاية إلى الخيار الأول الذي تم الحديث عنه وهو الخيار العسكري.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن إغلاق طهران للمضيق المائي ربما يعني في حد ذاته نهاية النظام الإيراني نفسه إذا ما تم بصورة موسعة وعمل على توقف حركة التجارة النفطية وحتى السلعية. كما ينبغي القول إن الدول العربية والغربية ليست وحدها المتضررة من إغلاق المضيق؛ حيث إن العديد من دول العالم الأخرى تستفيد تجاريًا من حركة التجارة فيه، وذلك مثل اليابان التي تعد أكبر مستورد للنفط عبر مياه الخليج العربي.


«النفط».. في معادلة
المصادر:
1- علي عبد الحسين عبد الله، "أمن الخليج العربي في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية"، سوريا: مؤسسة رسلان للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 2011. 
https:books.google.com.egbooks?id=FD-tDQAAQBAJ&pg=PA37&lpg=PA37&dq=%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%AC+%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A&source=bl&ots=heLGPxTDl1&sig=xVH77hzGEd4MUYVR1gtXFgN1ei8&hl=ar&sa=X&ved=0ahUKEwjXgYCvt4rcAhXRYVAKHS4iB8k4ChDoAQgqMAE#v=onepage&q=%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%AC%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A&f=true 
2- مجتبى فتحي، "روحانی غرب را به بستن تنگه هرمز تهدید کرد؟"، جامعه ايران، 3 يوليو 2018.
http:jamehirani.irfa201807034030%D8%B1%D9%88%D8%AD%D8%A7%D9%86%DB%8C-%D8%BA%D8%B1%D8%A8-%D8%B1%D8%A7-%D8%A8%D9%87-%D8%A8%D8%B3%D8%AA%D9%86-%D8%AA%D9%86%DA%AF%D9%87-%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2-%D8%AA%D9%87%D8%AF%DB%8C%D8%AF