رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad
محمد شاكر
محمد شاكر

عندما رفض عبدالناصر إطلاق اسمه على جامعة بيروت العربية!

الأربعاء 10/يوليه/2019 - 12:21 م
طباعة
إضراب أساتذة جامعة بيروت العربية فى لبنان، تصاعدت فعالياته حتى دخل الأسبوع الثامن مهددا مستقبل 80 ألف طالب بعد أن شلت الحياة العلمية والدراسة داخل المؤسسة الحيوية ودخلت المفاوضات لطريق مسدود، ورغم التصريحات المتفائلة التى تنطلق إلا أن الأزمة سوف تعرف طريقها للحل بعد أسبوع إلى أسبوعين ولا يبدو فى الأفق بوادر لحل عاجل فقد تعاظمت المفاوضات التى يتولاها الوزير أكرم شهيب خاصة وأن إضراب الأساتذة بدأ يإثارة السلبية على الطلاب الذين يدفعون الثمن.

إن رئيس الحكومة انتقد ترك الأساتذة ووصفه بأنه (غير مقبول) وأنهم لا يملكون الحق بالإضراب والتظاهر، ويرجع السبب إلى ضعف الموازنة، ولا زالت مساهمة الدولة بموازنة الجامعة دون تحرك مما أثر بالمعامل وكافة المجالات لتطوير الجامعة دون الاقتراب من الملف، والأمل كله أن يتم التوصل لحل توفيقى بهدف اتخاذ قرار جرىء بدلًا من تمييع الموقف أو تضييعه.

والسؤال.. ما هو علاقة الفكر والفلسفة فى أداء المدرسة التعليمية المصرية بالشقيقة لبنان؟! والإجابة إن جذور العلاقات المنهجية وبناء الأساس للمدرسة اللبنانية يرتبط بالحضارة المتأصلة منذ حكم محمد على أثناء حكمه للشام حيث طبق نهجه السياسى بالعقد الثالث من القرن التاسع عشر واعتمد المسار السياسى لإعداد كوادر لازمة بالبلاد ولجان بالحضارة الحديثة على منهج الغرب للارتقاء بالنظريات واعتمد أبناء البعثات لأوروبا خاصة فرنسا، فالعلاقات بين البلدين عميقة؛ فالأزهر كان يستقبل الطلبة للتعلم.

وفى الوقت الحاضر استمدت مصر فى اعتبار فكرها التعليم وعلاقاتها مع لبنان والشام عمومًا جزءا من عقيدتها الدراسية وشجعت مصر فى تنمية هذه العلاقات وبناء سور متين ثقافيا، وكانت جمعية المقاصد الخيرية ترسل تلاميذها لمدرسة الطب الخديوية بالقاهرة. 

وفى عام 1937م التقى وفد من أعضاء الجمعية بالملك فاروق وواجب الأمانة يقتضى أن الملك استقبل الوفد وطلبوا منه أن تساهم مصر بدعم أوضاع المسلمين فى لبنان عن طريق الجمعية وساند الملك هذه الفكرة وأسفرت هذه الزيارة عن إبرام عقد بين وزارة المعارف وجمعية المقاصد وأطلق عليه الاصطلاح الحديث (برتوكول تعاون) أن ترسل وزارة المعارف على نفقتها أستاذين من ذوى الكفاءة لتدريس اللغة العربية والدين الإسلامى لجمعية المقاصد الخيرية، كما تزود مدارس البنات التابعة لها للتفتيش والاطلاع على مناهجها وتزويد الجمعية بأحد علماء الأزهر بحيث يتزامن مع قبول الأزهر عشرة طلاب لبنانيين للتعليم مجانًا للمعاهد العليا وتقبل معاهد المعلمات ست طالبات لبنانيات وتقبل الكلية الشرعية بعثة من طلاب الجمعية، وفى العام الثانى لتفعيل هذه الاتفاقية تم إيفاد بعثات من الجمعية لمختلف الكليات والمعاهد، واكتملت صورة التعاون بين البلدين باعتراف وزارة المعارف بالشهادات التى تمنحها مدارس الجمعية وبدأت الحكومة المصرية تساهم بمبلغ مائة ألف ليرة سنويا لدعم جهود الجمعية ولدعم مركز المسلمين فى لبنان ليواجه التعليم الأجنبى غير الإسلامي.
 
كانت بيروت فى ذلك الوقت فى شدة المنافسات العلمية من خلال الكلية السورية الإنجيلية والتى أصبحت الجامعة الأمريكية ببيروت وجامعة القديس يوسف، ولم يكن هذا النشاط التبشيرى مقصورا على الكاثوليك بغرض استقطاب عدد منهم إلى البروتستانت وكان هذا سببا فى إشعال الصراعات الدينية والمذهبية التى لا تخلو من أهداف سياسية، وكانت الساحة خالية أمام التعليم الأجنبى حتى إنشاء الجامعة اللبنانية التى تحولت لجامعة حكومية تابعة للدولة والتى تشهد حاليا هذا الإضراب، أما نشاط جميعة البر والإحسان التعليمى التى تأسست عام 1938م فاستطاعت أن تخرج من مأزق التعليم فى لبنان وبدأت رسالتها بالتعليم بمدارسها الثانوية وأجرت اتصالات فى الخمسينيات ببعض الدول العربية لرسالتها، وبلغ ذروة الاهتمام الرسمى للدولة حين استقبل الرئيس عبدالناصر وفدا من أعضاء الجمعية وبارك أعمالها وقرر أن تأخذ مصر على عاتقها مشروع الجمعية بكامله وأن تحيل المدرسة لجامعة عربية لأبناء لبنان والأمة، وعلى الفور طلب أعضاء الوفد إطلاق اسم الرئيس جمال عبدالناصر على الجامعة إلا إنه رفض وقال كلمته الخالدة.. هذه جامعة العرب فأطلقوا عليها اسم جامعة بيروت العربية.. وظلت تحتفظ بهذا الكيان المؤسسى حتى الآن.

أصبحت تواجه تيارات غير عربية وأصبح رسالتها ليس النهوض بالمجتمع بل النطاق العربى وعلى ذلك ارتبطت أيضا بالرابطة الأكاديمية مع جامعة الإسكندرية بحيث لايمس هذا الارتباط بالاستقلال الكامل بشئونها العلمية والإدارية لكى تصبح شخصية اعتبارية مستقلة بميزانية مستقلة، وتتولى جامعة الإسكندرية منح الدرجات العلمية للخريجين بناء على اقتراح مجلسها وتزويدها بأعضاء هيئة التدريس واشتراك الأساتذة بلجان الممتحنين والحكم على الرسائل وإقرار التوسعات، وقد عرضت الجامعة سلسلة من الأنظمة منذ نشأتها فى 1961م وتحققت رسالتها فى التوسع، وتخرج فيها أعداد بمختلف التتخصصات وأبناء العرب والعالم الأوروبى، وكان أول من تسلم المسئولية الدكتور أحمد راشد وتولى من رموز العلم فى مصر من رحلوا لرئاسة مجلس الشعب منهم الدكتور محمد كامل ومن وصلوا لدرجة وزير فى مقدمتهم الفقية الدكتور أحمد شمس الدين الذى تولى الوزارة فى وزارة دكتور عزيز صدفى وتولى رئاسة جمعية البر والإحسان الأستاذ جميل الرواس، وما زالت الأمة تردد أبيات شعر لبنانية تقول..

حييت يا مصر، حيا الله قائدها
وزاده قوة منه وتمكينا
فقد سألناه خبزا لكى نسد به جوعا يكاد مع الأيام يبرينا
نمد مائدة كبرى قد وضعت ألوان شتى عليها لكى تغذينا
أمدنا برجال مؤمنين أولى علم لأرواحنا كانوا رياحينا

سعدت بيروت العربية بأن منحت درجة الدكتوراه للشخصيات العلمية والإنسانية وآخر ماقدمته للفنانة المبدعة ماجدة الرومي، وأحدث تكريمها دويا عالمي من الشعب اللبنانى والسبب فى تناول القضية أن الجامعات اللبنانية تتمتع بالموضوعية ولاتخضع لأى أمور سياسية أو طائفية.

إن قلوب المصريين كلها مع الشعب اللبنانى وأزماته خاصة التعليم، ومصر صالحها أن ترتفع رايات العلم خفاقة فقد أدت دورها فى تأسيس الجامعة لكى تصبح مستقلة ولم تنشئ جامعة إلا أن ترتدى جلباب أى نظام تعليمى فالمناهج والمنظومة لبنانية حتى تصبح إضافة للقدرات الوطنية.

ونقول مضى أكثر من أسبوعين ولم تظهر بوادر مشجعة لحل مشكلة الجامعة رغم أن جامعة بيروت غير الرسمية تواصل رسالتها وبدأ تراكم الكوادر فيها.. ونضع قلوبنا على هذه الأزمة لأن علَم المعرفة والعالم وبيت الخبرة مغلق بالضبة والمفتاح.

نقلا عن «البوابة نيوز»
"