يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad
الدكتور ناجح إبراهيم
الدكتور ناجح إبراهيم

فى ذكرى المبادرة.. هل من جديد؟!*

السبت 13/يوليه/2019 - 03:45 م
طباعة

فى مثل هذه الأيام منذ قرابة 23 عاما انطلق قطار مبادرة منع العنف التى دشنتها الجماعة الإسلامية والتى أعلنها محمد الأمين فى قاعة إحدى المحاكم حيث لم يستطع هؤلاء القادة إعلانها بأى طريقة سوى إعلان بيانها الذى تضمن ثلاثة أفكار أساسية وهى وقف العنف من جانب واحد ودون قيد أو شرط ووقف كل ما يحرض على العنف أو يدعو إليه، لم يتشجع لهذه الفكرة من جانب الدولة سوى اللواء أحمد رأفت «رحمه الله» الذى كان وطنيا مخلصا وضابطا فذا وعبقرية نادرة لا تعرف الغدر حتى بخصومه فضلا عمن يضع يده فى يده، قال له كثير من رؤسائه نحن لم نقتنع بهذه المبادرة وأنت مقتنع بها فقال أنا أتحمل مسئوليتها كاملة وسوف تفيد الدولة والأمن والجميع، قالوا له: يمكنك المضى فيها بشرط إن نجحت فلنا جميعا وإن فشلت فهذه نهاية عهدك بالعمل الأمنى، قال: أنا أوافق على هذا الشرط، خاض الرجل الشجاع مع قادة الجماعة وقتها صعابا كثيرة ذللوها بإخلاصهم لهذه القضية، خمس سنوات كاملة مضت منذ تفعيلها الحقيقى 2001 حتى استوت على سوقها وآتت أكلها واطمأنت الدولة والجماعة معا بنجاح أول تجربة فى تاريخ مصر كله تقوم فيها جماعة بمراجعة فكرها من تلقاء نفسها وتحل الجناح العسكرى الخاص بها وتسلم أسلحته وتقوم بتغييرات جذرية فى كل شىء يخصها وتتحول إلى طريق السلمية.

فى أحد اللقاءات الموسعة التى جمعت اللواء/أحمد رأفت ومساعديه بقادة الجماعة الإسلامية الذين أطلقوا مبادرة منع العنف قال لهم: مهمتكم أسهل من مهمتى بكثير، لأنكم تريدون إقناع تلاميذكم بنهج المبادرة والصلح، أما أنا فمسئوليتى أن أقنع رؤسائى ــ وما أكثرهم ــ بمصداقية المبادرة وجدواها، مر على هذا اللقاء أكثر من عشرين عاما لقى الرجل مع بعض الحاضرين ربهم رحمهم الله جميعا.

كان طريق الصلح والسلام شاقا وعسيرا، لم أكن أتخيل أن الإقناع بالحرب والعنف للشباب أسهل من الصلح والسلام، ولم أكن أتخيل أن العدول عن منهج الشك والتعذيب وإهدار الكرامة الدينية والإنسانية فى السجون صعبا ويحتاج إلى سنوات.

فقد قضى اللواء أحمد رأفت ومساعدوه من جهة وقادة الجماعة الإسلامية الذين أطلقوا المبادرة خمس سنوات كاملة لكى تنضج ثمرات المصالحة والمراجعة والمحبة والتسامح والألفة والثقة والسلام بين الطرفين.

لقد نجح الفريقان بصدقهما وتجردهما وإخلاصهما بالعبور من نفق العنف المظلم إلى نور المصالحة، ومن ظلمة الكراهية إلى ضياء المحبة والمودة، ومن اعتقاد كل طرف فى الآخر أن هذا إرهابى مجرم يستحق هو وكل من يعرفه التعذيب والتصفية أو أن ذاك الطرف طاغوت يعذب بغير حق أو يلفق القضايا أو يلقى بالأبرياء فى السجون فى اعتقال مفتوح، كان الطرفان لا يلتقيان إلا عبر بوابة العنف والشدة المتبادلة.

لقد تعلمت الكثير من المبادرة رغم أننى كنت أظن أننى أنا المعلم لها فى البداية، فإذا بى أجد نفسى تلميذا صغيرا فى مدرسة عظيمة اسمها مدرسة الصلح والسلام، فأحببت «فقه الصلح» وحزنت لإهمال هذا النوع من الفقه، فكتبت عنه، وأحببت رواد الصلح وعلى رأسهم محمد نبى الإسلام العظيم الذى قبل كل الشروط المجحفة فى الحديبية، رغبة فى حقن الدماء، وكلما فرضوا عليه شرطا مجحفا قبله دون تردد، حتى حزن الصحابة الأجلاء، وإذا بالقرآن الكريم يحسم الموقف لصالح رسوله العظيم فسمى هذا الصلح «فتحا مبينا».

وأحببت «الحسن بن على» رائد فقه الصلح والتنازل عن حقه لحقن الدماء فنال وسام «إن ابنى هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظمتين من المسلمين» وآليت على نفسى أن أكتب عنه طوال حياتى»، وقد فعلت ولله الحمد، وأحببت صلاح الدين الأيوبى والسادات لأنهما نجحا فى الحرب والسلام معا، وشعرت بما عاناه كل منهما فى سعيهما للنجاح فى الحرب والسلام وكلاهما بخس حقه فى الأمرين.

وتعلمت أن من يريد السلام وحقن الدماء لابد أن يتنازل، ومادام ذلك ليس فى الدين فلا حرج عليه، فإن تخسر فى السلام أفضل من أن تكسب فى الحرب وتريق دماء آلالاف من أبنائك وأبناء خصومك.

وأدركت أن القائد الحق هو الذى يخرج الناس من السجون وعذاباتها ويحقن دماءهم، وأن الفاشل هو الذى يزج بالآلاف من أبنائه وانصاره إلى السجون وأهوالها وقد كان قادرا بكلمة واحدة أن ينقذهم منها.

وأدركت أن أعظم وأقوى لحظة فى حياة الإنسان هى لحظة اعترافه بالخطأ ومحاولته تصحيح هذا الخطأ ما أمكنه ذلك، وقد قلت فى إحدى كلماتى أيام المبادرة أننا لا نريد أن نصنع جاها كاذبا على جماجمكم وآهاتكم ويتم أطفالكم وترمل نسائكم، بل نريد أن نبيع كل جاه كاذب من أجل حقن دماء الجميع، وألا يكون بين الناس كراهية أو أحقاد أو إحن.

وأدركت أن صنع السلام وترسيخه ليس سهلا وأنك ستشتم فى طريق الوسطية والسلام أكثر مما تشتم فى طريق التطرف ولكن مرضاة الله أولى من رضا الناس.

وأدركت أن معظم من يعيش خارج مصر يميل نحو التشدد لأنه لا يدفع عادة ثمنا لذلك بل يعطيه ذلك جاها كاذبا يسعد نفسه بالباطل وهو لا يدرى.

وأدركت كذلك أن سلاح الحب والعفو والرحمة والتغافر أقوى من كل أسلحة العنف.

وقد قلت مرارا: إن أرجى ما يتقرب به العبد إلى ربه هو حقن الدماء، وأن الحرب تبدأ بكلمات، فخطاب الحرب سيؤدى إليها ولو لم يقصد ذلك أهله، وخطاب السلام والتسامح والصلح سيؤدى إلى هذه الثلاثة حتى ولو بعد حين.

وتعلمت أن من الغباء أن تطلق خطاب الحرب وأنت تريد السلام، وتعلمت إنك إذا أردت أن تنحو الدول نحو المصالحة والسلام فابدأ أنت بها أولا، فابذل السلام ستجده، وابذل العفو ستلقاه، وراجع نفسك فستراجع الدول نفسها ولو بعد حين، الدول يأخذها الكبر ولا تتوقف عن خروقاتها إلا حينما تتوقف أنت عن خروقاتك وحماقاتك، فماذا عليك إذا راجعت نفسك لله حتى وإن لم تأخذ شيئا فى المقابل، فيكفيك أنك وصلت للحق ورجعت للصواب وتوقفت عن الغى والعنف، وصنعت ما ينبغى عليك فعله، وتأكد أن الله سيقذف فى قلب خصومك السياسيين وقتها أن يفعلوا الواجب عليهم.

فعندما راجعنا أنفسنا بصدق راجعت الدولة نفسها أكثر من مراجعتنا، فإذا بها تتوقف من تلقاء نفسها عن كل الخروقات بلا استثناء ما هو معروف أو مستتر وأوقفت توسيع دائرة الاشتباه وتحسنت السجون ثم بدأ الإفراج على مراحل حتى أفرج عن جميع المعتقلين.

وإذا بالسجون تتحول من إهدار الكرامة الدينية والإنسانية إلى أفضل سجون فى منطقة الشرق الأوسط، وزار أكثر من ألف سجين منازلهم فى مناسبات سعيدة أو حزينة، حتى زار بعض المحكوم عليهم بالإعدام بيوتهم وعادوا دون مشكلة.

وآخر ما توصلت إليه أن فكرة الجماعات الإسلامية غير القانونية تحتاج إلى مراجعة من قادة هذه الجماعات فحصادها العام سلبى فى مجمله على الدين والوطن وحتى على أهلها وذويها وأن هذه الجماعات ستصطدم حتما مع دولها بداية من الصدام البارد وانتهاءً بالساخن العنيف الذى تراق فيه الدماء ولا يرحم أحد الطرفين الآخر ولا يفكر فى قرابة أو دين أو وطن يجمعهما، ويتكرر هذا الأمر تقريبا كل عشر سنوات فنكون جميعا ممن لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، وخلصت أن فى هذه الجماعات أناس صالحون ومحترمون كثر ولكن انخراطهم فى داخل الجماعة يجعلهم جزءًا لا يتجزأ منها فيدورون معها حيث دارت ويقعون حيث وقعت، وتصيبهم كل المكاره فى ذلك الطريق المحفوف بالأخطار والذى لا نجاة فيه.

لقد مكثت فى السجون والجميع يعلم شجاعتى ورباطة جأشى فيها وأن كل ما قلته أيام المبادرة ظللت متمسكا به، مهما دارت الأيام وتعاقبت، لا أطلب سلطة ولا أتقرب لذى سلطان، ولا تغرنى الدنيا مهما علت وارتفعت، فهمتى محصورة والحمد لله فى الطب والعلم، واعتبرهما أفضل من كنوز الدنيا كلها.

وقد مرت الآن على المبادرة 23 عاما كاملةً وعاش أقوام ومات آخرون واستقال من الجماعة بعض صناعها وبقى آخرون وخرج على المعاش جيلان كاملان من صانعيها من جانب الدولة، إلا أنها تبقى الحسنة الكبرى لكل من ساهم فى نجاحها أو كان له نصيب فيها، إنها باختصار أرضى أعمالنا إلى الله.

*نقلًا عن الشروق

"