المرجع : دوافع المفاوضات السِّرِّية بين «طالبان» والحكومة الأفغانية (طباعة)
دوافع المفاوضات السِّرِّية بين «طالبان» والحكومة الأفغانية
آخر تحديث: الجمعة 01/06/2018 04:02 م حامد المسلمي
دوافع المفاوضات السِّرِّية
قال جون نيكلسون، القائد العام للقوات الأمريكية والأطلسية بأفغانستان في مؤتمر صحفي عُقد عبر دائرة فيديو مغلقة مرتبطة بمقر وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون»: إن مسؤولين من حركة «طالبان» الأفغانية، يُجْرُون مفاوضات سرِّية مع مسؤولين أفغان، في محاولة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

وأضاف: «هناك الكثير من الأنشطة الدبلوماسية والحوارات والمفاوضات، التي تُجْرَى خلف الكواليس، وتحصل على مستويات متعددة، وأريد أن أشير إلى أنهم التقوا سرًّا، وبهذه الطريقة تمكنوا من التقدم، إنهم زملائي الدبلوماسيون الذين يهتمون بذلك، ونجاحهم يعتمد بشكل جزئي على سرِّية العملية».

جاء هذا التصريح رغم التصاعد في العمليات العسكرية من الطرفين، حتى أصبحت العاصمة الأفغانية «كابل»، من أكثر المناطق انعدامًا للأمن والاستقرار في العالم منذ 2017، وصاعدًا.

وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الأفغاني أشرف غني، قَدَّم مبادرة مطلع مارس الماضي للمفاوضات مع حركة «طالبان»، وهو ما رَحَّب به الجانب الأمريكي، وأثنى على المبادرة، إلا أن حركة «طالبان» أعلنت في بيان لها صدر 13 مارس 2018، أنها كرَّرت استعدادها للتفاوض مع واشنطن فقط، وليس مع حكومة كابل، التي تعتبرها «نظامًا خانعًا تابعًا للغزاة الأمريكيين».

ويُعدُّ هذا البيان الثاني للحركة في هذا الصدد؛ حيث سبقه بيان آخر نُشر قبله بأيام، صَرَّحَت فيه الحركة بأن الحكومة الأفغانية «غير شرعية» ومقترحاتها للسلام «خديعة»، ودعت الدول إلى مقاطعة مؤتمر السلام عن أفغانستان المقرر عقده في جاكرتا.
دوافع المفاوضات السِّرِّية
تضارب تصريحات طالبان 
تُشير العديد من التحليلات إلى أن هذا التضارب يُعبِّر عن صراع تيارات مختلفة داخل الحركة، فيرى فصيل أن المفاوضات حرامٌ شرعًا، وأنه يجب خوض المعركة إلى النهاية حتى النصر، خاصة مع التفوق النسبي للحركة منذ 2014 على الأرض، إلا أن هذا الرأي مخالف لكل أدبيات علوم السياسة والدين معًا، فالنبي محمد «صلى الله عليه وسلم»، أجرى «صلح الحديبية»، وهو عبارة عن مفاوضات أرست وضعًا سياسيًّا جديدًا بين «مكة والمدينة» والأحلاف التابعة لهما، كما أنَّ كلَّ حرب تنتهي دومًا باتفاق سلام بين المتنازعين، يُقر أوضاعًا وترتيبات جديدة، حسب موازين القوى التي أرستها الحرب.

ومن جانب آخر، يرى البعض أن المفاوضات ينبغي أن تتم مع التفوق «الطالباني» على الأرض، لتأتي المفاوضات لتقر وضعًا قائمًا بالفعل، بينما الجانب المعلن من تصريحات «طالبان» يؤكد أن التفاوض يجب أن يتم مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ لأنها الفاعل الأساسي على الأرض، وما الحكومة الأفغانية إلا «دمية» في يد أمريكا، كما تشترط خروج قوات الاحتلال «قوات التحالف الدولي» من أفغانستان، إضافة إلى تحرير المعتقلين «الأسرى»، ورفع أسماء طالبان من القوائم السوداء العالمية، وإعادة فتح مكتب تمثيل الحركة السياسي في الدوحة مرة أخرى.
دوافع المفاوضات السِّرِّية
الدوافع وراء المفاوضات السرية
وتتعدد الدوافع، سواء لحركة «طالبان» أو للحكومة الأفغانية والقوى الدولية والإقليمية من هذه المفاوضات، أهمها:

1- على الرغم من أن كثيرًا من الشواهد تُشير إلى تصاعد العنف والقتال بين القوات الحكومية وقوات التحالف الدولى من جانب، وحركة «طالبان» من جانب آخر؛ ما دفع بعض المحللين لاستبعاد عملية المفاوضات في الوقت الحالي، فإن الجنرال الأمريكي، أشار في المؤتمر إلى الحالة الكولومبية، وإلى أن الوضع في أفغانستان يُشبه الوضع في كولومبيا قبُيل توقيع الحكومة الكولومبية، اتفاق سلام مع متمردي القوات المسلحة الثورية الكولومبية «فارك»، إذ إن مفاوضات السلام أجريت والمعارك محتدمة بين الجانبين، وأضيف إلى ما ذكره الجنرال، أن العديد من التنظيمات تستخدم هذا «التكنيك» في التصعيد قبيل وأثناء المفاوضات، والذي يساعدها في إملاء شروطها، إضافة إلى إظهار نفسها في موقف أقوى على الأرض والمفاوضات معًا، وهذا ما يُفسر أيضًا سرِّية المفاوضات في نفس الوقت.

2- إدراك كل القوى الإقليمية والدولية لقوة حركة طالبان، وأنه لا سلام في الداخل الأفغاني دون مشاركة ورغبة حقيقية من حركة طالبان لنبذ العنف، وإقرار السلام والاستقرار في البلاد؛ حيث تُشَكِّل حركة طالبان حجر الزاوية في أي تسوية مستقبلية للأزمة الأفغانية.

3- أدى إعلان الولايات المتحدة الأمريكية إنهاء العمليات وبداية السحب الجزئي لقوات التحالف من أفغانستان، إلى استعادة الحركة هيمنتها على كثير من مواقعها السابقة، ما أعطى لها وزنًا كبيرًا في أي مفاوضات محتملة، بإقرارها وضعًا مختلفًا وقويًّا على الأرض.

4- ظهور تنظيم «داعش»، كلاعب جديد على المسرح الأفغاني، إذ أدى انتشار عناصر من «داعش» في أفغانستان، وتبعه إعلان التنظيم عن إقامة «ولاية خرسان» في 2015، والتي تشمل أفغانستان كفرع تابع لـ«داعش»، إلى منازعة هذا التنظيم لريادة العمل الجهادي في أفغانستان؛ حيث هاجم «داعش» قادة «طالبان» واتهمهم بتبني مفاهيم مشوهة عن الإسلام، بسبب وضعه للقانون القبلي فوق الشريعة، وقبول الاعتراف بالحدود الدولية، وذلك في مجلة «دابق» التابعة لـ«داعش» في عدد ديسمبر 2014؛ ما مهد الطريق لمزيد من الانشقاقات في طالبان والمنضمين لداعش.

وفي هذا السياق، صرَّح الملا اختر منصور (زعيم حركة طالبان السابق) في بيان صادر عن الحركة في 16 يونيو 2015، بأنه لن يسمح لـــ«داعش» بالتمدد والسيطرة على أفغانستان، وذلك في أعقاب اشتباكات في شرق أفغانستان بين مقاتلين من الحركة ومسلحين يقولون إنهم ينتمون إلى تنظيم «داعش» في أفغانستان، كما حثَّ «داعش» في أفغانستان على الاشتراك معهم تحت راية واحدة للجهاد ضد الأمريكيين، مضيفًا أن طالبان لن تسمح بأي أنشطة جهادية في أفغانستان تحت أي راية غير رايتها.

5- رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن ينهي بعض الملفات الخارجية، خاصةً فيما يتعلق بالتدخل العسكري المباشر، ومن بينها إنهاء الأزمة الأفغانية، على وجه الخصوص، كونها حجر الزاوية (بجانب الأزمة الفلسطينية)، في إرساء السلام، وتدعيم الاستقرار في المنطقة والعالم.

وهذه الحالة من الصراع بين تنظيم «داعش» وحركة «طالبان»، وظهور لاعب جديد على الملعب الأفغاني، دفعت كلَّ الأطراف والقوى الدولية والإقليمية لتغيير مواقفها تجاه الأزمة الأفغانية، وسبل تسويتها على النحو التالي:

أ‌- أعلنت الولايات المتحدة عودة قوات إضافية لمحاربة تنظيم «داعش» في أفغانستان، كما أعلنت أكثر من مرّة أنها على استعداد لعودة المفاوضات مع حركة طالبان، ودعمت مبادرات الرئيس الأفغاني، وغيرها من المبادرات الداعمة للسلام في أفغانستان.

ب‌- غيَّرت روسيا من موقفها تجاه أفغانستان، فحتى 2013 كانت ترى أن المفاوضات مع مثل هذه الحركات يُعطي لها مشروعية سياسية، إلا أن السياسة الروسية شهدت تحولات جذرية منذ 2015، خاصةً مع ظهور «ولاية خرسان» التابعة لـ«داعش»؛ حيث أعلن زامير كابولوف الممثل الروسي لشؤون أفغانستان، أن «داعش هو العدو الأول لموسكو وطالبان، وأن مصلحة طالبان تتوافق مع مصالحنا»، كما أنه كشف عن وجود قنوات اتصال لتبادل المعلومات مع الحركة.

ج‌- عملت الصين على إقامة علاقات جيدة مع «طالبان» لأسبابٍ متعددة، منها تخوف الجانب الصيني من أن تُشكل الأراضي الأفغانية ملاذًا آمنًا للمتمردين في إقليم الإيجور، والثاني تفشي العنف وانعدام الأمن، وأن تصبح أفغانستان ملجأ للحركات الإرهابية، وأن يتسرب الإرهاب والعنف إلى باقي المنطقة، وبالتالى يُشكل خطرًا على الأمن القومي الصيني، كما تسعى الصين لإحياء طريق التجارة القديمة وإنشاء طريق «الحرير»، وهو ما ستُنفق فيه مليارات الدولارات، لذا تعمل على ضمان الاستقرار الأمني والسياسي في المنطقة كضمانة أساسية لنجاح مشروعها الاقتصادي.

د‌- على الرغم من مساعدة إيران للولايات المتحدة، وقوات التحالف في حربهم على الإرهاب، «حركة طالبان، وتنظيم القاعدة» فإن الموقف تغير تمامًا عقب ظهور تنظيم «داعش»؛ ما أدى للتقارب بين «طالبان» وإيران بشكل غير مسبوق، وذلك وفق مبدأ «عدو عدوي صديقي».

هــ‌- تخوف دول الجوار، وجنوب شرق آسيا، مثل باكستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان، وإندونيسيا، والفلبين، والهند، من تمدد تنظيم «داعش» في دولها، خاصة أن بعض هذه الدول بها بعض الخلايا الإرهابية، وأفرع التنظيم.