رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

«جاذبية الخليفة» وعلاقتها بخطة «داعش» لاستيطان جبال أستراليا

السبت 06/يوليه/2019 - 10:44 م
المرجع
نهلة عبدالمنعم
طباعة

في أقصى جنوب الكرة الأرضية كان تنظيم «داعش» يخطط لإقامة خلافة جديدة، يستوطن بها جبال أستراليا، قبل أن تستطيع أجهزة الأمن افتضاح الأمر وتقديم الأمير المراهق للمحاكمة والحيلولة دون استهداف المواقع المخطط لتفجيرها.

فبعد يومين من القبض على ثلاثة أشخاص، في سيدني بمقاطعة نيو ساوث ويلز بجنوب أستراليا لتورطهم في الانتماء لداعش، وتشكيل خطط عسكرية للهجوم على السفارات والمعالم الأثرية والكنائس ومقرات أجهزة الأمن والجهات الحكومية، كشفت السلطات اليوم الخميس نتائج تحقيقاتها مع تلك العناصر الداعشية.

أبو بكر البغدادي
أبو بكر البغدادي

الأمير المراهق

يتضح من خلال محتوى التحقيقات التركيز على أصغر متهم بالقضية ويبلغ من العمر 20 عامًا ويُدعى «إسحق المطري»، وكان المطري قد أطلق على نفسه مسمى «القائد العام لداعش في أستراليا»، وحاول إنشاء معقل للتنظيم في منطقة الجبال الزرقاء الواقعة في نيو ساوث ويلز بغرب سيدني وتهيئة معسكرات تدريب للتحضير لعمليات إرهابية.

 

وأكدت السلطات وفقًا للوثائق التي عرضت اليوم بمحكمة باراماتا أن المطري بدأ في التخطيط لهذه المهمة منذ أن كان مراهقًا، كما دعا الآخرين للانضمام تحت ولاية داعش الإرهابية، وتصاعدت أنشطته لتطبيق تلك المهمة استجابة لدعوة أبو بكر البغدادي لـ«حرب الاستنزاف» التي أعلن عنها أواخر أبريل 2019، وأعلن المطري استعداده للتضحية بنفسه والاستشهاد في سبيل معتقدات التنظيم.

 

فيما أشارت التحقيقات إلى أن الأمير الصغير حاول استيراد الأسلحة والمتفجرات وجلب زي لجيش الولايات المتحدة الأمريكية، واستخدم شركات الأوف شور والجهات المالية العابرة للحدود لتحويل الأموال والعملات تمهيداً لتجهيز قوته.

«جاذبية الخليفة»

سوابق إرهابية

تجدر الإشارة أن هذه ليست المرة الأولى التي يتهم فيها إسحق بتهم إرهابية، ففي 2017 ألقت الأجهزة الأمنية اللبنانية القبض عليه أثناء محاولته التسلل نحو سوريا للالتحاق بتنظيم داعش، وتم سجنه حينها لمدة 9 أشهر في سجن رومية ليعود بعدها إلى استراليا ويخضع لبرنامج تأهيلي لعلاج التطرف والميول العنيفة.

 

كما كشفت التقارير أن المطري حاول بعدها التخطيط للانضمام إلى معسكرات التنظيم في أفغانستان، وقرر السفر إلى باكستان عن طريق الحصول على جواز سفر رسمي من سفاراتها بالبلاد ومن ثم اجتياز حدودها نحو أفغانستان، ولكن عاد ليفكر بإقامة فرع داعشي ببلاده، ولكن خضوعه للمراقبة من جانب الشرطة وأجهزة مكافحة الإرهاب كنتيجة لتطرفه القديم قد سهل من افتضاح الأمر.

 

وأما عن المتهمين الآخرين فأحدهم يبلغ من العمر 30 عامًا والآخر 23 عامًا وتم الكشف عن هويته ضمن التحقيقات التي جرت اليوم واسمه رضوان الدقاق ولايزال يحاكم بتهم الارتباط بجماعة وإرهابية والتخطيط لهجمات دامية.

«جاذبية الخليفة»

جدل قانوني

أثارت تلك القضية الكثير من اللغط داخل المجتمع الأسترالي وخصوصًا أن المراهق المتطرف قد خضع بالفعل للبرنامج الحكومي لمعالجة الإرهاب ولكن يبدو أنه لم يستجيب، وهو ما شكل جدلًا حول جدية تلك البرامج في التعامل الحقيقي والواقعي مع ما يحمله الأشخاص من عقائد وهويات مضطربة.

 

وفي هذا الصدد يقول ضابط الشرطة السابق، الدكتور مايكل كينيدي الذي كان مسؤول عن توجيه المطري وفقًا للبرنامج الرسمي الذي وضعته جامعة ويسترن سيدني إن المطري تم التعامل معه بجدية وتم تحذيره من الوضع تحت الرقابة اللصيقة ومتابعة رسائله عبر الوسائل الإلكترونية، ولكن لفت مايكل أنه لا يوجد شخص يخرج من السجن أفضل مما دخل إليه.

 

بينما صرح وزير الداخلية، بيتر داتون أن انحراف مطري بعد برنامج المعالجة يُعطي دلالات خطيرة، ويلزم الحكومة بسرعة إقرار مشروع القانون المقترح «الإقصاء المؤقت» والذي سيمنح الجهات الرسمية سلطات واسعة النطاق لإقصاء أي مواطن أسترالي مشتبه به لمدة تصل إلى عامين، مؤكدًاً أن الإرهاب يتنامى وإنه ليس ببعيد عن الأراضي الأسترالية وبالأخص مع وجود عدد من مواطني البلاد يتدربون في الخارج على المعارك العنيفة ويقومون بإلهام غيرهم عبر الشبكة العنكبوتية محاولين استقطاب الآخرين.

«جاذبية الخليفة»

جاذبية خلافية

بالعودة إلى ترتيب خطوات المراهق الصغير نحو التطرف نلمس تأثره بخطاب البغدادي حول دعوة الذئاب المنفردة لتنفيذ عمليات تكتيكية ضد الحكومات المناوئة للتنظيم والتي اشتركت في دحرها من سوريا والعراق، إذ قرر الصغير إنشاء ولاية للتنظيم بأستراليا.

 

 وهذا يحيلنا إلى القوة التحفيزية ومدى التأثير الذي تُشكله خطابات القادة والزعماء على تابعيهم من الأيدلوجيات التكفيرية، فبعد أنباء تقهقر التنظيم بدأت عمليات الذئاب المنفردة في الخفوت ولكنها عادت بوتيرة أسرع بعد خطاب البغدادي وهو ما حدث في تونس وتكرر أيضًا في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرهم من الدول.

 

وهو ما يثير الإشكالية حول العلاقة بين القيادة واستمرار صعود الجماعات الإرهابية، فهل تواجد الزعيم الروحي للجماعة ومؤسسها على قيد الحياة وتحفيزه للعناصر يساهم في استمرارية التنظيم أو قوته.

 

وتتجلى ماهية تلك التساؤلات إذا ما طبقناها على «تنظيم القاعدة» فقتل أسامة بن لادن في أبوت آباد بباكستان في مايو 2011 لم ينهِ التنظيم بشكل كامل، ولكن خفف من سطوته، صحيح أن البعض قد يُرجع ذلك إلى استراتيجية قيادة مختلفة يتبناها أيمن الظواهري تقوم على منع العمليات الكبرى والوصول السريع للأهداف المرجوة استنادًا على خبرته مع ما يُعرف بالجماعة الإسلامية التي تسبب عنفها المفرط في القضاء السريع عليها.

 

 ولكن الأرقام الظاهرة توضح صعود عمليات القاعدة في عهد بن لادن وتصاعدها أيضًا مع البغدادي، بغض النظر عن استطاعة الظواهري فرض الاستمرارية على التنظيم فهذه نقطة مختلفة ترتبط بالعقيدة التي يتبناها هؤلاء، فقطع رأس التنظيم لا تشكل بالضرورة نهايته ولكن المقصود مدى اتساعه وسطوته و قدرته على الاستقطاب والحشد.

 

وفي هذا الإطار، ذكرت دراسة معنونة بـ«القيادة المعقدة للتنظيمات الإرهابية» أن قتل رأس التنظيم يعد بداية لتغلغل الجماعات وضرب توسعها وتقويض تكتيكي لنفوذها، ولكن لا يمثل النهاية الأخيرة، فطبقاً للورقة البحثية التي نشرتها جامعة لينكولن ببريطانيا تستمد الجماعات المتطرفة بعض قوتها في تلك الإشكالية من طبيعة منظومة الاتصالات واتجاهات تلقي الأوامر والعقد الصغيرة التي تنتقل من خلالها الرسائل وقدر المرونة الممنوحة لتلك العملية التي تسهل من خلق أجيال قيادية جديدة تحافظ على بقاء التنظيم وتختلف معها درجة سطوته.

 

فرص أسترالية


وفيما يخص تلك الجدليات والإشكاليات حول تأثير ذلك على الفرص المستقبلية لداعش في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية يتضح أن الإدارة الأمنية لاتزال واعية بجوانب المشكلة وتمكنت من وأد الفرع المزعوم للتنظيم داخل البلاد.

 

ولكن تشير تصريحات وزير الداخلية إلى احتمالية تنامي فرص الذئاب المنفردة في الهجوم على أهداف خطيرة قد تربك الأمن المجتمعي، وخصوصًا أن التنظيم نجح من قبل في تنفيذ بعض العمليات ولعل آخرها كان في 9 نوفمبر 2018 عندما قام مهاجر صومالي عمره 31 عامًا بإشعال النيران في شاحنة كانت تقل أسطوانات غاز؛ إضافة إلى طعن 3 آخرين بأحد شوارع ملبورن ما تسبب في مقتل شخصين منهم منفذ الهجوم.

 

واللافت أن أقوال وزير الداخلية حذرت من خطورة التجنيد الإلكتروني الذي لايزال يطبق من جانب الجماعة لتهديد الدول الغربية، وإجبارها على الخضوع لرغبات الجماعات المتطرفة، وتبقى هنا اليقظة الأمنية عامل فاصل في تحدي جدية الفرص المستقبلية للدواعش في أي دولة، إلى جانب حالة الاستقرار أو الاضطراب الداخلي بالمجتمعات المختلفة، ومدى احتواء الدولة لطاقات الشباب والمراهقين بداخلها.

"