المرجع : حرب الغاز.. كنوز « المتوسط» تشعل صراع الحدود البحرية (طباعة)
حرب الغاز.. كنوز « المتوسط» تشعل صراع الحدود البحرية
آخر تحديث: السبت 27/06/2020 11:46 م مصطفى صلاح
حرب الغاز.. كنوز

يعد شرق المتوسط من أكثر المناطق الجيوستراتيجية التي تشكل تهديدًا لمستقبل الأمن والسلم الدوليين، حيث تستحوذ منطقة شرق المتوسط على أهمية جيوسياسية كبيرة لما تمتلكه من مقدرات اقتصادية يمكن أن تتسبب في زيادة معدلات الصراع الإقليمي والدولي حول هذه الاكتشافات الحديثة من الغاز، والتي تقدر بــ340 تريليون قدم مكعب، ما أسهم في نشوب الخلافات بين دول هذه المنطقة ومحاولة الكثير منها إلى تقنين أوضاعها بصورة قانونية فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، ومن ناحية أخرى اتجهت تركيا إلى التنقيب عن الغاز في المناطق الاقتصادية الخاصة بكل من قبرص واليونان دون اعتبار للقوانين الدولية المنظمة لهذه العمليات، ولجأت إلى شرعنة ذلك من خلال توقيع اتفاقيتين لترسيم الحدود البحرية مع ليبيا في نوفمبر 2019، ومن ثم تصاعدت التوترات السياسية والاقتصادية والعسكرية بالدول المعنية وما يتعلق بها من خلافات حول الحدود البحرية لكل دولة، وبالتالي استحواذها على جزء من هذه الاكتشافات، وما قد تمثله من تحول في فرص التعاون الاقتصادي والسياسي إلي التهديدات العسكرية.


حرب الغاز.. كنوز

تنافس أم صراع؟


على خلفية الاكتشافات الحديثة في منطقة شرق المتوسط، شهدت المنطقة نوعًا من أنواع التحالف والتحالف المضاد في إطار التنافس والصراع بين دول المنطقة؛ حيث اتجهت تركيا إلى تعزيز علاقاتها مع حكومة الوفاق الليبية لتقنين وجودها في هذه المنطقة في نوفمبر 2019 من خلال اتفاقية لترسيم الحدود البحرية وأخرى للتعاون العسكري والأمني، في حين اتجهت مصر إلى إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط كآلية جماعية للتنسيق بين دول المنطقة فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية في يناير 2019، ويمكن إرجاع هذه التوترات إلى مجموعة من الأسباب من أهمها:


1) هناك إشكاليات عديدة حول ترسيم الحدود البحرية في هذه المنطقة، خاصة أن هناك دولًا لم توقع على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في عام 1982، وعلى الرغم من اتجاه عديد من دول المنطقة إلى توقيع اتفاقيات ثنائية لترسيم الحدود لكن تركيا لم تعترف بهذه الاتفاقيات وحاولت فرض أمر واقع جديد لاستثمار الثروات المكتشفة حديثًا.


2) تسببت الاكتشافات الحديثة للثروات في منطقة شرق المتوسط في زيادة مستوى الصراع بدلًا من التعاون، وهذا الأمر انتقل إلى التأثير في عمق المساحة التي تخص كل دولة فيما يتعلق بالتنقيب عن الغاز، ويجب الإشارة هنا إلى أن اتجاه بعض الدول إلى ترسيم الحدود البحرية في هذه المنطقة لم يمنع تركيا على وجه التحديد من الاستمرار في التنقيب عن الغاز في المياه الإقليمية الخاصة بكل من قبرص واليونان.


3) تسببت التدخلات التركية المباشرة في منطقة شرق المتوسط أو داخل الأزمة الليبية في تعزيز التوجهات الخاصة بدول هذه المنطقة نحو مواجهة سياستها، وخاصة من جانب دول الاتحاد الأوروبي الذي أظهر تبنيه سياسات مختلفة من شأنها مجابهة التحركات التركية، في ليبيا أو في مساندة كل من قبرص واليونان.


4) ليس ملف الغاز هو العامل الوحيد الذي تسبب في زيادة حدة الصراعات بين دول المنطقة، ولكنه أضاف بعدًا جديدًا إلى التوترات القديمة بين دول هذه المنطقة؛ فهناك خلاف تركي مع قبرص واليونان حول بعض الجزر في بحر إيجة، وخلاف مصري تركيا حول دعم تركيا لجماعات إرهابية تهدد الأمن القومي المصري، ومن ثم فإن الخلافات السياسية القديمة بالأساس لعبت دورًا مهمًا في تعقيد هذه الخلافات حول سيادة كل دولة فيما يتعلق بالتنقيب عن الغاز.


حرب الغاز.. كنوز

مواجهة شاملة


في إطار تحقيق التعاون بين دول المنطقة والقوى الإقليمية والدولية، التي تتقاطع مصالحها، مع ضمان الاستقرار في هذه المنطقة، فإن هناك آليات عديدة تم الاعتماد عليها في مواجهة المخاطر المتصاعدة، وقد اتجهت كل من قبرص واليونان ومصر إلى الإعلان عن مواجهة أي عمليات تنقيب غير شرعية بمختلف الوسائل، وضمن السياق ذاته قام وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بإجراء مشاورات حول كيفية الحد من التأثيرات السلبية للاتفاق بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية؛ خاصة في ظل الاهتمام الأوروبي بتحقيق الاستقرار في هذه المنطقة، فيما يتعلق بتأمين احتياجاتها من الطاقة بعيدًا عن الجانب الروسي، الذي تشهد العلاقات معه توترات عدة؛ خاصة أن بنود الاتفاق تسمح لتركيا بالوجود في مناطق تخضع للسيادة اليونانية والقبرصية، والتي تشهد نزاعًا طويل الأمد حول حقوق التنقيب عن النفط والغاز شرقي البحر المتوسط.


ومن جهة أخرى؛ وفي ظل التوترات التي تشهدها مصر واليونان وقبرص مع تركيا حول الثروة النفطية المكتشفة في منطقة غاز المتوسط، قامت الدول الثلاث بتنفيذ مناورة ثلاثية مشتركة، وذلك وفق ما أعلنه الجيش المصري في نوفمبر 2019 عن انطلاق مناورات عسكرية بحرية وجوية بالاشتراك مع اليونان وقبرص في البحر المتوسط، لمواجهة أي تهديدات محتملة، وذلك وسط التوتر بينها وبين تركيا حول التنقيب عن الغاز والنفط في المتوسط، وقد تمت فعاليات التدريب البحري الجوي المشترك "ميدوزا - 9" بمشاركة عناصر من القوات البحرية والقوات الجوية والقوات الخاصة المصرية واليونانية والقبرصية.


وتمثل العمليات العسكرية المشتركة بين مصر واليونان وقبرص امتدادًا لتعزيز آليات الدفاع عن الأهداف المشتركة المتوافق عليها بين الأطراف الثلاثة، والتي تؤشر على عمق تلك الشراكات، وتستهدف مصر بصفة خاصة من هذه العمليات إظهار قدرتها على حماية أهدافها الاقتصادية؛ خاصة في ظل الاعتداءات التركية غير المشروعة على بعض المناطق الاقتصادية الخاصة ببعض الدول مثل اليونان وقبرص.


حرب الغاز.. كنوز

سيناريوهات محتملة


في ظل اعتزام دول منطقة شرق المتوسط والدول المرتبط أمنها بهذه المنطقة فهناك سيناريوهات محتملة على خلفية التدخل التركي غير الشرعي في التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، والتي تتعدد انعكاساتها بين الآليات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وفيما يلي أبرز هذه السيناريوهات:


1) سيناريو التوافق: ويستند هذا السيناريو على إمكانية التوافق بين دول المنطقة حول ترسيم الحدود البحرية وفق قواعد القانون الدولي، خاصة بعدما واجهت تركيا مجموعة من الضغوط الإقليمية والدولية، ويمكن أن يتم ذلك وفق المنتدى الذي أنشأته القاهرة -منتدى غاز شرق المتوسط- والذي يضم 7 دول وعضويته مفتوحة لباقي دول المنطقة، إلا أن هذا الافتراض يواجه الكثير من التحديات في ظل السياسة التركية الهادفة إلى تجاوز القانون الدولي واتفاقيات ترسيم الحدود المبرمة بين دول المنطقة، ويمكن لهذا السيناريو أن يتم تحقيقه بسبب إدراك هذه الدول لمآلات التصعيد التي قد تتسبب في تهديد الأمن والسلم الإقليمي والدولي دونما تحقيق استفادة متبادلة من الثروات المكتشفة حديثًا من الغاز.


2) التصعيد والمواجهة العسكرية: يفترض هذا السيناريو استمرار السياسة التركية في التنقيب غير المشروع عن الغاز في المناطق الخاصة بدول المنطقة، واستمرارها في انتهاج السياسات التصعيدية لها، وخلق تحالفاتها الخاصة، الأمر الذي قد يتطور إلى إمكانية فرض عقوبات سياسية واقتصادية وعسكرية، وقد يتراوح التصعيد بين العقوبات الاقتصادية والسياسية والمناوشات العسكرية إلى أن يصل إلى حد المواجهة العسكرية المباشرة بين أكثر من دولة في هذه المنطقة.


المراجع:


1) الأبعاد الجيوسياسية للصراع على الغاز والنفط في شرق المتوسط، على الرابط: https://cutt.us/cVmyP


2) الصراع على الطاقة في شرق المتوسِّط بين الاقتصادي والسياسي، على الرابط: https://cutt.us/3JbZz


3)أبعاد متشابكة: صراع الغاز في حوض شرق المتوسط، على الرابط: https://cutt.us/SwcsJ


4)النفط والغاز في شرق المتوسط.. صراع على الحصص والنفوذ، على الرابط: https://cutt.us/uRQDK