رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
مستشار الطبعات الدولية
رولان جاكار
رئيس التحرير التنفيذي
ماهر فرغلي
ad a b
ad ad ad

«الخلافة والسياسة».. كتاب يشتبك مع فوضى الإسلامويين والربيع العربي

الخميس 20/يونيو/2019 - 12:40 م
المرجع
نهلة عبدالمنعم
طباعة

أسست الجماعات المتطرفة لوجودها في المنطقة العربية منذ عشرات السنين، مُرتكزة على قواعد فقهية وأساطير تاريخية تم تطويعها لصالح خدمة تلك الكيانات، ومن ثم يأتي مصطلح «الخلافة» كمقدمة أيديولوجية ضرورية للأفكار التي بُني عليها الإطار الفكري والترويجي للمنهج التكفيري.


وما بدأته جماعة الإخوان في 1928 تمخضت عنه مجموعات أخرى كثيرة أفشت العنف في ربوع العالم، إلا أن ثورات الربيع العربي شكلت نقطة محورية لصعود تلك التيارات بشكل مضطرد، وبالأخص مع ترهل الأنظمة السياسية والأمنية في بعض البلدان؛ ما شكّل جغرافية فسيحة سمحت للجماعات بالانتشار واستحضار المقدمة الرئيسية لوجودهم، والمتمثلة في تأسيس ما سمّوه الخلافة.



روبرت أوبرسكو
روبرت أوبرسكو
وكان تنظيم داعش من أشهر المجموعات التي تبنت تلك الاستراتيجية في الفترة الأخيرة؛ لذلك حاول باحثون تفسير تلك الظاهرة، منهم تيموثي بويرسون الباحث في جامعة سانت أندروز بالمملكة المتحدة ورفيقه روبرت أوبرسكو في كتابهم المعنون بـ«الخلافة والسياسة الإسلامية العالمية» أو «caliphates and Islamic global politics»، وهو كتاب صدر في 2016 وترجم بعدها للغة العربية نظرًا لاحتوائه على مجموعة دراسات حول نظرية الخلافة وصعود تيارات الإسلام السياسي بالتوازي مع الفوضى التي أعقبت ثورات منطقة الشرق الأوسط في 2011.

  يعتقد الباحث أن ثورات الربيع العربي كانت أملًا للشعوب في تغيير واقعها السياسي والاجتماعي إلى مزيد من الحرية والديمقراطية، ولكن مجموعات الإسلام الحركي أسهمت في تحويل ذلك إلى مربعات عنف وفساد أدى إلى إسقاط الدول في منحدر شديد الخطورة، مثلما حدث في ليبيا وسوريا.

الانطلاقة الإخوانية

يقدم الكتاب في أول فصوله رؤية بحثية حول المقدمات التي أدت إلى الواقع الحالي بالمنطقة؛ إذ يشير إلى أن جماعة الإخوان هي نقطة البداية لظهور التيارات التكفيرية، وهي المسؤولة عن الترسيخ للمجموعات التي اختلطت عليها مفاهيم الدين والسياسة والحكم.

 كما أن مظاهر الفساد والديكتاتورية بالأنظمة السياسية دفعت مواطني المنطقة للانتماء لجماعة الإخوان وما انبثق عنها، كبديل معارض لتلك الأنظمة يُقدم نفسه بصبغة دينية تلامس وجدان الشعوب، ويستخدم مصطلحات رنانة كـ«الإسلام هو الحل»، ومع كثرة المشكلات بالدول أضحت الجماعات الراديكالية ذات ظهير شعبي مؤقت.

الشعبية المؤقتة

وما أضفى عليها سمة «الشعبية المؤقته» هو ما علله الباحث بالعقيدة الفاسدة والممارسات العنيفة والبراجماتية التي اعتمدتها تلك الكيانات في التعامل مع الثورات العربية، فمن وجهة نظره أن ليبيا قد تحولت بفعل مجموعات الإسلام السياسي إلى دولة ميليشيات تتحكم بها الجماعات المسلحة وتخوض حربًا ضروس مع جيشها الوطني، وفي ما يخص الوضع السوري فقد أسهمت الإخوان والجماعات المتطرفة مثل داعش وهيئة تحرير الشام- وما انبثق عنهما من فصائل إرهابية- في تمزيق الدولة وتشريد مواطنيها وإشعالها بقتال قد يستمر طويلًا، وفي اليمن تحولت المطالبات السياسية والاجتماعية إلى حرب طائفية أشعلتها تلك المجموعات التي ادعت السلمية في البداية، ثم كشفت عن وجهها مع الوقت.

وبالنسبة لباقي الدول مثل تونس ومصر، يرى الباحث أن الدولة التونسية بالرغم مما حققته من مكاسب أولية فإن هناك إحباطًا سياسيًّا قد أصابها جراء تكالب الإخوان على السلطة، وفي مصر تحولت المظاهرات الكاسحة إلى ثورة رافضة للنزعات الاستبدادية لجماعة الإخوان بعد اعتلائهم سدة الحكم.

وبناء على ذلك، فإن المشهد الحالي لما آلت إليه الأوضاع في المنطقة العربية يبدو وفقًا للكاتب بمثابة تسديد لفاتورة ميراث «ربيع إسلاموي»، سواء بفوضى في بعض الدول أو بسيناريو جديد لا يخدم مشروع الجماعات المتطرفة، مثلما حدث في مصر التي استطاعت أن تلفظَ الجماعة سريعًا وتحطم أيديولوجيتها الزائفة.

تيموثي بويرسون
تيموثي بويرسون
جدلية الخلافة والشريعة

نظرًا لسوء الأوضاع في الدول التي استشرت بها الجماعات الأصولية باتت الأفكار المؤسسة لتلك الجماعات محل شك ودراسة من قبل الباحثين الأجانب الذين يعتقدون في خطورة الأيديولوجيات المتطرفة على المجتمعات المتحضرة، وعليه فإن الكاتب قد أفرد أحد فصول مطبوعته للبحث في التعددية القانونية والشريعة وماهية تطبيق القوانين الإسلامية في دساتير المجتمعات.

وطالما أن الخلافة بالمفهوم الذي كانت تروج له المجموعات المتطرفة أصبح شحيح الشعبية ليس فقط في الدول ذات النتيجة التمزقية وإنما في الدول الغربية أيضًا، فإن ذلك قد ألقى بظلاله على تمدد الإسلاموفوبيا في الغرب، وسمح بتصاعد المزيد من المخاوف والمناقشات الحادة، وغير الواضحة حول المواد الدستورية التي تضبط علاقة الدين بالحكم في المجتمعات الشرق أوسطية.

علاوة على ذلك، لفت الباحث إلى أن المجموعات العنيفة مثل «داعش» و«بوكوحرام» و«حركة الشباب» وغيرهم يلعبون دورًا كبيرًا في توظيف تفسيرات الشريعة الإسلامية بشكل مغلوط يبرر للفوضى وسفك الدماء، ويقدمون صورة مغايرة للحقيقة التطبيقية للنصوص الدينية.



مقارنة الأهداف

يسعى الباحث من خلال عدد من صفحات كتابه للمقارنة بين التطلعات والدوافع لدى الحركات الإسلاموية الوطنية والحركات الإسلاموية الدولية، وفي هذا نجد أن الكاتب لم يكن موفقًا بعض الشيء في هذا التصنيف، ربما لبعده عن الواقع الحقيقي للمجتمعات العربية أو اعتقاده الخاطئ بأن جماعة الإخوان بمصر ذات توجه محلي بحت، كما أن ما يفعله حزب النهضة بتونس هو أيضًا شأن داخلي، أما تنظيما القاعدة وداعش فهما مجموعتان عابرتان للقارات.

ولكن الأوقع من خلال دراسة أدبيات الإخوان والجماعات الإسلاموية بشكل عام، أن جميعها تنظيمات دولية تمتلك فروعًا متعددةً في البلدان المختلفة، وتحكمها أحلام الخلافة والتوسع الجغرافي، ولا ترتكز في عقيدتها على أسس وطنية كما يدفع الكاتب، حتى إن استمدّ هذا الاعتقاد من تغير أسماء التنظيمات وارتباطها الظاهري بالداخل المحلي، فالمعروف عن الجماعات الراديكالية عدم احترامها للحدود الوطنية، وسعيها إلى دمج الجميع في أفكارها الخاصة.

وبالعودة إلى صفحات الكتاب نجد أن الباحث الإنجليزي قد استفاض في شرح تاريخ حزب النهضة بتونس، ووصفه أنه الأنجح وسط جماعات الإسلام السياسي، وأنه قد حافظ على استقراره مقارنةً بالإخوان في مصر؛ وذلك نتيجة لدمج عناصره في عناصر النظام السابق.

فيما يدفع الباحث بوجود علاقة تضامنية وتعاونية بين رجال العشائر والقبائل مع المجموعات المتطرفة؛ إذ إن المناطق الجغرافية التي يعيش فيها قبائل مهمشة من الأنظمة السياسية هي من تُسهم بشكل كبير في مساعدة عناصر الإرهاب على مزيد من التوغل في تلك البلاد، مشيرًا إلى جماعة الحوثي باليمن وغيرهم.

"