يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

المفكر الشيعي أحمد الكاتب: «المهدويَّة» ليست من أصول الدين ولا فروعه

الخميس 27/يونيو/2019 - 11:18 ص
المرجع
حوار ماهر فرغلي
طباعة

أدعياء المهدويَّة ألَّفُوا لها أحاديثَ ونسبوها للنبي الأكرم محمد (ص)

* لا توجد مُشكلة في العقيدة الإسلاميَّة لكن في النظريات الدخيلة

* عملية انتخاب مرجع أو زعيم سياسي لطائفة كبيرة في العالم لا تتم بصورة طبيعية

* الإسلام لم يتحدث عن نظام الحكم ومَنْ يحكم ومَنْ لا يحكم

* الإسلام ترك الساحة للناس لتطوير أنظمتهم السياسية والدستورية التي تتفق مع مصالحهم

* وجود جماعات متطرفة كـ«داعش» أدى لاستخدام شعار الخلافة لفرض أنفسهم بالقوة والإرهاب باسم الدين


ترتكز المرجعيات الشيعية على نظريتين متميزتين، الأولى: «التقيَّة» والانتظار للإمام المهدي الغائب، والثانية: نظرية ولاية الفقيه، وكلتاهما تطورت على أساس نظرية (نيابة الفقهاء عن الإمام المهدي) إلى أن أصبح ذلك يشمل قضايا سياسية قريبة من الدولة، كإعطاء الفقهاء الإجازة للملوك للحكم نيابة عنهم، باعتبارهم مصدر الشرعية الدستورية في عصر الغيبة؛ لأنهم نواب الإمام المهدي. 

وفي هذا الحوار يُفصل لنا هذه المسائل، الـباحث والكاتب العراقي أحمد الكاتب، المختص في التراث الإسلامي، والذي ألف كتابًا بعنوان «تجربة الثورة الإسلامية في العراق»، انتقد فيه المرجعيَّة الدينيَّة، والذي أصدر عدة كتب أثارت جدلًا داخل الأوساط الشيعيَّة - لم ينتهِ حتى الآن- أهمها «تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه»، «الإمام المهدي حقيقةٌ تاريخيَّة، أم فرضيةٌ فلسفية؟».. وإلى نص الحوار،،،

 

1 - كيف أسهمت فكرة المهدي في التخلف الراهن؟

أصبحت الفكرة المهدويَّة سلبيَّة مُطلقة، عندما امتزجت في القرن الرابع الهجري برجلٍ وهمي افترض بعض الناس ولادته ووجوده، وقالوا: إنه محمد بن الحسن العسكري الإمام المعصوم المُعَيَّن من قِبَل الله، الذي زعموا ولادته في أواسط القرن الثالث الهجري بصورة سرية لم يعرف بها أحدٌ من أهل البيت، ولا عامَّة الشيعة؛ فضلًا عن عامة المسلمين، وقالوا إنه غائب؛ ثم قالوا إنه (المهدي المنتظر) وسوف يخرج في المستقبل، ومضى أكثر من ألف عام ولم يخرج ذلك المهدي، وجاءت سلبية هذا المهدي الخطيرة، من الربط بين نظرية الإمامة والمهدويَّة، وتحريم العمل السياسي والثورة وإقامة الحكومة في عصر الغيبة وانتظار ذلك الإمام غير الموجود.

 

2 - هل الإيمان بالمرجعية والتقليد الأعمى لها باعتبارها نائبة عن الإمام المهدي من شروط التشيُّع؟

التشيع لأئمة أهل البيت في التاريخ كان يعني في البداية الولاء السياسي، ثم تطور لدى فصيل معين من الشيعة هم (الإمامية) بعد الاعتقاد أنهم أئمة معصومون معينون من قِبل الله، وأن الإمامة تتسلسل في ذريتهم واحدًا بعد آخر، ثم وصلت هذه النظرية إلى طريق مسدود بوفاة الإمام الحادي عشر (الحسن بن علي الهادي) سنة ٢٦٠ للهجرة، دون عقب، فافترض بعض الشيعة وجود ولد له في السر، وقالوا إنه الإمام الثاني عشر، وهكذا ولدت الفرقة الإثنا عشرية، ولم تكن هذه الفرقة تعرف الاجتهاد أو التقليد، لكن بعض فقهائها في القرن الخامس الهجري كالشيخ المفيد والشيخ الطوسي والسيد المرتضى فتحوا باب الاجتهاد، للإجابة عن المسائل الحادثة؛ لكنهم كانوا يحرمون التقليد، ويوجبون على كل شخص البحث والتحقيق والنظر والاجتهاد، إلا أن بعض العلماء المتأخرين أوجبوا (التقليد) للعلماء، عندما أرادوا تكوين نظام سياسي تحت قيادتهم، وترافق ذلك مع إيجابهم تسليم (الخُمس) لهم، وادعى بعضهم أنهم نواب عامون عن الإمام المهدي الغائب، وأنه يحق لهم تولي صلاحياته وسلطاته في (عصر الغيبة) وهو ما أسموه بولاية الفقيه!.

3 - من هنا يحضرني السؤال هل المهدويَّة والمرجعيَّة فكرةٌ أم عقيدةٌ؟

المهدوية كما قلنا قبل قليل، فكرة عامة ليست من أصول الدين ولا من فروعه؛ لكن بعض أدعياء المهدوية في التاريخ ألف لها أحاديثَ ونسبها للنبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وسلم)، وأما المرجعية فهي الأخرى تفتقد إلى الأساس الشرعي؛ لكنها قامت في البداية على ادعاء العقل القاضي برجوع الجاهل للعالم، ثم تضخمت بادعاء النص عليها من الإمام المهدي الغائب، فتحولت لدى بعض الشيعة إلى ما يشبه الأصل الثابت في الدين، وتحريم مُخالفة المرجع ووجوب طاعته بشكل مطلق.


4 - من هو الإمام الغائب أو المغيب الذي أمرنا الله باتباعه وهل هو العقل أم القرآن أم «الإمام الثاني عشر»؟

لم يأمرنا الله تعالى بطاعة أي رجل بعد وفاة النبي الأكرم محمد (ص)؛ لأن الإسلام لم يتحدث عن نظام الحكم ومن يحكم ومن لا يحكم، فضلًا عن أمرنا بطاعة شخص (غائب) لا يسمع ولا يرى ولا يمكن التواصل معه، أو في الحقيقة لا وجود له، لقد اخترع بعض أصحاب الإمام العسكري هذه الشخصية الوهمية لكي يستفيدوا ماليًّا وسياسيًّا من ورائها.. صحيح أن العقل يأمرنا بانتخاب زعيم ينظم أمور البلاد؛ لكن العقل والإسلام لا يمكن أن يأمرانا بطاعة رجل أسطوري مجهول.


5 - ما قولك فيما يُسمى بمشروع الخلافة؟ هل هناك خلافة بالفعل؟ وكيف أسهمت في ظهور جماعات متطرفة؟

لقد جعل الله الإنسان خليفته في الأرض، ولم يسمح باستيلاء أي إنسان على السلطة بالقوة والإرهاب، وتوريثها لأبنائه وأحفاده باسم الخلافة، وهذا يعنى أن ما سُمِّيَ بالخلافة في التاريخ الإسلامي كان اختراعًا بشريًّا، وفي كثير من الأحيان أصبح «الخلفاء» ضد خلافة الإنسان، وذلك عندما حكموا بالظلم والجور والطغيان؛ لكن بعض الفقهاء السنة في التاريخ أضفوا أيضًا صفة القداسة الدينية على أنظمة الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية، وعندما سقطت هذه الأخيرة في عشرينيات القرن الماضي، قرر بعض الأحزاب كالإخوان، وحزب التحرير إعادة «الخلافة» بأي وسيلة، وهذا أدى لوجود بعض الجماعات المُتطرفة كـ«داعش» لاستخدام شعار الخلافة لفرض أنفسهم بالقوة والإرهاب على الناس باسم الدين، أو تطبيق بعض الأحكام والقوانين العقابية، واعتبار حكمهم شرعيًّا.


6 - هل ظاهرة اللعن للصحابة إفراز من إفرازات الفكرة المهدوية؟

بكل تأكيد نعم، فظاهرة اللعن للصحابة ولدت في القرن الثاني الهجري، وذلك لاعتقاد أصحاب هذه النظرية بأن الإمامة بالنص من الله تعالى، وبالتالي فإن الصحابة الذين جاءوا عبر الشورى خالفوا النص على الإمام علي بن أبي طالب، وقالوا إنهم «اغتصبوا حق آل البيت» وفسروا بيعة الإمام علي للخلفاء الثلاثة الأوائل أبي بكر وعمر وعثمان أنها تمت قسرًا، وبعد اقتحام دار الإمام والتهديد بإحراقها، أو إحراق الباب وعصر السيدة فاطمة الزهراء وراء الباب وإسقاط جنينها، وإن التصديق بهذه الروايات المفبركة (الشبهة) يدفع بعض الشيعة المحبين لأهل البيت لإعلان البراءة من الخلفاء، ولعن الصحابة، الذين بزعمهم قد خالفوا النص النبوي على إمامة علي.

 
7 - ما قلته يجعلني أتساءل هل يملك رجال الدين بكامل مذاهبهم مشروعًا فكريًّا حيويًّا وفعّالًا يخدم الأجيال؟

يختلف الأمر من واحدٍ إلى آخر، ولا يمكن الحكم عليهم بصورة عامة.


8 - ألا توافقني أن استناد المتطرفين لأقوال تراثية يجعل الأمة كلها خارج الزمن؟ وكيف نُعالج مسألة التراث وتجديده هل سيكون ذلك بالانتقاء منه أم بنسفه كاملاً؟

لا مشكلة في العقيدة الإسلامية؛ لكن المشكلة في النظريات الدخيلة لاسيما السياسية، وإضفاء طابع «إسلامي» عليها.


9 - هل العامة مأمورون بالتقليد للمرجعية؟

التقليد الأعمى نوعٌ من الانحطاط والتخلف، وقد كان مشايخ الطائفة الإثني عشرية في القرن الخامس الهجري يصفونه بالقبح، ويحرمونه، في حين كانوا يوجبون على كل إنسان الارتفاع إلى مستوى التفكير والاجتهاد والاختيار بين الآراء المختلفة، والسؤال عن الأدلة والبراهين.


10 - لقد تحدثت عن دور مؤسسة «الخوئي» في لندن في تعيين «السيستاني» مرجعًا أعلى للشيعة ماذا تريد أن تقول؟

أريد أن أقول إن عملية انتخاب مرجع أو زعيم سياسي لطائفة كبيرة في العالم لا تتم بصورة طبيعية سلسة؛ بناءً على اتصاف المرشح بالعلم والعدالة، وإنما تتم عملية انتخابه من وراء الكواليس وفي غرف مُظلمة يشارك في مباحثاتها أكثر من جهاز مخابرات إقليمي ودولي، ثم يفرض المرشح بالمال والإعلام على الناس، من أجل تحقيق أهداف معينة، وبما أن المرجعية الشيعية لا تخضع في الظاهر لحكومة معينة، فإن أجهزة المخابرات الدولية تحاول السيطرة عليها والتأثير في انتخاب مرشحين يتمتعون بصفات المهادنة والابتعاد عن السياسة والتعقل.


11 - تحدثت أيضًا عن الخُمس وذكرت خمس حقائق مثيرة هل يمكن أن تقولها لنا؟

لا أعرف ماذا تعني بالضبط من سؤالك؛ لكن المراجع الشيعية قالوا قبل حوالي مائتي عام، بوجوب الخُمس أي خُمس أموال الأرباح السنوية من كل فرد، وذلك بعد أن كان الخُمس غير واجب عند الشيعة لقرون طويلة، علمًا بأنه لم يفرض في الإسلام إلا في غنائم الحرب، وليس في أموال المكاسب، لكنهم أقرُّوه لتمويل ماكينة المرجعية التي تصدت لقيادة الشيعة في ظل غيبة الإمام المهدي منذ حوالي قرنين من الزمان، كما يدّعون.


12 - هل أخطأ «السيستاني» في مهادنة الاحتلال الأمريكي للعراق؟ وهل فعل ذلك بالنيابة عن الإمام المهدي؟

السيستاني كغيره من مراجع الشيعة المعاصرين يدَّعون أنهم نواب عامون عن الإمام المهدي الغائب، وهذا افتراضٌ وهميٌ من قِبَلهم لا يقوم على دليل شرعي، وإنما مجرد افتراض حولوه بالدعاية والإعلام إلى «حقيقة»، والسيستاني اتخذ موقف المُهادنة من الاحتلال الأمريكي اعتمادًا على اجتهاد سياسي خاص منه، وليس بالنيابة العامة عن الإمام المهدي.


13- كيف ترى الديمقراطية ورؤية السلفيين السنة لها ورؤية سلفيي التراث الشيعي لها؟

سلفيو السنة والشيعة كانوا ولا يزالون ينظرون إلى الديمقراطية كقضية محرمة، والإسلام ترك الساحة السياسية للناس لتطوير أنظمتهم السياسية والدستورية التي تتفق مع مصالحهم في كل زمان ومكان، وبالتالي فلا مانع من اقتباس التجربة الديمقراطية الغربية العقلية الإنسانية التي تحاول منع الاستبداد بتوزيع السلطة إلى تشريعية وتنفيذية وقضائية، ولفترات محددة، حتى يتم تبادل السلطة بشكل سلمي بين الشخصيات والأحزاب، ولا مانع من تبني النظام الديمقراطي.


14 ماذا بقي من الخلافات السنية الشيعية الجوهرية وكيف نحل تلك الإشكالية؟

الخلافات السنية الشيعية كانت تاريخية تدور حول الدستور وصفات الحاكم، ومَنْ يحق له الحكم وما إلى ذلك، وفي الواقع كان الخلاف يدور بين حق قريش في الحكم أو حق العباسيين أو حق العلويين، وذهب كل هؤلاء ولم يبقَ منهم أحدٌ، فلا معنى للخلاف بينهم اليوم، وبكلمة أخرى إن جوهر الخلاف، كان السياسي العائلي، وقد انتهى ولم يبقَ منه سوى بعض القشور والمسائل الفقهية الجزئية البسيطة، وقد زال الخلاف السياسي تمامًا بعد اتفاق السنة والشيعة على دساتير جديدة وأنظمة ديمقراطية مشتركة؛ حيث لم يعد يجوز إطلاق اسم السنة أو الشيعة على الحكام والشعوب المؤمنة بالديمقراطية.

"